محمد بسام قباني ربما لن يكون المرء مبالغا إذا إدعى بأنه لم يخْلُ دين من الأديان من الإمتزاج بالسياسة ومن إستخدام الساسة له أو من إستخدام رجال الدين للسياسة في ديباجاتهم، ففي الكثير من دول العالم حتى تلك التي تنص دساتيرها رسميا على الفصل بين الدين والسياسة يلجأ الساسة إلى توظيف الدين في تدعيم سلطاتهم السياسية كون الدين أحد مكونات الثقافة المجتمعية فيها وأحد عوامل التجييش المشاعري للجماهير، أويلجأ رجال الدين إلى الإصطفاف مع الساسة للوصول إلى مكتسبات معينة أو لتوطيدها والمحافظة عليها، وفي بعض الأحيان إتقاءاً لشرورهم و خوفا على حيواتهم.أقول هذا كمقدمة لتناول بعض الفتاوى لبعض علماء الدين الإسلامي التي أُطْلِقت وكأنها بيانات سياسية رئاسية لا كفتاوى شرعية دينية، أظن أن كل من أصاب حظأ ولو متواضعا من العلوم الشرعية سيصل إلى هذه النتيجة وسيعرف أنها مما يقال فيه ‘حق يُراد به باطل’، أو ربما من نوع ‘لا تقربوا الصلاة’ دون أن يُتِمَّ الآية التي تنهى عن ذلك لمن إنتشى ووصل إلى درجة السكر بعد إحتسائه الخمر المحرمة، فالفقهاء عندما يفتون بحرمة الخروج على ولي الأمر وبالنهي عن التظاهر ضده إنما ينطلقون في العادة من مقدمات تفترض شروطا معينة في ولي الأمر تجعل من الخروج عليه حال توفرها فتنة تشق صفوف المسلمين وتمزق وحدة المجتمع وتنال من سلمه الإجتماعي، أما عندما ينطلق المفتون من مقدمات خاطئة ويستخدمون منطقا صوريا جامدا يتجاوز واقع الناس ويهمل شروط المقارنة والقياس ولا يراعي مصالحهم الدينية منها أو الدنيوية فإنهم سيصلون حتما إلى نتائج أقل ما يقال في حقها أنها غريبة ومبتوتة الصلة عن واقع الناس، ومنبتة العلاقة عن إنزال النص على الواقع الذي يعد من أهم مهام المفتي.المقدمات التي يهملها مثل هؤلاء المفتون هي الشروط الشرعية التي وضعها الشارع على من يحق له نيل شرف لقب ‘ولي الأمر’ الذي تجب له الطاعة، إبتداءا بالشروط التي ينبغي أن تتوفر في هذا الشخص من أمانة وعدالة وعدل وغيرها، وهي التي وُضِعت لضمان حقوق ‘الرعية’، ومرورا بالطريقة التي يفترض أن يأتي بواسطتها هذا الشخص أو ذاك إلى كرسي الحكم ويحتاز بذلك لقب ‘ولي الأمر’، وأخيرا بناءً على السيرة التي سيسير بها في محكوميه وأسلوب الحكم الذي سيتبعه، لقد جعل الفقهاء هذا من الشروط الصعبة التي لا تكاد تتحقق في كثيرين من باب الحرص على مصلحة المحكومين العامة ولسد ذرائع الفساد والإستبداد في الحاكمين، هل غاب عن من يتبرع بمثل هذه الفتاوى غير المسؤولة عن كل هذه الشروط والضمانات، أم غابت هي عنه؟ هل يرى هؤلاء المفتون في من يدعي اليوم حيازته لقب ‘ولي الأمر’ الصورة المثلى أو ما يقرب من ذلك للحاكم حتى يمنع على المحكومين حقهم – بل واجبهم – في التظاهر ضدهم أو حتى الخروج عليهم والمطالبة بعزلهم؟ ألم يقرروا في موسوعاتهم الفقهية بأن اللفظ إذا أطلق يراد به الكامل؟ أي أنهم عندما يفتون بمنع الخروج على ‘ولي الأمر’ فإنهم يعنون بذلك الكامل منهم – أو من إقترب من الكمال – الذي قام بواجباته نحو رعيته وحكم بهم بالعدل وأحسن إليهم وأخذ الحق لضعيفهم ورفع المظالم، أين حكام اليوم من هذا لِيُفْتى بحرمة الخروج عليهم؟إن هؤلاء المفتين إنما يفتِنون الناس بمثل هذه الفتاوى عندما يربطون الدين في أذهان المتدينين خاصة وفي أذهان البشر عموما بالإستبداد وبالوقوف في وجه قضايا المسحوقين وبالتنازل عن واجباتٍ من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن قول الحق في وجه من تجبر وتغول وتكبر، إنهم يرسخون لهؤلاء جميعا المقولة المعادية للدين والمنفرة من الإعتقاد به، ثم إنهم بعد ذلك يستغربون من نفور هؤلاء من الدين ومن تراخيهم في أخذ العقائد والشرائع مأخذ الجد! ألا تضع مثل هذه الفتاوى الناس أمام إختيار غير عادل وغير مبرر أصلا بين تدينهم وبين الخضوع لولاة الأمر المستبدين؟ ألا تعيد مثل هذه الدعاوى إستهلاك فكرٍ وفقهٍ سلطوي سيخرج الناس من دين الله أفواجا، بينما من المفروض على رجال الدين واجب إدخال الناس في دين الله أفواجا؟.ألم يحن الوقت للكثير من هؤلاء المفتين أن يفهموا روح عصرنا الجديد وأن يتفهموها؟ تلك الروح التي قفزت قفزة نوعية في فهمها لجوهر علاقة المواطن بالمجتمع الذي يحيا فيه؟ إذ إن المرحلة التي كان يلقن المواطن خلالها تلقين الكتب المقدسة بكل ما يجب عليه نحو مجتمعه دون الإلتفات إلى أي حق من حقوقه قد أكل الدهر عليها وشرب، نحن نعيش اليوم في عصر أقل ما يمكن وصفه بأنه قد أعاد الأمور إلى نصابها ليحقق بعضا من التوازن في هذه العلاقة، إذ غدت للمواطن حقوق تنبغي له ويعتبر المجتمع مقصرا نحو مواطنيه إن هو لم يؤمنها لهم، وبالطبع فإن المجتمع ممثلا بسلطته التنفيذية هو التي تناط به مهمة تأمين هذه الحقوق، أي أنها تعتبر من واجباته إتجاه مواطنيه.ألم يحن الوقت أيضا أن يكف هؤلاء المفتون عن إفهام المواطن بأن تولي السلطة تكليف لا تشريف لِيُزَهِّدوا به الناس وليستولي عليها عندئذ من يطمح إليها ليغرف بكل ما أوتي من سعة وليسرق طعام الفقراء والمسحوقين؟ إن المرحلة التي إتسمت أيضا بأن كل من في السلطة يعرف حقوقه وحسب، ولا يرى في نفسه أو في نفسيته دافعا للقيام بواجبه الوظيفي إتجاه مجتمعه أشرفت على النهاية في ظل ربيع العرب الحديث، على هؤلاء المفتين أن يقوموا بواجب النصح والأمر بالمعروف والنهي على المنكر لافي حق العامة وحسب – وهم أضعف حلقات السلسلة – وإنما في حق المتسلطين والمتنفذين، بهذا فقط يؤدون حق الشهادة على العصر وواجبهم بالعمل بما علموا، وبمثل هذا ينالون مراتب الشهداء والصديقين بقولهم كلمة الحق عند سلطان جائر.إن أهم ماينبغي لفقهاء اليوم هو أن يطووا تلك الصفحة من التاريخ التي كان ‘ولي الأمر’ عندهم لقبا يحتازه من جلس على كرسي الحكم أيا كان وبأي طريقة وصل فيها إلى الحكم ومهما كانت طريقته في الحكم غير رشيدة وغير صالحة، أي إن فقه المنتصر والمتغلب قد ولت أيامه، نحن اليوم نعيش في أيام فقه أقل مواصفاته هي أنه ينحاز لقضايا الجماهير، فقه يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية التي وضعها العلماء في حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، هذه المقاصد يجب أن تتوسع ويضاف إليها ما يؤمن للمواطن عيشة كريمة لا تكتفي بالضروريات بل تصل إلى الحاجيات وتصر على تأمين الكماليات، بهذا وحده يكف الدين عن أن يكون مخدرا للشعوب ويكف رجال الدين عن يكونوا سدنة لمعابد الإستبداد، ألم تطفح كتب الفقه والسيرة والتاريخ بمقولة أبي ذر الشهيرة:’عجبت لمن لايجد قوت يومه، كيف لايخرج للناس شاهرا سيفه’؟ ألم يروا في ذلك صيحة من ‘المواطن’ لاتريد أن تلقى آذانا صما في المجتمع؟ أليست السلطة التنفيذية هي المسؤولة عن ذلك؟.ثم للمتابع أن يسأل عما إذا كان ولاة الأمر هؤلاء قد إجتمعوا مع هؤلاء الفقهاء وجلسوا بين أياديهم جلسة المتعلم المطيع وإستمعوا فيما إستمعوا منهم إلى ما يفرضه الإسلام على ‘ولي الأمر’ وما ينبغي منه؟ هل حدثوهم عن الأسلوب الشرعي للمجيء إلى السلطة الذي يبدأ ببيعة شرعية وبتحقيق شروط العدالة والإسلام؟ هل قالوا لهم في أنفسهم قولا شديدا يذكرهم بواجباتهم إتجاه محكوميهم وشددوا لهم الوعيد فيما لو أنهم لم ‘يفعلوا؟ لماذا يرضى بعض هؤلاء المفتون بأن يفتوا لأنظمة حكم إستبدادية تدعي الحكم بالعلمانية التي تفصل بين الدين والدولة؟ هل رضوا بأن يكونوا مستخدمين عند هذه الأنظمة يستدعون وقت الحاجة إليهم ويستبعدون حال الإستغناء عنهم؟.خلاصة القول أنه إذا كان هؤلاء المفتون ينظرون للتظاهر ضد الظلم والعَسْف والإستبداد على أنه من شؤون العقيدة فأقل ما يقال في حقهم أنهم يضعون الناس أمام خيار يتعلق بأساس إيمانهم وعندما سَيُرَجح المنادون بالحرية خيار الحرية على الخضوع للإستبداد ستكون فتوى هؤلاء دعوة لخروج الناس من دين الله أفواجا، أما غير المتدينين فسيكون قرارهم بمثابة النفور من الأديان لأنها تقف في صف المستبد وفي وجه المظلوم، أما إذا نظر هؤلاء المفتون لهذه الشؤون على أنها من شؤون الأعمال والمعاملات التي إذا ما أتاها المسلم فسيكون قد إرتكب معصية فإن الثائرين على الظلم سيُقْدِمون على إرتكاب هذا الذنب – كبيرة كان أم صغيرة – وسيكررونه حتى يستطيعوا وضع نهاية لهذا الإستبداد الذي يمارَس عليهم بإسم الدين وبعد أن يتم ذلك فإنهم سيستغفرون الله من هذا الذنب، وبعد كل ذلك فإنه ينبغي على هؤلاء المفتين البحث عن موضع قدم في مجتمعات لم تجد منهم الدعم أيام محنتها، وليبحثوا يومئذ عن ما يسعهم من مبررات.’ كاتب سوري