عجائب الثورة المصرية!

حجم الخط
0

د. محمد بريكفي أوقات الهوس السياسي والاستقطاب الحاد الذي يضرب الساحة المصرية الآن تضعف القدرة كثيرا على مشاهدة الوقائع ـ فضلا عن تفسيرها، وتكون هناك نزعة (غير عقلانية) سواء في التخلي عما شغل بال الجموع ووجدانها وحركتها لفترة أو في قبول ما رأته سما زعافا من قبل، بل يسعى قادة القوى السياسية تلك لتضخيم حالة (العدو المتربص) وتضخيم (الاختلاف الحادث) لإحكام السيطرة وسوق التابعين ومنع مراجعة السياسات وتغيير أنساق القيادة.. أضرب لكم أمثلة:ـ حين ألغى الرئيس المنتخب الإعلان الدستوري المكمل لم يقم بإلغاء قانون (هزيل) صدر في نفس يوم الإعلان وهو قانون مجلس الدفاع الوطني بالأغلبية العسكرية (ستة مدنيين منهم رئيس الجمهورية، وثمانية عسكريين، بالإضافة لكل من وزير الداخلية ومدير المخابرات العامة ويمكنك أن تحسبهما بأريحية على القرص الصلب للدولة) ، ثم نرى هذا القانون يتم وضعه بمسودة الدستور لتحصينه مع رتوش أسوأ (كجعل قرار استدعاء القوات المسلحة للتدخل لحفظ الأمن الداخلي شراكة بين الرئيس والجيش دون موافقة البرلمان أو السلطة القضائية، وجعل المناقشة ـ وليس الرقابة على ميزانية الجيش حكرا على مجلس الدفاع ذي الأغلبية العسكرية دون ممثلي الشعب ـ وتتعجب من يراقب من وجل أعضاء المجلس من الجيش والسلطة التنفيذية)! فتتساءل: إن أردنا تصديق أن ماحدث في إقالة عنان وطنطاوي كان كسرا لوصاية العسكر وليس إعادة تدوير العلاقة بين العسكر والإخوان ـ المسيطرين حاليا على السلطة التنفيذية والتشريعية ـ بحيث تعاد الصيغة القديمة للتعاون دون الاصطدام، والسماح بشكل أكثر استبطانا من الوصاية العسكرية في مقابل مزيد إطلاق ليد الإخوان في دولاب الدولة.. إن أردنا تصديق الفرضية الأولى، فما الذي يجبر الإخوان وحلفاءهم في جمعية الدستور على القبول بهذه الصيغة الكارثية لوضعية المؤسسة العسكرية التي تخالف بديهيات النسق الديمقراطي وتفتح الباب أمام تدخلات مقبلة للمؤسسة العسكرية بالسياسة، لها آثار سلبية على قابلية صياغة وتطبيق استراتيجية أمن قومي ودفاعية ناجعة وتجعلنا ما بين خياري الوصاية العسكرية الكاملة أوتسييس الجيش لصالح فصيل؟لايدرك كثير من الناس أن العسكر كانوا سيتركون (السلطة) حتما، فلا الإقليم ولا الأمريكي ولاوضعية ثورة هناك رغبة في احتوائها من معظم الأطراف الداخلية والخارجية ولا العقلاء في المؤسسة العسكرية (المهتمون كذلك بمصالحها السلطوية والاقتصادية وحتى من منطلق وطني) يستسيغون حكما عسكريا صريحا وصل لحد مستفز في إطار الصراع بين العسكر والإخوان على المساحات قبيل تنحية طنطاوي وعنان، وأن أقصى المطامح كانت في الوصاية على المستوى الاستراتيجي للدولة وقرارات الحرب والسلم والعلاقة مع الأمريكي عبر مجلس أمن قومي (شبيه بما كان قبل أردوغان ولكن وصايته على الشق الاستراتيجي لا الكمالية)، والحفاظ على المملكة السلطوية الاقتصادية دون رقابة حقيقية، والأمان من أي محاسبة على فساد سابق أو انتهاكات حقوقية.. وهذا ما تحقق شطر منه، والشطر الآخر في طريقه للتحقق.ـ هل سمعتم عن كثير من النخب الليبرالية التي كانت تطرح انحيازا واضحا للديمقراطية والبناء المدني للدولة، فترى بعضها لا يشغله وضع المؤسسة العسكرية بالدستور كثيرا، ولايبتئس من جعل الأزهر مرجعية دينية نهائية لتفسير مبادىء الشريعة المرجعية الأهم للتشريع وما لهذا من سحنة ثيوقراطية لامراء فيها فضلا عن مخالفته للتصور الإسلامي ذاته. هذا مع أن كان هوسا لفلاسفة الديمقراطية والمدنية في العصر الحديث هو كيف أن نتجنب تضخم الدور السياسي للعسكر ولرجال الدين. ـ هل سمعتم عن (ثورة) قعدت لعام ونصف تئن وتتوجع من محاكمات صورية لنظام قمعي سقطت أهم رموزه، فيدفعها هذا للتعرض لانتهاكات أقصى وأكثر غشما من حكم عسكري حاضر، وتفقد في الحالتين أنضر من فيها ـ الشهداء وفاقدي الأعين والمعاقين، وحين تحدث أحد قيادات الإخوان في ديسمبر عن (حصانة قانونية) قامت الدنيا ولم تقعد على الرجل حتى تراجع عن كلامه .. ولكن غابت انتهاكات النظام القديم خلف انتهاكات العسكر، وراحت انتهاكات العسكر خلف النياشين وعبارات التبرئة (لم يطلق رصاصة) والتمجيد ووهم (الانتصار على العسكر) وقوانين سيادية .. ومادام الكل (مرضيا) فإن الشهداء لابواكي لهم! حتى التجارب الانتقالية الناعمة في حل مشكلة (الظلم والانتهاك) عبر مشروع للعدالة الانتقالية لم يعد لها ذكر.ـ هل سمعتم عن قوى (مدنية) كانت تنتقد في مخالفيها (الإسلاميين) اللاعقلانية والتحشيد دون اتزان الوعي وخلط العمل الحزبي بالعمل الخيري وتمجيد الأشخاص والتنظيمات على حساب المبادىء والانحيازات وشيطنة المخالف .. ثم حين تبدأ في تطوير أدواتها التنافسية الحزبية تقع في كل ماكانت تنكر عليه.- هل سمعتم عن تيارات كرست عمرها وطرق تجنيدها وتنشئة أبنائها ومعارضتها للنظام السابق على مطالب إسلامية – وطنية عامة (الاستقلال السياسي، ورفع الظلم، وعدالة الاقتصاد، ومكافحة الربا والتبعية لماكينة الاقتصاد الدولي، ورفض كامب ديفيد، ورفض طبيعة العلاقة مع الأمريكي كحليف استراتيجي – السياسة الخارجية أفعال وسياسات ودور لاخطابات وإدعاء دور- لا لتوغل السلطة السياسية على الدولة ولا لتوغل الدولة على المجتمع ولا أخلاقية السياسة وكذب الساسة) ثم حين تقترب من حاجز السلطة تتمكن – بقدرة التنظيم وبحالة التحشيد والاستقطاب وبذاتية التخلي عن المثل حين تتفتح أبواب السلطة – ليس فقط من القبول بالكثير مما كانت ترفضه وتشرعن له بـ (فقه الشرع والمصالح وأنه ليس مالايعرف يقال والتدرج)، بل أن يتحول مريدوها وتابعوها للدفاع عن المنطلقات (الجديدة) بنفس الحماس! وكأن حفظ التنظيمات وهي مجرد وسائل (ترشد وتنحرف وتقام وتنقضي وتتغير بناها وأعرافها تبعا لتغير وظائفها) أضحى بديلا عن حفظ المبادىء والغايات.- هل سمعتم عن فصيل سياسي عاش تحت ظلال الظلم والتهميش وإخفاء الذكر تحت نظام سابق، ثم لما أتيحت له الفرصة حاول جهده اقتناص أي مساحة سياسية ومجتمعية تطالها يداه حتى مع نصح الناصحين له أنه بهذا يقف أمام مسار تخليق دولة متوازنة مهم أن تعاد هيكلية دولابها المهني مع منع تسييسه، ومهم أن يحدث الفصل بين مساحة التنافس الحزبي فيها وحركة المجتمع، وبناء ثوابت جديدة في العلاقات السياسية الخارجية مع الأمريكي وفي الإقليم، وإعادة تعريف العلاقة مع المؤسسة العسكرية بشكل لم يحدث من قبل منذ إنشاء الجمهورية؟. وكل هذه المهام تقتضي أن تكون هناك قيادة جماعية للمرحلة الانتقالية ؛ فلا يتسيس دولاب الدولة في مرحلة إعادة الهيكلة، وتكون القدرة التفاوضية مع الأمريكي وفي الإقليم أعلى بسبب الثقل السياسي والشعبي الجماعي وأن المفاوضات والتعهدات في الغرف المغلقة بين فصيل سياسي والأمريكي تجعل الأول أكثر عرضة لعوامل الترغيب والترهيب مما يبقي المنتوج شبيها بماكان أيام مبارك؛ بل ويمكن تطوير الحركة الإقليمية لتقوم بأدوار تحت الطلب سواء في استيعاب غزة (حماس) في شرق أوسط جديد وهو وضع مريح للإسرائيلي وخطير على مستقبل القضية. وحتى في ملف العلاقات المدنية العسكرية فإن المؤسسة العسكرية ستكون أكثر تمنعا عن الخضوع للهيمنة المدنية إن كانت تلك الهيمنة لفصيل واحد أساسا كما أنه لابد من ضغط شعبي وتوافق وطني حقيقي لإقناعها وإرغامها وتطمينها على هذا التنازل.كل هذه التساؤلات تبغتنا إذا رفعنا جبهاتنا فوق مستوى اللحظة، وأطلقنا أبصارنا أبعد بقليل من حواجز أنوفنا، وتحكمنا في نوازع التفاؤل المُغشي أو التشاؤم المعوِّق. حينها ندرك بجلاء كم أن الوضع عصيب، وأن ثورة انتفضت على نظام لم يكن يبرع إلا في لغة الخداع و(النصب السياسي) وحشد الإنجازات الوهمية في قضايا الداخل والخارج هي على محك حرج بين أن تتطور لتغيّر مرتكزات بناء الدولة وحركتها عبر عقد اجتماعي وسياسي جديد لتصبح ديمقراطية على الحقيقة ومنتصرة للاستقلال والعدل الاجتماعي على الحقيقة، وبين أن تعاد فيها معادلات بائسة بأثواب قشيبة.ربما يكون هناك عذر أن تنسينا دوامات اللحظة وتشابكات السياسة ووطأة العيش فضيلة التفكير الهادىء، وقيمة تقييم المسارات بشكل إجمالي وفوقي لا يتوه في التفاصيل.. ولكن أن يصبح هذا سمة الإدراك السائد في كل قضايانا في جيل أحدث (المفروض أنها ثورة) فهذا غريب ولايمكن تفسيره إلا بما هو أعمق. هل (الثورة) هي في إسقاط نظام سياسي .. أم في إسقاط ما اعتمد عليه هذا النظام ليكرس حكمه من أوضاع بالية في جمود الفكر والذهول وتضخيم المصالح الذاتية والفئوية وقصر النفس والاتفاق على عدم الاتفاق وتخوين المخالف الوطني؟. وهل النظام (البائد) يتمثل في رموز أو حتى بنى بيروقراطية وسياسات، أم يشمل كذلك من أثر على سقم أفهامهم وتغليب نزعتهم التفاهمية والفئوية والرضا بالقليل ممن تعامل معه وعايشه من نخب وحركات معارضة؟’ باحث مصري في الدراسات الاستراتيجية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية