باسل أبو حمدة لم يتوار الكيان الصهيوني، بوصفه أحد العناصر الفاعلة إن لم يكن الأفعل، عن الخطاب السياسي للقوى والتشكيلات السياسية المنتجة للربيع العربي ولم يتراجع إلى مرتبة متدنية فحسب، بل إنه اختفى وتلاشى تماما في الكثير من الحالات والضرورات إلى درجة أن قادة الدولة العبرية باتوا متلهفين لسماع كلمة ‘إسرائيل’ في خطابات وتصريحات قادة التجارب الربيعية العربية سواء تلك التي ولجت سدة الحكم في بلدانها أو تلك التي تنتظر. يرجعون هذا التوجه إلى ضرورات تتعلق بسلم أوليات التغيير أو إلى ضرورات تكتيكية تتطلب عدم تأليب الرأي العام الدولي على التجارب الجنينية الثورية الناهضة في الوطن العربي، متناسين أن ‘العامل الإسرائيلي’ وإن بدا صامتا ومحايدا من ناحية المظهر، إلا أنه يشكل العامل الأهم في كل ما يجري في المنطقة منذ أن ضحكت القوى الغربية على العرب ووظفتهم في الاجهاز على الامبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى وسلبتهم ما بدا حينها منجزهم الثوري الذي خلصهم من تحكم الباب العالي بمصيرهم الذي امتد على مدار أربعة قرون من الزمن. منذ ذلك الحين ومن بداية ثلاثينيات القرن الماضي ولغاية تاريخه وربما لفترة زمنية طويلة لا تزال تمعن تخريبا في مستقبل دنيا العرب، لا يتحرك شيء في المشهد الجيوسياسي للمنطقة إلا والعامل الاسرائيلي حاضر بقوة حاسمة فيه، ما يجعل من المستهجن أن تمضي قافلة الربيع العربي في زمن اسقاط الأنظمة الاستبدادية، التي زرعت زرعا في المنطقة، في ظل إغفال العلاقة العضوية القائمة بين المشهد السياسي الداخلي في الأقطار العربية ونظيره الاقليمي، الذي تحتل الدولة العبرية موقع القلب فيه وتحركه بدعم الغرب ومساندته وفق ما تقتضيه مصلحتها كلما تطلب ذلك المشروع الغربي الاستعماري في المنطقة القائم على ضلعين لا ثالث لهما هما إبقاء الكيان الصهيوني السرطاني شوكة في حلق العرب واستمرار السيطرة على منابع نفطهم. القصة معروفة ولا داعي لتكرارها، فكل الخارطة السياسية للكيانات السياسية القطرية العربية، التي أعقبت الحربين العالمية الأولى والثانية، وضعت فكرتها ونفذتها على الأرض ورعتها القوى الاستعمارية الغربية خدمة لمشروعها الاستحواذي، وبالتالي، فإن منطق الأشياء يفرض على قوى التغيير المنضوية تحت لواء الربيع العربي الحالي مدعوة إلى العودة إلى هذه المنطلقات، التي تشكل حجر الزاوية في المعادلة الاقليمية، والبناء عليها لحظة التفكير في قلب الأنظمة المستبدة في مختلف الأقطار العربية، حيث لا يعقل التفكير في تغيير هذه الأنظمة التابعة بعيدا عن صانعها ومسوقها، وذلك في إطار السعي إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي، الذي بدا منجزا إثر الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين.من حسن حظ العرب أن لديهم تاريخ استعماري طويل وممتد عبر مئات السنين من المفترض أن يستقون الدروس منه لا أن يقعوا في مطب تكرار أخطائه، لكن إغفال العامل الاسرائيلي، ونحن لا نتحدث هنا هن القضية الفلسطينية، في تجربة الربيع العربي يشكل خطرا داهما عليها ويبعدها عن امكانية استحضار تجارب الماضي والاستفادة منها، وهم مدعوون، في واقع الأمر، إلى التصدي لمهمة بناء نظام سياسي رسمي عربي جديد يوازي مخرجات الربيع العربي ويقف وجها لوجه أمام معادلة الصراع العربي الصهيوني ويقلبها رأسا على عقب حتى يتسنى لها التخلص من أطماع القوى الغربية في المنطقة وصنائع الاستعمار الغربي المحليين، وذلك للحيلولة دون تكرار خطأهم التاريخي الذي كرس تلك المعادلة المهينة.بهذه الطريقة فقط يمكن الرد على التساؤلات الكبرى المحيرة التي تدور حول مصلحة الغرب الحقيقية في دعم أوجه الربيع العربي، وبها فقط يمكن سد الطريق على استمراره في اللعب بمصير شعوب المنطقة العربية، وبها فقط يمكن إعادة قضية الشعوب العربية إلى نصابها الحقيقي، الذي يشي بأن الدولة العبرية هي مصيبة المصائب في المنطقة وما الأنظمة العربية المستبدة سوى حراس تابعين لمشروعها الاستعماري فيها، وهذا يتطلب عدم النظر إلى القضية الفلسطينية من منظور الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني فقط، بل من منظور ما تشكله الدولة العبرية من خطر داهم على مستقبل وواقع الشعوب العربية من خلال دعمها اللامتناهي لأنظمتها الاستبدادية. عندما تصعد البلدان العربية، التي تمكنت من تغيير أنظمة الحكم فيها في ظل الربيع العربي، من وتيرة المواجهة مع المشروع الصهيوني ولا تغفله، فإنها بذلك تحمي مشروعها التقدمي أولا وتدعم القضية الفلسطينية ثانيا وليس العكس كما يعتقد الكثيرون مخطئين، فهنا مكمن مسيرة الاستقلال والخروج من حالة التبعية للغرب والارتهان لمصالح الغير، وبذلك تنتفي الحاجة إلى تلك المفاضلة العقيمة بين النظم الاستبدادية من جهة والسيطرة الغربية على مقدرات المنطقة من جهة أخرى، ويصبح الطريق مفتوحا أمام خيار ثالث وطني وقومي وتقدمي حقيقي تشقه الشعوب العربية بنفسها ولنفسها خارج دائرة المعادلة الجيوسياسية التي حشرت فيها حشرا منذ أن تمكن الغرب من السطو على منجزها الثوري في التخلص من الاستعمار العثماني لها. من يصدق كل هذا الصمت الاسرائيلي حيال مخرجات الربيع العربي؟ أليس لها موقف من كل ما يجري في محيطها عموما وعند خاصرتيها الجنوبية والشرقية على وجه التحديد؟ ولماذا يغفل تصريح قطب الفساد السوري رامي مخلوف، الذي أعلن على الملأ أن أمن إسرائيل من أمن سوريا؟ وهو قليل الكلام وبالتالي، فإنه عندما نطق، نطق بالحقيقة الماثلة أمام أعين الجميع في مشهد يدعو إلى الدهشة عندما نعلم مدى تأثر الدولة العبرية وتأثيرها في المنطقة وخصوصا على مجريات الأحداث الأخيرة فيها، التي تعصف بأنظمة الاستبداد العربية، حيث يعد هذا الكيان ربيب الغرب العدة لمرحلة ما بعد سقوطها بما يضمن استمراره قوة ضاربة ومهيمنة في الفضاء العربي.إذا كانت قوى التغيير قادرة على قطع ذيل الأفعى، فإنها قادرة أيضا على بتر رأسها مرة وإلى الأبد، ما يضع علامة استفهام كبيرة حول جدية هذه القوى بالتغيير ويضعها أمام مسؤولياتها التاريخية في واجب الخروج بتجاربها الثورية بأكبر قدر من المكاسب لشعوبها المدركة لخطورة هيمنة الدولة العبرية على المنطقة وعلى صناع القرار الغربيين الداعمين لها، والذين بدا إحجامهم عن دعم مسيرة الربيع العربي وخصوصا في سوريا واضحا لا غبار عليه، مثلما بدا جليا عدم السماح للتجربة المصرية في العبور إلى بر الأمان وتنحية الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك إلا بعد أن قدمت قواها الرئيسية الجديدة ،على طبق من ذهب، أوراق إعتماد نظام الحكم في القاهرة للدولة العبرية وضمنت لها بقاء معاهدة كامب ديفيد على حالها دون أن يمسها ربيع العرب بشيء.إذا كان لا بد من وضع خارطة طريق للربيع العربي، فتلك الخارطة تطلب إدراج جميع عناصر المعادلة في برنامجها، لا سيما تلك العناصر الحاسمة فيها، وما دون ذلك من شأنه أن يجعل هذا الربيع المنتظر باهتا وبحاجة إلى ربيع فكري آخر قادر على استقاء دروس التاريخ وعدم الوقوع في فخ شراكه. ‘ كاتب فلسطيني