خطة باراك جوهر السياسة الإسرائيلية

حجم الخط
0

د. نادية سعد الدين اجترّ وزير الحرب الإسرائيلي ايهود باراك، مؤخراً، نفس متوالية الأفكار التي ما انفك الكيان الصهيوني يتشدق بها لتصوير رغبته الجادة في السلام وسعيه الحثيث لتوفير مناخ مواتي لاستئناف المفاوضــــــات أمام المجتـــمع الدولي، مستلاً روايته المزعومة برفض الجانب الفلسطيني كل ما يقدم إليه من طروحات، ووضعه الشروط المسبقة للعودة إلى التفاوض، لتأكيد ادعاء عدم وجود شريك فلسطيني في العملية السلمية.فقد اقترح باراك، من أجل ما ادعّى تحريك الجمود الراهن، الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من مناطق الضفة الغربية، وتفكيك مستوطنات يعتبرها عشوائية، مع تقديم البديل للرافضين من قاطنيها مغادرة مواقعهم الاستيطانية بالبقاء والعيش تحت السيادة الفلسطينية لمدة خمس سنوات على سبيل التجربة، مقابل الإبقاء على التجمعات الاستيطانية الأساسية وضمها للكيان المحتل، مثل ‘جوش عتصيون’ و’معاليه أدوميم’ و’أرئيل’، والتي تضم ما نسبته 90′ من عدد المستوطنين في الضفة الغربية، والإبقاء على تواجد عسكري لجيش الاحتلال في بعض المواقع، مثل مرتفعات نابلس التي تطل على مطار بن غوريون ومنطقة الأغوار.ويستهدف باراك، من وراء خطته، دولة بحدود مؤقتة تتركز على ‘كانتونات’ ومعازل مقطعة الأوصال، من خلال سيطرة الاحتلال على الأغوار وشرعنة الكتل الاستيطانية وتأجيل قضايا الوضع النهائي إلى زمن إضافي آخر. ولا تعدّ تلك الخطة وليدة ما تفتق به الذهن فكراً حريصاً على شقّ انفراجة في أفق سياسي مسدود بسبب سياسة كيانه الاستيطانية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، ولكنها خطة قديمة جديدة لتكريس الاحتلال والتملص من التزامات عملية السلام، ولاستكمال، وفق المسؤولين الفلسطينيين، الجزء الثاني من خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون عندما قرر الانسحاب الحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005، كما أنها مجرد إعادة قولبة ما طرحه شارون سابقاً كنتاج صيغ تسووية إسرائيلية تشكل، في الأساس، جوهر السياسة الصهيونية التي يجمع عليها الكيان المحتل، بتياراته وتوجهاته اليمينية واليسارية والدينية، وتقوم على قضمّ المزيد من الأراضي وإيجاد كيان فلسطيني لا يخرج عن إطار حكم ذاتي تنحصر حدود صلاحياته ضمن الاهتمام بالأوضاع المدنية والحياتية للسكان، فيما تتحكم سلطات الاحتلال بشؤونه الأمنية والسيادية، بعدما تآكل ‘حل الدولتين’ تدريجياً بالاستيطان والجدار العنصري والطرق الالتفافية، ولم يعد له أثراً. وقد تكون ‘دولة باراك’ انتقالية ذات حدود مؤقتة كما ورد في خريطة الطريق، لن يتم تحديدها بصورة نهائية إلا في غضون عشرين أو ثلاثين عاماً، بحيث تأخذ قضايا الوضع النهائي، عند قيامها، بالتفكك حدّ التلاشي. وحتى مع قيام دولة في غزة وعلى 40′ من الضفة الغربية، حسب ما اقترحه شارون سابقاً، فإن المسائل المتصلة بالاحتلال ستختفي من خلال تغيير المصطلحات، بحيث تستبدل عبارة خلاف أو نزاع بين دولتين بعبارة الاحتلال، وتحل عبارة المهاجرين محل اللاجئين، فيما تزال المستوطنات المتوغلة في قلب نحو 40′ من أراضي الضفة الغربية المخصصة للدولة الفلسطينية، مقابل توسيع المستوطنات الواقعة في مساحة 60′ المتبقية من أراضي الضفة الغربية، تمهيداً لخلق وضع يتمثل في دولة إسرائيلية موسعة تحتوي على مناطق كبيرة متصلة من أراضي الضفة الغربية، مقابل ‘كنتونات’ مفتتة غير متصلة جغرافيا يحشر فيها الفلسطينيون تحت مسمى ‘دولة’. ولأن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة المتبقية من يد الاحتلال لا يمكن لها استيعاب عدد اللاجئين الفلسطينيين، فإن مجرد طرح عودتهم إلى الدولة المستقبلية يشكل انتقاصاً من حقهم وتجاوزاً له.ولم يكن طرح باراك، ومن قبله شارون، أسوة بالمسؤولين الإسرائيليين، عن الدولة إقراراً بالحق الفلسطيني أو مراجعة للفكر الصهيوني، فعندما فاز شارون في انتخابات الرئاسة 2001، وفي محاولة منه للالتفاف على الاتفاقيات الموقعة سابقاً مع الجانب الفلسطيني، عمد إلى إضافة مفهوم الدولة وبعض التواصل الإقليمي الفلسطيني بإزالة مستوطنات صغيرة ومعزولة داخل قطاع غزة إلى الأفكار المتعلقة بالمرحلة الانتقالية الممتدة من أجل تقليل نقاط الاحتكاك بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي قبل التوصل إلى حل دائم بشأن قضايا السيادة واللاجئين والقدس والحدود، بمعنى أن الدولة ستكون على جزء من الأرض كمرحلة انتقالية وليس حلاً دائماً، دون التنازل عن القدس ورفض حق العودة. ولا يعبّر ذلك عن تغير في المواقف، وإنما لأنها النتيجة المتحصلة من عدم إمكانية طرد الفلسطينيين في عملية تهجير جديدة أو ضمهم إلى الكيان الإسرائيلي، حيث تبقى ‘الدولة’ بالنسبة للأخير الطريق الأصوب لحل الإشكاليات المتعلقة بالفلسطينيين، على أن لا تتجاوز مساحتها أو مفهومها عن أسر مفهوم الحكم الذاتي، أي أصغر رقعة من الأرض بأكبر عدد سكان من الفلسطينيين مع ضمان عدم اتصالها جغرافياً أو تحقيق السيادة الفلسطينية عليها، أي كما يريد شارون، غزة و40′ من الأوصال المتبقية من الضفة الغربية.بينما يشكل إبقاء السيطرة الإسرائيلية على منطقة غور الأردن في الأراضي الفلسطينية المحتلة جوهر سياسة الاحتلال، لما تحتله من مكانة استراتيجية بارزة بالنسبة لمشروعه الصهيوني، تخرجها من دائرة الاكتفاء فقط باستهداف مغانمها الاقتصادية الوفيرة، إلى عنصر وجود الكيان المحتل نفسه.ومن ذلك، نكاد لا نجد مشروعاً إسرائيلياً لتحريك مسار العملية السلمية، وهي كثيرة العدد فارغة المضمون، أو شرطاً للموافقة على اتفاق تسوية قد يتم التوصل إليه يوماً، إلا ويتضمن بنداً للوجود الأمني في غور الأردن، عبر بقاء قوات الاحتلال منتشرة على امتداد نهر الأردن بذريعة أمنية، وهو الاشتراط الذي لوحّ به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مؤخراً لتحريك مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المجمد منذ أشهر، إلى جانب (لاءاته) المعروفة برفض وقف الاستيطان وحق العودة وتقسيم القدس.ويحظى قرار الاحتلال بإبقاء غور الأردن تحت السيادة والسيطرة الإسرائيلية بإجماع الكيان المحتل، ويعدّ هدفاً مشتركاً بين مجمل الأحزاب والقوى السياسية الإسرائيلية بمختلف توجهاتها، إزاء أهميته الأمنية والسياسية والاقتصادية.إذ يتيح البقاء الأمني لسلطات الاحتلال في منطقة غور الأردن ترسيم الحدود والقضاء على فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة والمتصلة، والسيطرة على مليون و500 ألف دونم من الأراضي الزراعية الخصبة، والأحواض المائية، بينما يشكل إبقاء نتنياهو على الرفض الإسرائيلي لتجميد الاستيطان ركيزة خطته لاستمرار السيطرة على غور الأردن، مما يعني تسريع وتيرة الحركة الاستيطانية في تلك المنطقة الحيوية التي تضم حالياً زهاء 5 آلاف مستوطن ضمن 25 مستوطنة.وحديث نتانياهو عن الاشتراطات المسبقة والمدمغة بالتهديد العسكري يجمل الرؤية الإسرائيلية لضم منطقة غور الأردن للكيان المحتل تمهيداً لعزلها عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، فغور الأردن، الذي يشغل ثلث مساحة الضفة الغربية المحتلة ويمتد من بحيرة طبريا شمالاً حتى البحر الميت جنوباً بطول 115 كم تقريباً، يحتل مكانة حيوية بالنسبة لحدود الكيان الإسرائيلي الأمنية الآمنة وعلاقاته بالعالم العربي عموماً. وتزعم سلطات الاحتلال بأن السيطرة على المنطقة يمكنها من ‘الفصل بين الأردن والدولة الفلسطينية المستقبلية، ومنع تواصلها مع الضفة الغربية المحتلة، واحباط إدخال وسائل قتالية وأشخاص غير مرغوبين إليها’، ولهذا فهي تدرجها ضمن أي مشروع للتسوية تحت ذرائع أمنية، إلا أن وجود جيش الاحتلال وحركة قواته الدائمة في المنطقة سيولّد احتكاكات مع السكان الفلسطينيين، مما يبقي على أجواء التوتر فيها.وقد عمدت سلطات الاحتلال مبكراً، من أجل تحقيق أهدافها في تلك المنطقة، إلى تنفيذ مخطط لعزل غور الأردن عن محيطه من خلال إقامة الحواجز وفرض إصدار تصاريح تسمح بزيارة أهالي الضفة الغربية المحتلة لذويهم، كما كثفت من بناء جدار استيطاني في الغور لتضييق الخناق على زهاء 30 40 ألف فلسطيني، والاستيلاء على مياه الأحواض الشرقية ومياه نهر الأردن والأراضي الزراعية الخصبة هناك، حيث إن منطقة غور الأردن والبقيعة حتى الجزء الجنوبي الشرقي من الخليل تشكل احتياطي الأرض الوحيد المتوفــــر للدولة الفلسطينية المستقبلية، بحيث تؤدي السيطرة الإسرائيلية عليها عاملاً معرقلاً لتطور الدولة الفلسطينية ويُوجد ضعف دائم لتغيير الاتفاق والمساس باستقراره، فضلاً عن محاصرتها في إطار طوق إسرائيلي محكم، والقضاء على فكرة استقلالها السياسي والاقتصادي.وقد أعلنت سلطات الاحتلال مؤخراً عن 139 كم مربع من المناطق الشاطئية على البحر الميت كمنطقة أملاك للكيان المحتل، بهدف حرمان الفلسطينيين من الاستفادة بعوائد أي مشروعات تنفذ في المنطقة، مثل قناة البحرين، كالمياه والكهرباء والاقتصاد والسياحة العلاجية.وقد ربطت سلطات الاحتلال، منذ قيام الكيان الإسرائيلي، بين متلازمة الأمن والمستوطنات من خلال تركيز إقامة الأخيرة عند تخوم حدود فلسطين، خاصة المنطقة الشمالية منها في غور الأردن، وعلى الحدود الجنوبية وفي النقب وعلى ساحل البحر الميت.وأقامت السلطات الإسرائيلية إبان حرب 1948 مستوطنات حدودية على طول الجبهات الجديدة بذريعة تحقيق الأمن الخارجي وتوظيفها كمراكز مراقبة وإنذار، وإسناد مهام العمليات الهجومية والدفاعية، وكثفت من الاستيطان الحدودي باعتباره قلاعاً دفاعية عسكرية، من خلال إقامة مستوطنات جديدة بعد العدوان الإسرائيلي عام 1967 في غور الأردن، على الحدود الشرقية مع الأردن، وفي هضبة الجولان، وعلى الحدود مع مصر.ويعدّ الاحتفاظ بغور الأردن هدف الخطوة الأخيرة من مراحل بناء جدار الفصل العنصري، الذي تعكف سلطات الاحتلال على استكماله، وذلك بقضم زهاء 29.1′ من أراضيه. ويستهدف الجدار تجريد الضفة الغربية المحتلة من معظم مصادر مياهها وأراضيها الزراعية الخصبة، وفصل مليون ونصف المليون دونم من أراضي غور الأردن عنها، وتفريغ القدس المحتلة من مواطنيها الفلسطينيين، بعدما طردت زهاء 100 ألف منهم خارج مدينتهم، بالإضافة إلى قضمّ 56′ من مساحة أراضي الضفة الغربية المحتلة، مقابل الإبقاء على 44’ منها مقطعة الأوصال، وضمّ الكتل الاستيطانية الكبرى.إن خطة باراك، التي لن تكون الأخيرة في سجل الكيان المحتل، تشابه تماماً اشتراط الاعتراف الفلسطيني ‘بيهودية دولة إسرائيل’ للعودة إلى التفاوض، فكلاهما فارغا المضمون والهدف، ويندرجان في إطار شروط الاحتلال التعجيزية لإفشال مساعي انتشال العملية السلمية من رمادها، وليس لتحريك جهود استئناف المفاوضات، كما يزعمون.’ صحافية وباحثة من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية