اسماعيل القاسمي الحسني مثلث برمودا هذا الخطير، مغلق يقوم على ثلاث زوايا، الفرار أو السجن أو الموت (الاغتيال)، ليس تمنيات الكاتب أو حتى هرطقة كما قد يحلو للبعض وصفها، وإنما تساؤل مشروع راودني، وأنا أعيد شريط الأحداث خلال العامين الماضيين، واستوقفتني بطبيعة الحال كأي مواطن عربي، لقطات ما كانت تخطر في خيال أحد منا، صحيح أن الزعيم الليبي، أمير المؤمنين وملك ملوك إفريقيا، وقائد الثورة العظيم قد أشار إليها مخاطبا زملاءه من المتحكمين العرب أثاء قمة عقدت بهم وليست لهم بالضرورة، بعد أن ذكر بمصير الراحل صدام حسين قائلا: سيأتي الدور على الموجودين في القاعة؛ ثم أعقب هذه العبارة بما هو أهم منها حين قال: من في الداخل لا يسمعون. مع ذلك تعذر على خيالي حينها أن تتسع حدوده لاستيعاب صورة كهذه.من كان يصدق أن زين العابدين مثلا، سيخرج من تونس هاربا، ولا يجد ملجأ في الأرض سوى تلكم الدولة التي لا يكن لقادتها اي احترام؟ شخصيا وفي عام 2003 وبعد أداء مناسك الحج، اتجهنا إلى المدينة المنورة لزيارة سيد العالمين عليه أفضل الصلاة والسلام، وذات ليلة كنت في المواجهة الشريفة، وإذ بجلبة أبطالها مجموعة من السفهاء والحمقى، تدفع الزوار والمسلمين على رسول الله لمغادرة المكان فورا. اعتقدت بادئ الأمر، أنه حان وقت غلق الروضة لإعادة فرشها، وتعطيرها وما إلى ذلك، لكن سرعان ما ظهر من وراء المدنيين (منعدمي الأدب في أعظم حضرة ومجلس) جيش عرمرم بزيه العسكري؛ غادرت المكان لتوي حتى لا أرد بسفاهة، لكني لم أفهم دواعي العنف ضد المصلين، والسلوك المتعجرف الأرعـــــن، والحال أن ذلكم المقام يفرض شرعا التأدب والتواضع والخشوع والانكسار والتذلل، إلى أقصى حدود مع صاحبه، المهم اتضح لي غد تلكم الليلة في نشرة الأخبار، أن فخامة الرئيس زين العابدين بن علي قام بزيارة للمواجهة الشريفة. لا أنكر أنني شعرت بالقرف من الكبر الأبله له، ومن سفه عناصر الحماية والتشريفات والمسؤولين عنهم في ذلكم البلد، التي تتجرأ على حماقات غبية تترجم جهلا متعفنا، وقدرة عقلية على الإدراك متحللة. المهم، ذلكم المشهد مازال عالقا في ذاكرتي لحظة بلحظة، وقابلت له مشهد فرار فخامة الرئيس، والمقطع الأول الذي بثته الفضائيات حينها لموطن تونسي، اتضح بأنه محامي فيما بعد، يصرخ بأعلى صوته في الشارع : ‘زين العبدين هرب…الشعب التونسي تحرر’. قبل هذا الحدث بشهر لم يكن احد يتصور مشاهدة هذا الموقف العجيب؛ صحيح كمفكرين كنا نحذر من صحة استشراف تطورات تنتهي إلى هذا، ، لكن أعترف لكم أنني وإن كنت أتوقع حدوثها، لكنني لم أتمكن من تصورها إلا عند معاينتها؛ حين تذكرت كل هذا تساءلت فيما بيني وبين نفسي: ليت شعري وحال سكون الشعب الجزائري يقول أنه مستحيل، مثله مثل الشعب التونسي من قبل، هل يأتي يوم يفر فيه الرئيس الجزائري كما فر التونسي؟ وتتناقل الفضائيات الخبر بسرعة البرق: ‘وقد تمكن الرئيس الجزائري المخلوع في آخر لحظة من الفرار إلى وجهة غير معلومة، وحسب ما أفادت به وكالة كذا أنه تحصل على اللجوء السياسي من دولة كذا’؟ هل يمكن أن نعيش هذه اللحظة واقعا مجسدا كما عشنا لحظة زين العابدين؟ وهل سيحظى الرئيس بفرصة وضربة حظ كهذه؟ الله أعلم.على كل حال، عاد إلى ذاكرتي بخصوص تونس، حدث كذلك يدعو للتعجب من أقدار الله سبحانه، لعلكم تذكرون خطاب معمر ألقذافي، الذي وجهه للشعب التونسي، مليء بالسخرية من حركة الاحتجاج والمظاهرات، مؤكدا أن الشعب التونسي سيندم لفقد رجل بعظمة زين العابدين، مفندا الاتهامات تهريب أموال الشعب للخارج بحجة أن المواطن التونسي لا يملك إلا عنزة حبتي زيتون؛ وغيرها من الكلام الذي لا طعم له ولا لون، باستثناء رفع درجة الشك إلى اليقين، بأن هؤلاء المتحكمين يعيشون خارج مجال التغطية فعلا، وأن شبكة الاتصال بهم معطلة تماما؛ حينها لم يعد احتمال ما تعرض له زين العابدين قد يتعرض لع معمر القذافي وهما أو خيالا، بل أصبح أمرا واردا، وبات عقل المواطن العربي بإمكانه تخيل ما يمكن أن يحدث؛ لكن جرى أفظع من ذلك بكثير، سيناريو لم يكن أبدا في الحسبان، معمر القذافي ذلكم الزعيم المخلد، يطوقه مجموعة من الشباب، يسحل على الأرض يضرب ويركل، ويرمى به في سيارة نقل البضائع، بعد أن تمزق ملابسه، ثم يقتل بدم بارد؛ أخشى أن أكثر المخرجين شططا في صناعة أفلام الخيال، لم يكن بوسعه أن يتصور هذا المشهد؛ لكنه وقع ورأيناه بأم أعيننا، وتساءلت فيما بيني وبين نفسي مرة أخرى: هل من الممكن الآن أن يشاهد العالم عبر الفضائيات، الرئيس الجزائري وهو لا يختلف عن سابقيه في شيء، يلقى عليه القبض وهو هارب في رتل من سيارات الرئاسة، ثم يطوقه شباب ثائر، لا يشفع له مقامه المزعوم ولا سنه وهو في عقده الثامن كصاحبه، يركل ويلطم ويضرب ثم يسحل على الأرض سحلا ؟ أي شيء بعدما رأيناه عيانا يمنع تكرار هذا السيناريو؟.ما يتذكر المرء لقطة إلا استدعت نظيراتها، أشبه ما تكون بسلسلة مترابطة الحلقات، تكاد لا تكون لها نهاية، لم أخرج من هذا السيناريو، إلا وصورة الزعيم العربي العظيم، الذي كان يجمع إليه باتصال هاتفي واحد، أكثر من عشرين رئيس وحاكم مختلف دول العالم في شرم الشيخ، أمن إسرائيل خط أحمر، معابر غزة تهدد الأمن القومي المصري، حين يلقي صاحبنا خطابه يتفنن في مخارج الحروف، ليرسم لوحة من الاستعلاء والكبر المقزز؛ أينا كان يتصوره ممددا فوق سرير، وراء قضبان قفص الاتهام، يسمع بأذنيه وعلى مشهد من العالم قول القاضي: ‘حكمت المحكمة حضوريا على المتهم محمد حسني السيد مبارك….’ ؟ كثير كان يقول مثلي تماما أن هذه الأنظمة إلى زوال، وهؤلاء المتحكمين سيرمون يوما في مزبلة التاريخ، لكن لم أقرأ لأحدهم كيف سيكون مصيرهم تحديدا؛ صحيح أننا استشرفنا قراءة ثورات الشعوب العربية والتغيير الحتمي والضروري، لكني أعترف لم أتصور مختلف النهايات بتفاصيلها هذه؛ وهنا تداعي إلى ذهني تساؤل آخر: هل سيشاهد الشعب الجزائري، ومعه العالم بأسره، تمدد الرئيس الجزائري على سرير وراء قضبان قفص الاتهام؟ يوجه إليه الخطاب مثله مثل أي مواطن عادي بثبوت التهم المنسوبة إليه؟.أخيرا، لا شك أن حــــال الشعـــب الجزائري أقرب شبها بالتونسي والليبي، منها إلى الشعب المصري، مع ذلك قد تبدع ثورة كل شعب سيناريو مفاجئا ومختلفا عن غيره، وقد نعيش غالى يوم يتكرر فيه أحد السيناريوهات الثلاث، أو يصنع لنا الشعب الجزائري ملحمة أخرى تضاف لسجل الشعوب العربية إبداعا…..فلا شك أن ما حدث كان واقعا وبات من الماضي، والمستقبل غير بعيد.’ فلاح جزائري