صورة المشهد السياسي في السودان

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوضأود في البداية التركيز على بعض ملامح المشهد السياسي في السودان وذلك قبل قراءته بصورة كاملة.تقول الأخبار الواردة من الخرطوم أن الرئيس عمر البشير أصدر توجيهاته بفتح سائر الحدود البرية والنهرية مع دولة جنوب السودان، ووجه بإزالة العوائق التي تعترض العلاقة بين البلدين، وقال مطرف صديق سفير السودان في دولة الجنوب إثر لقائه مع الرئيس البشير الذي حضره وزير الخارجية علي كرتي أن الرئيس وجهه بالعمل لتحسين العلاقات بين البلدين كما حمله رسالة خاصة للرئيس سلفا كير، أكد فيها التزامه بتنفيذ الاتفاقات بين البلدين كما دعاه إلى العمل سويا من أجل حل المسائل العالقة، وذلك لضمان استمرار العلاقات الحسنة بين البلدين .وقال السفير إن الرئيس أوصاه بأن يعمل من أجل تلبية جميع احتياجات الجنوبيين، ويأتي هذا الموقف من الرئيس البشير بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا وهي الاتفاقية التي طالبت الدولتين الأخذ بروابطهما التاريخية وإقامة دولتين قابلتين للنماء وفي هذا الإطار أبرم الجانبان مجموعة من الاتفاقات وكلها اتفاقات في قضايا لم تحل بصورة كاملة . ومنها اتفاقية النفط والمسائل الاقتصادية وكذلك الاتفاقية المتعلقة بالحدود والأخرى الخاصة بعمل المصارف، إلى جانب اتفاقات تتعلق بتسهيل ودفع مستحقات فوائد ما بعد الخدمة، وتشمل الاتفاقيات كثيرا من الطموحات التي تمثل أماني يعايشها الطرفان ولكنهما لا يملكان الآليات الفعلية التي تضعها موضع التنفيذ.وفي هذا الإطار قال ميخائيل مارغلوف الممثل الخاص الروسي للتعاون مع دول أفريقيا إن حكومة السودان أبلغته بأنها مستعدة لتقاسم منطقة أبيي الغنية بالنفط مع جويا .ويقول مارغلوف إنه سمع ذلك شخصيا من الرئيس السوداني خلال مقابلته له. ومن الطريف أن مارغلوف قال إن عددا من العلماء الروس أجروا خلال سبعينيات القرن الماضي دراسة وضعت خريطة مفصلة للثروات المعدنية في السودان، ويقول إن السلطات السودانية مهتمة في الوقت الحاضر بالحصول على تلك الخريطة ويعني ذلك أن السودان مستعد لأن يقدم تنازلات بشأن النفط إذا ما عوض من جانب آخر بالثروات المعدنية.وفي الوقت الذي تبدي فيه الحكومة السودانية هذه المشاعر المتسامحة نجد المعارضة في الجانب الآخر تتخذ مواقف متشددة بل ولا تتنازل عن أي موقف من مواقفها السابقة، ويبدو ذلك واضحا في موقف مالك عقار رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان وياسر عرمان أمين هذه الحركة اللذين اجتمعا مع وفد ما يسمى بالحركة الاتحادية من أجل بحث الحل الشامل والعادل للقضايا السودانية، وقال ياسر عرمان إن الاجتماع ركز على بحث البديل لنظام الحكم القائم ويعني باختصار إن ما تهدف إليه حركة المعارضة ليس فقط التوصل إلى تفاهم مع الحكومة بل إنهاء النظام بشكل كامل، والسؤال المهم هو ما البديل؟، ذلك أن ياسر عرمان الذي قضى وقتا طويلا في العمل مع الحركة الشعبية في جنوب السودان حتى تحقق للجنوب استقلاله ينتقل الآن بحركته إلى شمال السودان، فهل يعني ذلك أن طموحات الحركة الشعبية لم تنته بعد وعلينا أن نتوقع المزيد من المشاكل في شمال السودان؟من جانبه قال الشيخ حسن الترابي إن الصراع سيظل قائما بين السودان وجنوب السودان وذلك بسبب النزاعات الحدودية بين البلدين وانعدام الثقة بينهما، وقال الترابي إن الاتفاق بين البلدين هو لمجرد إرضاء العالم الخارجي وذلك بسبب الضغوط التي يخضعان لها وهي ضغوط يصعب تحملها .وقال الترابي إن الاتفاق لا يدعم موقف الحكومة وهو يتوقع مزيدا من الاحتجاجات في السودان بسبب أزمة الوقود والأزمة الاقتصادية بصفة عامة .وكرر الترابي موقفه الثابت والقائل بأن تغيير حكومة السودان هو السبيل الوحيد لضمان علاقات مستقرة وحسنة مع حكومة الجنوب، مؤكدا أن الديموقراطية في دولتي السودان ستقرب بين الشعبين بسبب التقارب الثقافي بينهما، ويحذر الترابي من الفوضى في حال سقوط النظام مؤكدا أن حزبه حزب المؤتمر الشعبي يعمل مع أحزاب أخرى من أجل تفادي حدوث مثل هذه الفوضى، وفي النهاية فإن الديموقراطية تعني في نظر الشيخ الترابي عودة حزبه إلى الحكم ولا مانع من أن تكون هناك أحزاب أخرى إلى جانبه، وبالطبع لا يعتبر موقف الترابي واحدا من الحلول المهمة المطروحة، لأنه لا يستطيع أن يفصل نفسه عن النظام الحاكم الذي جاء بدعم قوي من حزبه حزب الجبهة الإسلامية ،وإذا كان هناك إخفاق فإنه يتحمل جزءا منه لأنه عراب النظام منذ البداية. وإذا توقفنا عند هذا المشهد السٍوداني وجدنا أن السياسٍيين لا يقرأونه بطريقة صحيحة لأن جميعهم يعتقدون أن الأزمة الموجودة في السودان هي أزمة حكم وأن على كل حزب أن يعمل بطريقته إلى أن يصل إلى السلطة، ولكن مشكلة السودان هي غير ذلك بكثير وتتطلب كثيرا من إمعان النظر من أجل تفهمها ،وذلك ما سنحاوله الآن.المعروف أن السودان قطر كبير جدا وكانت مساحته قبل انفصال جنوب السودان مليون ميل مربع، وتسكن هذا القطر أعراق كثيرة من نوبة وعرب وزنوج وغيرهم، ولكن الحقيقة المؤكدة هي أن جميع سكان السودان تختلط فيهم الدماء الزنجية بصرف النظر عن أصولهم، لكن أهل الشمال يرفضون هذا الواقع ويصرون على أنهم ينتمون إلى القبائل العربية ويجعلون ذلك سببا لتفوقهم على القبائل الزنجية، بل إن حب الانتماء إلى القبائل العربية شكل بين قبائل الشمال واقعا عنصريا وذلك ما جعل الكثيرين يقفون ضد وحدة وادي النيل دون إدراك لأهميتها الاستراتيجية بالنسبة للسودان .ولا شك ـأن هذه الثقافة السائدة في هذه البلاد كانت هي دائما المشكلة التي تقف ضد توحد هذا القطر ،وإذا نظرنا إلى انفصال جنوب السودان وجدنا أنه حدث في المقام الأول بدوافع عنصرية، ولاشك أن سائر الحركات الجهوية في السودان سواء كانت في الجنوب أو في دارفور أو غيرها تنطلق في الوقت الحاضر من منطلقات عنصرية وليس من أسباب سياسية خاصة أن القيادات لا ترى في انتصارها إلا مجالا لتحقيق طموحاتها الفردية، ولكن يجب أن تتوقف سائر القيادات الآن سواء كانت في الشمال أو الجنوب أو الغرب أو أي مكان آخر لتفكر في أنه ليس هناك بديل أفضل من الدولة الموحدة في بلد كالسودان، وأن هذا التوحد ليس طموحا سياسيا فقط بل يجب أن يبنى على تفهم كامل لمفهوم المواطنة حتى تنتهي النزعات الطائفية والقبلية والجهوية. ‘ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية