مصر وجيشها في ذكرى أكتوبر

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافعشهدت مصر خلال الثلاثة الأيام المؤدية إلى ذكرى السادس من تشرين الاول/اكتوبر حالة احتفالية لم تعرفها طوال عهد الرئيس السابق حسني مبارك. عقدة مبارك، التي رسبها اغتيال سلفه، الرئيس السادات، أثناء احتفالات تشرين الاول/اكتوبر 1981، وقفت حائلاً أمام العودة إلى الأجواء الشعبية للاحتفال بالانتصار في ما وصف يوماً بآخر حروب مصر. ولكن تحرر مرسي من عقدة مبارك لم يكن، على الأرجح، الدافع الوحيد خلف الطقس الاحتفالي الواسع ومتعدد التجليات. ما بدا هذه المرة أن سعياً حثيثاً ومخططاً، يتعهده الرئيس ومؤسسة الرئاسة، لإعادة الاعتبار للجيش المصري وتعزيز العلاقة بين الشعب وجيشه، بعد زهاء العام ونصف العام من الاضطرابات التي وضعت المؤسسة العسكرية في مرمى الاحتجاجات الشعبية. فكيف تحول دور الجيش في الثورة المصرية إلى عامل تأزم لعلاقة الجيش بالجمهورية وشعبها، وأين تقف هذه العلاقة الآن؟ حدث بالمصادفة البحتة أن استضافتني قناة الجزيرة الإخبارية في 1 شباط/فبراير 2011، اليوم الذي شهد صدور البيان الأول الموجه إلى الشعب من المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، والذي كان هو أيضاً اليوم السابع من الثورة. كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد قصد أن يظهر للشعب اجتماعه بدون القائد الأعلى للقوات المسلحة، الرئيس حسني مبارك، معلناً من ثم بيانه الذي نص بصورة واضحة على تفهم القوات المسلحة لمطالب الشعب، وحمل ضمنياً انحيازاً للثورة الشعبية. وقد دارت وجهة نظري أنذاك حول أن الجيش المصري الحديث، الذي خاض حروباً كبرى منذ تأسيسه على يد محمد علي في العقد الثاني من القرن التاسع عشر، وواجه تحديات خارجية هائلة ومتتالية، واجه في حدث الثورة واحداً من أكبر وأكثر التحديات تعقيداً، ولكن داخلياً هذه المرة. وأشرت إلى أن الجيش يوشك على النجاح في مواجهة هذا التحدي. أمر الرئيس مبارك الجيش بالانتشار لحماية مقدرات الدولة والبلاد منذ مساء يوم 28 كانون ثاني/يناير، مباشرة بعد انهيار قوات الأمن المركزي وأجهزة وزارة الداخلية، ونجاح جموع الشعب في التمركز في ميدان التحرير. ليس من الواضح حتى الآن حقيقة مطالب الرئيس السابق من الجيش؛ بمعنى ما إن كان أمر الانتشار استبطن دعوة الجيش لقمع الحركة الشعبية. ولكن ذلك ليس مستبعداً؛ بل إنه مرجح، حتى بدون أن يشير له أمر الانتشار صراحة. يمثل الجيش درع الدولة الحديثة الأخير وذراعها الأقوى، وإليه تلجأ الدولة لحماية وجودها عندما تخفق الأدوات الأخرى. وفي مصر، كما في معظم الدول العربية، وقع تماه لصيق بين أنظمة الحكم ومؤسسة الدولة، بحيث رأى الحاكمون أن وجودهم واستمرارهم في الحكم لا يختلف عن بقاء واستمرار الدولة. وعندما بدا عشية الثامن والعشرين من كانون ثاني/يناير أن الشعب يطالب بإسقاط النظام وتغييره، تصور النظام أنه لا يدافع عن وجوده وحسب، بل وعن الدولة المصرية ذاتها. مشكلة النظام آنذاك، كما هي مشكلة أنظمة الاستبداد عادة، أنه لم يدرك أن سيطرته على أجهزة الدولة لم تكن محكمة، أو أن التذمر الشعبي من الخراب الذي كانت مصر تجر إليه، وصل إلى أجهزة الدولة كذلك. مشكلة النظام الأكبر أن إحدى هذه الأجهزة المتذمرة كانت المؤسسة العسكرية، جدار الدولة الأخير، الذي تصور النظام أنه سيتكفل بحمايته عندما أخذت حلقات الشرعية في الانحسار وموجة الغضب الشعبي في التصاعد.يحمل الجيش المصري عدداً من السمات البارزة، التي تميزه عن الجيوش الأخرى في الجوار العربي والإسلامي. هذا، من جهة، جيش وطني، بمعنى أنه يعكس صورة المصريين جميعاً. لا هو جيش أرستقراطية عسكرية متوارثة، كما كان الجيش الألماني، مثلاً، حتى الحرب العالمية الثانية؛ ولا هو جيش طائفة أو طبقة. فتحت حكومة الوفد أبواب الكلية العسكرية لعموم الشعب مباشرة بعد استقلال مصر المشروط في 1936، وهو ما أتاح لأبناء الطبقة الوسطى المصرية بكافة شرائحها الانتماء للجيش، إلى جانب أبناء الأرستقراطية الملكية. ومنذ أطيح بالنظام الملكي في 1952، تم تحرير الجيش كلية من الهيمنة الطبقة. وربما تكفي نظرة واحدة إلى الخلفية الاجتماعية لأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة عشية الثورة المصرية، لإدراك الطابع الوطني والخلفية الاجتماعية المتنوعة لمجتمع ضباط الجيش. ولكن هذا الجيش، كما كل الجيوش، هو بطبيعته مؤسسة متعالية، تتمتع بروح الفريق وتقاليد خاصة جداً، تختلف إلى حد كبير عن تقاليد مؤسسات الدولة الأخرى، سواء في القيم المرجعية لسلوكها أو في القوانين التي تحكمها. هذه ليست مؤسسة ديمقراطية، وفي ظل نظام حكم استبدادي طويل الأمد، لم تكن بالضرورة معنية بتوجهات مصر الديمقراطية. أما السمة الثالثة، فتتعلق بالسياق المصري الخاص. فقد كان الجيش، وليس ثورة شعبية، هو الذي وضع نهاية للحكم الملكي وأقام الجمهورية، ولفترة طويلة لم يكن الجيش حارس الجمهورية وحسب، بل ومن تكفل بإدارتها. بعد هزيمة 1967 والتعقيدات الداخلية التي نجمت عنها، حاول عبد الناصر تحرير جهاز الدولة والحكم من النفوذ العسكري، وبناء جيش أكثر احترافاً وأقل انخراطاً في الحياة السياسية. وقد نجح في الثانية، ولم ينجح كلية في الأولى، أو ربما أنه لم يكن يستطيع قطع الحبل السري الذي ربط بين المؤسسة العسكرية والدولة الجمهورية. ولكن الجيش أصبح، بالمعنى العسكري، جيشاً حقيقياً على أية حال. وهو الأمر الذي استمر، ببعض متغيرات غير جوهرية، طوال عهدي السادات ومبارك. بل أن الآخيرين، ولإرضاء المؤسسة العسكرية، سمحا بمزيد من التوسع في انخراط ضباط الجيش في أجهزة الدولة، كما سمحا بتوسع هائل في نشاطات الجيش الاقتصادية. هذا الجيش الوطني، حارس الجمهورية ومقدراتها، أصبح بصورة ما أكثر حرفية وتأهيلاً، حتى على المستوى التعليمي والفكري، ومؤسسة مترامية الأطراف، عسكرياً واقتصادياً.أدرك قادة الجيش قبل شهور ربما من اندلاع الثورة الشعبية أن البلاد مقبلة على أزمة كبرى، وأنه قد يصبح طرفاً في الأزمة. كانت المسافة بين المؤسسة العسكرية والنظام تتسع على خلفية من مسألتين رئيستين: سياسات النظام الاقتصادية، التي أفادت مجموعة صغيرة من رجال الأعمال الملتفين حول الحكم أو من أصبحوا بالفعل جزءاً من آلة عمله؛ ومسألة توريث منصب الرئاسة. كلا المسألتين تسببتا في إيقاع خراب كبير في البنية الاجتماعية للبلاد وفي مقدراتها الاقتصادية والسياسية، وأضعفتا موقفها في الساحتين الإقليمية والدولية. وهنا بدأ التململ في التسرب إلى صفوف الجيش وإلى قلب قيادته. ولكن طبيعته المهنية الاحترافية، التي ترسخت إلى حد كبير منذ 1967، منعت الجيش من اتخاذ الخطوة الضرورية لتغيير الأوضاع، وظل تذمره ومعارضته لسياسات النظام في العقد الاخير من عمره خافتاً ومحصوراً بدوائر الخاصة. ولذا، فإن الثورة الشعبية أتاحت فرصة كبيرة لأن يتخذ الجيش الموقف الذي كان يتحتم عليه أخذه.خلال الأشهر الطويلة التالية لتنحي الرئيس مبارك، وحتى انتخابات الرئاسة في حزيران/يونيو، أصبح المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم الفعلي للبلاد، متمتعاً بسلطات تنفيذية وتشريعية وسيادية. كان المجلس السلطة العليا في غيبة أية مؤسسة منتخبة أخرى. وهنا بدأت مشاكله في التفاقم، وأصبحت علاقته بالدولة والشعب أكثر تعقيداً. بالرغم من تجاوزات محدودة لبعض الضباط وبعض الوحدات، سيما الشرطة العسكرية، بدا الجيش منذ انتشاره في مدن البلاد، وفي العاصمة القاهرة على وجه الخصوص، أقرب إلى الشعب منه إلى نظام الحكم؛ وبخلاف كل التوقعات والمخاوف، لم يطلق الجيش طلقة واحدة على ملايين المتظاهرين. وبالرغم من أن تفاصيل اللحظات التي سبقت نهاية النظام لم تزل خفية في معظمها، فالمرجح أن قيادة المؤسسة العسكرية لعبت دوراً رئيسياً في إنجاز دفعة تنحي الرئيس مبارك الأخيرة. على نحو أو آخر، أصبح الجيش شريكاً في الثورة، بدون أن يشارك قطاعات الشعب المختلفة تصورها وآمالها في التغيير الجذري. وعلى نحو أو آخر، اعتقد قادة الجيش أن هذا الدور يؤهل المؤسسة العسكرية لموقع أكثر فعالية وتأثيراً في إدارة شؤون البلاد. التباين في تصورات التغيير، من جهة، والسعي لاحتلال موقع مرجعي للجمهورية الجديدة، من جهة أخرى، أضفى على المرحلة الانتقالية مناخاً من التوتر، بل والصدام أحياناً، بين المؤسسة العسكرية، من جهة، ونشطي الثورة وأغلب القوى السياسية، من جهة أخرى. ومع نهاية المرحلة الانتقالية، سيما بعد إصدار المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلانه الدستوري المكمل، كان رصيد الجيش في الثورة قد استنفد كلية.حسم الرئيس مرسي الصراع على السلطة في أيام آب/أغسطس الأربعة الحاسمة، 8 12؛ وعادت سمات وطنية الجيش وانضباطه ومهنيته لتلعب دورها في الحفاظ على وحدة المؤسسة واصطفافها خلف القيادة الشرعية للجمهورية. وما إن هدأ الضجيج، ولأن مرسي يدرك حاجة مصر لجيشها، ربما أكثر من أية دول أخرى في المشرق العربي الإسلامي، أصبح على الرئيس أن يعمل من أجل إعادة الاعتبار للجيش وترميم علاقته بالشعب. ولكن انتقال مصر الحثيث والسلس، نسبياً، من الاستبداد إلى الحرية، ومن شبح الهيمنة العسكرية إلى مدنية الحكم، لا يعني أن علاقة الجيش بالدولة قد حسمت، واستقرت على أسس دستورية واضحة. بل إن سرعة وسلاسة الانتقال، لم توفر للبلاد فرصة كافية لإعادة نظر شاملة في هذه العلاقة المشتبكة، وعميقة الجذور، التي تعود إلى لحظة ولادة الجمهورية ذاتها. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية