التقته فاطمة عطفة: فنان وكاتب وإعلامي إيراني يعمل في مجال الترجمة والدراسات الفكرية المعاصرة وخاصة ما يتعلق منها بالقضايا العربية ومنها قضية المرأة، وإن كان عمله الأساسي في مجال السينما كمستشار ومخرج. إنه حسين عباسي المثقف المتعدد المواهب والذي زود نفسه برصيد غني من المعارف العربية والإيرانية، فهو بالإضافة الى انشغاله بالسينما، يشكل بعمله في مجال الترجمة جسر تواصل راسخ بين في عالم الثقافة والفكر بين إيران والبلاد العربية.’ أنتم في إيران متقدمون في صناعة السينما.. ولديكم أعمال كان لها حضور عالمي، كيف تنظر لمسيرة السينما العربية وتطورها؟ وهل فعلا هناك إنجازات تلوح لمستقبل أفضل؟’ ‘في اعتقادي أن السينما هي من جذور الأدب، وإن كانت صاغت نفسها في كيان مستقل. وبما أن السينما العربية أخذت روحها من الأدب العربي، فلا شك أن لها مستقبلا زاهرا ونرى هذا التعامل والأخذ والعطاء بين السينما والأدب في روايات نجيب محفوظ وغيره من الأدباء مرورا إلى عمارة يعقوبيان وروايات غسان كنفاني وغيرهم. برأيي لو كان السينمائي العربي يتعرف على أدبه الثري أكثر فأكثر فلا بد أنه سينجز أعمالا أجمل وأجمل، فمستقبل السينما العربية باعتقادي له صلة وطيدة وعلاقة صريحة بالأدب العربي الموجود.’ هل يكفي النص السينمائي لنجاح صناعة السينما؟ أم أنه هو عبارة إخراج ونص وإنتاج ومجموعة أدوات لازمة ومطلوبة في صناعة السينما لتحقيق النجاح في هذه الصناعة؟ وما الذي ينقصنا نحن العرب حتى نصل لتحقيق النجاح في هذه الصناعة؟’ ‘ السينمائي في البداية يحتاج إلى تجربة، وتجربة العرب كعرب موجودة وحضارتهم موجودة في أشعارهم ورواياتهم وقصصهم، هذه هي الخانة الأولى من التعرف على النفس والذات عبر التعرف على الأدب، ثم تأتي مرحلة الإخراج ومنها مراحل أخرى كالتمثيل، وكل هذا يحتاج إلى فتح بوابة التعرف على الآخر، أي على العربي أن يتعرف على أقوام وممثلين وسينما تختلف عن سينماه حتى يطلع على نماذج كثيرة من تجارب للآخرين في النص والصورة والأداء والإخراج وغير ذلك، لكن اللبنة الأولى للسينما هي الأدب.’ ما هو السر وراء نجاح السينما في إيران مع أنها في بعض الأحيان تصور بأدوات أضعف من الأدوات التي تستخدم في الغرب؟ وأين تكمن أهم النقاط التي ساهمت في نهضة صناعة السينما في إيران؟’ ‘طبعا في البداية كان للسينما الإيرانية تجربة غير جميلة وهي التي تعرف بالسينما الفارسية، أي السينما التي كانت موجودة في زمن الشاه محمد رضا شاه، لكن في نفس الفترة ظهر هناك من اعتمد على الأدب أمثال حاتمي وعباس كيارستمي وآخرون إلى الآن، مثلا، كيارستمي يعرف الشعر والأدب الفارسي ويجيده. وهذه النقطة هي أحد الأسرار التي سألت عنها، النقطة الثانية أن إيران من وجهة نظري هي دولة من أطياف متعددة، مجموعة من كتل وأقليات دينية ولسانية، كما كانت إيران وبشكل دائم في عملية أخذ وعطاء مع الحضارات الأخرى لا سيما مع العرب، ومن هذا الباب نرى أنه دخل في القرآن الكريم أكثر من عشرين مفردة فارسية مما يدل على أن العلاقات كانت قبل الإسلام وثيقة بين الفرس وبين العرب. كما أننا نجد العديد من المفردات الفارسية في شعر الأعشى وحتى في بعض قصائد المعري. الأدب له دور هام، والملاحم الفارسية الموجودة كملحمة فردوسي والأدب الموجود لدى حافظ والنزعة الصوفية أو العرفانية الموجودة لديه، كل هذا يمر به الشخص الفارسي الموفق الناجح وبعد ذلك يختار الموضوع الذي عليه أن يبحث به.’ أنتم ككتاب وروائيين في إيران تجيدون العربية بشكل جيد، هل نحن العرب ينقصنا تعلم لغة الآخر لتحقيق سهولة التواصل والتعرف على ثقافته؟ وهل تعلم لغة الآخر يفيد في التجربة السينمائية؟’ ‘طبعا اللغة والتعرف على اللغة شيء هام جدا، بالنسبة لي أنا عربي من إيران فهناك محافظات في إيران تدعى خوزستان وفيها مدن عربية كثيرة كالأهواز وغير ذلك، لكن القضية أن البلدان العربية لم تتعرف حتى يومنا هذا على الثقافة الفارسية بمعناها الواقعي، أنا مثلا أرى في 1921 عندما جاء الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري إلى إيران فأصبح يرسل إلى بعض الصحف الموجودة في العراق نصوصا فارسية فسألوه لماذا ترسل لنا هذه النصوص الفارسية والغربية متواجدة لدينا؟ وكان الجواهري قد أسمى قصيدته التي أرسلها ‘كنوز فارس’ وكذلك أرسل أشعارا لحافظ الشيرازي حيث ترجم كل بيت على حدة، من جملتها: (ملكا كنت وفي الفردوس لي كان صحاب/ آدم أخرجني منه إلى هذا الخراب/ ظل طوبى وصفاء الحور غيدا والشراب/ كله مذ همت في حبك عن ذهني غاب). هذا من وقع النعل بالنعل كما يقال باللغة الفارسية، وهناك بيتان لحافظ الشرازي من نفس النكهة ونفس الروح ونفس التصاوير والمفردات الموجودة، فأجابهم الجواهري عندما سألوه عن سبب إرساله القصائد بالفارسية، وهذا قبل 90 سنة تقريبا، قال: بدلا من أن نقرأ لغوتيه وشكسبير ودانتيه وهومر، هنا في بلاد فارس كنوز كثيرة يجب أن نأخذ منها ونثري أدبنا بها’.’ الشارع العربي يطالب بالحرية، ماذا تعطي الحرية للمبدع السينمائي بشكل خاص ولجميع أشكال الإبداع بشكل عام؟’ ‘طبعا الحرية لها مقدمات، ومقدمات الحرية كما أراها في البلدان العربية وفي إيران هو الحوار، وأقصد الحوار بمعناه التام وأجوائه الصحية المنفتحة.. لأنه بعد الحوار يأتي دور الحرية، والحرية تمر بمرحلتين المرحلة الأولى نسميها الغير الإيجابية، أي الإنطلاق والتخلص من الأوهام والخرافات والحواجز وهذه هي الحرية السلبية كما يقال، لكن بالنسبة للحرية الإيجابية فأين هي الساحة والمكان الذي أمارس به حريتي وأستقل وأفكر وأنفذ ما تمليه علي حريتي؟ بلداننا الآن تقريبا تمر بمرحلة الحرية الأولى، أي أنها تحررت من أشياء لكن السؤال المهم أين تستخدم حريتها؟ كلا، ما زلنا في بداية الطريق ولم تزل هذه الدول غير قادرة على الوصول لقرار حاسم بشأن هذه القضية’.’ هل أنتم في إيران تتمتعون بهامش من الحرية في مجال والإبداع والتعبير بأنواعه حتى انطلقت السينما الإيرانية بهذا الشكل؟ وبصراحة هل يوجد حدود ورقابة للنصوص السينمائية؟’ ‘أنا لا أريد أن أبرر لأي دولة أو حكومة أو نظام، لأنه في جميع الأنظمة هناك حواجز. أول حاجز يخرج من صميم قلب الإنسان، وهو ما يسمى بالأخلاق والعادات والعرف وغيره. طبعا هناك في إيران حواجز موجودة والرقابة موجودة على الكاتب وعلى السينمائي وغيرهم، والشاهد على ذلك المرحلة الأخيرة والأزمات التي مر بها السينمائيون هناك. أنا أعتقد أن مشكلة انعدام الحرية موجودة في جميع الأنظمة، فأي نظام يبحث لإثبات نفسه ولدوام استقراره، وبالتالي يضع الحواجز الكثيرة والرقابة، لكن وكما قال العرب: من راقب الناس مات هما!’.’ من المؤكد أنكم في إيران تتابعون ما يدور في المنطقة العربية من ثورات وتغيرات، كيف تنظر إلى الإعلام العربي والأجنبي ودوره فيما يحدث؟’ ‘بما أنه لكل الأنظمة هواجسها ومتطلباتها فكل من هذه الأنظمة تبحث وراء مصالحها، وبالتالي لا فرق بين الإيراني والغربي والعربي كل يبحث عن مصالحه. لكن بالنسبة للإعلام يجب أن يكون محوره الإنسان وليس النظام، وأنا أتحدث عن المحور الذي تتخلله الحرية، وليس الحرية التي تمنحها الحكومات والأنظمة. الإعلام له دور هام ولا شك في هذه القضية، وهو بوسعه أن يكون مرآة صافية أن نرى فيه ومن خلاله ما يحدث في العالم، لأن العالم يسير بسرعة ويستمر. فعلى من يعمل في هذا المجال أن يرينا الوقائع على حقيقتها حتى لا نعود للخلف، وأكتشف أن الإعلام الفلاني أو الكاتب الفلاني قد كذب في تقديمه لي الخبر أو غير الحقيقة وأعطاني نسخة غير صحيحة وغير صالحة، الإعلام كما الثقافة والمسألة متصلة تماما بأخلاق الإعلامي والمثقف ومدى مراعاته ورعايته لحقوق الإنسان’.