العجوز والجبل

حجم الخط
0

ناصر فرغلي قالت ‘مارا’: لِنصعد الجبل. أنتَ حبيبيَ واليومُ سبْت ولستَ إلهاً لكي تستريح.أنا لن أحبّ إلهاًبلا كتِفيْنِ لأظافريكما هما لجبيني،ولن أُحبَّ إلهاًبلا عُنُقٍ يتوَجَّعُمِن انشغالِ شَفَتَيَّ بالتسبيحِولا رُكْبتيْنِ للصعودِ،ولن ألدَ الأنبياء.وأنتَ حبيبيلأنكَبالحبِّ تصعدُلا بالمشيئة.قُلْتُ مِن كَتِفيّ: أوكيه.O..K!لستُ إلهاًإلى أن يمسّني الحُبُّأو جنونُ يديْكِ،أنا لستُ إلهاًولن تلِدي الأنبياءَإلى أن يحجبَ نهداكِالضوءَ عنيفأخترعَ النهارَوأخترعَ الليلَوأصنعَ منهما يوماًبطول أسطورتيثُم أكدحَ كالرعاةعلى قطعانِ ما تُرَبّينَفي خاصِرتي من الرغباتِمنذ شمسِ التفاتِكِ في النومِصوبَ أقاليمَ مُعتمةٍ في سريريوحتى رنينِ القمرِفي سقفِ حلْقيحينها يا ‘مارا’سيعذبُني الكلام حين ينفدُوالجبلُ حينَ لا يَخُرُّوالقُبلةُ التي لا تسبقُ الخاطراسأليني أنا يا ‘مارا’منذ متى لم يكنِ الحبُّضرساً منخورًا في القلبأعصابُه العُريانةتُسوّي بين صفقةِ البابِعلى أصابعِ الأملوبين الحنانِ والحلوى؟اسأليني أناعن قصفٍ يفقأ الليلَبصواريخَ ملوّنةٍ في قِيعانِ الجماجمِوألعابٍ ناريةٍ في مَخَدّاتِ الأرقاسألينيأُجِبْكِ:أوكيه.كيف يمكن أن تُجابَ ‘مارا’بغير أوكيه؟وهي التي أدفأتكَ بإبطيْنِ كثيريْنوقَطّرتْ لكَ الماءَ في الحُمّىوحَكَّتْ بشَعرهاما لا تصلُ إليه يداكَ من الخلايا؟وكيفَ ..؟وهي التي حين هذيْتَعن الثوراتِ المَطْعوجةِكالعُلَب الفارغةعلى طاوِلةِ ليْلِكَ،وعن إيميلاتٍيُرسلُها الرمْلُلتجفيفِ رِيقِكَ،وعن دمِكَ الذي يصيرُ شجرًافي ثلاثِ قارّاتٍدونَ أن يمنَحَكَ ظِلاًّ واحدًا،خَبّأتِ الهذيانَ في البئرودَسَّتْ سَكِينَةً تحت لسانِكَثُم ضمَّتْكَ حتى رأيتَها ترتعشُفي مكانِكَ؟كيف يمكن أن تُجيبَ ‘مارا’بغير أوكيه؟OKهأنذا أصعدُ الجبلَ مرةً أخيرةًمحفوفاً بمبتدئينَ سعداءجلودُهم بلا أثرٍ للسياطِذاكراتُهم بلا مداخِنَأكُفُّهم بيضاءُمن غير كوبيا ولا خُرُوملم تُنْضِجْ أرواحَهملا مَوْتَةٌ ولا اثنتانِولمْ يَئنْ لهمُ الانصرافُلأنهم يَحضرون بالأحرفِ الأولىويَدّخِرون أبجديةً في القطيفةتَبرُقُ كأسنانِ الإعلاناتبينما جيوبُهم ملأى بالهواءوفي الجبلعُملةٌ وحيدةٌ للتداولاسمُها الأوكسِجين.في كيلومترٍ قادمٍمِن بعدِ كيلومتراتٍ قادمةٍسأقايضُ بكل ما لديّمِن معادنَ في الدمومِن كراماتٍ هشّةٍفي غُدَدٍ تُفرِزُ الشرقَمن أجل نَفَسْنَفَسٍ واحدٍيُنقذُ القلبَمِن نبضةٍ تقبِضُ الفراغنَفَسٍ واحدٍقد يكون كافياًلانقلابٍ صغيرٍتقودُه ماكينةٌعلى عَدّادِ خيباتِهافتوجَدُ أيامٌ كثيرةلكنني الآنَلم أزلْ في مدارجِ الخفّةأصعدُ بهمّة الحمقى والمريدينأحملُ عن ‘مارا’ حقيبتَهاحيث ادّخَرَتِ الشايَ والضحكاتِ لتُكافئَ الذّرْوَةَ على هَدِّ حِـيَـليحِيلةً حِيلةًقبل أن تضعَ قطعةً من السكّرِفي فَميمارا تصعد الجبلوأنا أصعدُ الجبلَ و’مارا’ومع أني لم أكنْ هنا قبلاًفقد كانت قصاصاتُ حياتي الهاربةمبثوثةً في منحنياتِ خَصْرِها،عالِقَةً في ما تَوَحَّشَمِن دَغَلِ شهوتِهاوما تَشَذّبَ في نَوْلِ الغائبِمن آكامِ جسدِها،ومشبوكةً عند كل مَهْوًى ومُرْتَقىكأني أسيرُ على خُطايَلأضمنَ عودتي سالِماً للمَتاهةسوف أجمع وجهي يا ‘مارا’لتكون لي شفتانِتحرثانِ حقلَكِفتمتَلِأَ صهاريجُ المراكبِبما حلُمِتْ به موانئُ بعيدةوسوف أجمعُ وجهيليكون لي عينانِتسهرانِ على بقائكِ ساهرةًحتى تنامَ أفراسُ أنهارِناويكونَ لي أنفٌخالِصٌ للمُلامسةلأن انعدامَ المسافةيُربِكُ اليَدَيْنسأرسلُهما في نُزهةٍ في يديْكِإلى أن نعودَ مِنّافتَلقيانا بحِضْنٍ يسَعُ غِبْطتيْنوتصفيقٍ يضبِطُ إيقاعَ أعضائنافي انطباقِ جسديْنِعلى قيامةٍ تلو أخرىتلوَ أخرىتلوَ أخرىخطوةًثُم أخرىثُم أخرىثُم ..يبدأ الدماغُ في تلقي ألمِ الحِقْوَيْنِوالكَتِفِ اليُمنىثَمّةَ استغاثاتٌلأفْواهٍ بعيدةٍ في قَبْوٍ حَيَوِيٍّلم تكنْ تعرفُ أنه هناكوثَمّة خلايا نائمةٌ للألمِ تَتَمَطىثَمّ جانِحةٌ مُوَكَّلةٌ بالكبرياءِ تصرخُثُم تُلهبُ رئتَيَّ بالكرابيجوكلاعبِ الترابيز في الهواءكان التوقفُ خيارًا مشطوباًوفي انتظارِ عثورِ اليدينعلى حياةٍ بأكملهافي نقطةٍ بعيْنِهامن مسارٍ مقلوبٍ كالفنجانوذَرّةٍ بعينهامِن صحراءَ في ساعةٍ رمليةٍكصُدْفةٍ سعيدةٍ في مَجَرّةٍ نائيةحيثُ تقفُ كلمةٌ على حافّةٍبين الخَلْقِ والكارثة،كنتُ أتخيلُ قصةًيرويها طفلايَ في المدرسةعن أبيهما الذي راح ليصطادَ الدببةوأيّ رثاءٍ سيقولُه أصحابيفي صديقِهم الشاعرالذي قتلَه جبَلٌ في سيبيريا؟أيّ أساطيرَ سوف تُنسَجُدون أن تتقدّسَباسمكِ يا ‘مارا’؟وأيّ قمـّةٍ تقفينَ عليها الآنومَن يشربُ شاييويقضمُ فطائري؟تُرى مَرَّ بي الصاعدونَكما تمرُّ درّاجةٌ بعامودِ نور؟تُراني أنا الذيمَرَرْتُ بهم في الصعودِكما تمرُّ فِكْرةٌ على بالوأغلقْتُ ورائي جبَلي الانفِرادي؟ومع أني وحيدفقد وضعني الجبَلُفي قائمةٍ قصيرةٍ:أناأولا أنا.’مارا’ صَعَدَت الجبلوأنا أصعدُالجبلَو’مارا’،وأصعدُني…..(سيبيريا/لندن/2012)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية