فيلم ‘القلوب المحترقة’ لأحمد المعنوني:آلجي حسين لا يبدو الحديث وارداً عن السينما المغربية دون التطرق للمخرج أحمد المعنوني صاحب ‘الأيام.. الأيام’، و’الحال’، وعدد من الأفلام التسجيلية، وفيلمه الأشهر ‘القلوب المحترقة’.جدلية الأزمنةيقول شاعر داغستان رسول حمزاتوف: ‘إذا أطلقت رصاص مسدسك على ماضيك، فتأكد بأن الحاضر سيطلق نار مدفعه على مستقبلك’.هذه العلاقة الجدلية بين الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل تجسّد فكرة الفيلم السينمائي المغربي ‘القلوب المحترقة’، وفي هذه الإشكالية تتجلّى أهمية التخاطب بينها ليتم التوصل إلى معادلة شبه مرضية للفيلم.هي حكاية المهندس الشاب ‘أمين’ وقراره العودة إلى المغرب من فرنسا لزيارة خاله الذي شارف على الموت، يعود لتصفية حساب قديم بعدما كان خاله يعذبه إثر تبنيه بعد وفاة والدته، لتبدأ الأحداث بالرجوع والتذكر ضمن مخيلة أمين الذي لاقى الأمرّين منه.طريقة المعالجة كانت صعبة نوعاً ما، فجاء الخلط بين الزمنين الماضي والحاضر غير مفكك في أحايين عدة ولاسيما أن الألوان هي الأبيض والأسود. وفي هذه العبثية الزمنية المقصودة تأكيد لمبدأ الهروب إلى الماضي من الحاضر، لكن النتيجة هنا كانت معكوسة. ففي الوقت الذي نشهد فيه هروب البعض من الماضي إلى الحاضر لأنه مؤلم، لكن الماضي أكثر ألماً، فأي الزمنين يختار؟ هل يعقد هدنة مع الماضي أم يتصالح مع الحاضر من أجل مستقبل جيد؟هذه الأسلوبية المتبعة في المعالجة تحتاج لذهن وقّاد على مدار الفيلم حتى لا يتم تفويت أي تفصيل قد يضيّع حبكة الفيلم، ومن الضروري اللجوء إلى هذه الوسيلة، وكان من الأجدر توضيح بعض النقاط الخاصة بالتفاصيل، ففي المشهد الأول نرى رجلاً قميء الوجه يضرب فأسه بشدة على قطع الحديد أمامه في دكانه العتيق، وفي الوقت نفسه نسمع أغنية مغربية شعبية كموسيقى تصويرية لهذا المشهد.وفي هذه الحالة، نستطيع فهم القصة ولو تدريجياً عن خال أمين الذي يسكن في مدينة فاس، لتبدأ الاعترافات بعد ذلك بالظهور، حتى إن البعض أدرج هذا الفيلم ضمن ‘سينما الاعترافات’.فقصة الصراع بين الأزمنة في الفيلم يدفع المتلقي إلى التعايش مع الأبطال، وفي هذه المنهجية العلمية في التعامل مع القضايا كانت الدول الأوروبية سبّاقة من خلال دراسة واقع الشخص بتصفح ماضيه، ولاسيما في المصحات العقلية والنفسية التي تعتمد البحث العلمي الاجتماعي أسلوباً لها.مكان وسلوكعلاوة على معالجة الناحية الزمنية وتأثير الزمن على سلوكيات أمين، يلعب الفيلم بشكل جيد على الناحية النفسية ويحقق نوعاً من التوازن بين الانفعالات والتوترات، بين الفرح والحزن، الماضي والحاضر، وهذه المعالجة الثنائية تُبرز إلى الوجود مواطن القوة والضعف في شخصية الإنسان من جهة والتشاؤم والتفاؤل من جهة أخرى.ولم يغب المكان باعتباره ملازماً للزمان عن ذهن المخرج، ولحظات الضعف التي يمر بها الإنسان كانت لها علاقة بالمكان الذي يقطن فيه، وكم من مكان أدى إلى اعتراف الفرد بأمور وأشياء لم يكن يتذكرها سابقاً، فكانت مشاهد ‘الحمام’ مثلاً كفيلة بتذكر أمين للرؤى السابقة؛ ففي الماء الطهارة والنقاء والاستلقاء والاسترخاء والضعف أيضاً.إذاً، يحكي الفيلم كثيراً عن السيرة الذاتية لصانعه، وينحو بنفسه نحو العمق في طرح القضية ويجنح نحو الروح الإنسانية ويبين قضايا عدة، وإن كانت خجولة وغير مباشرة، لأن المرور عليها كان خاطفاً، فالفيلم يحكي تأثير الطفولة على مصير الفرد وقدرة الروح الإنسانية على فعل المستحيل، لكن في حالات الموت تتساوى جميع الكائنات، فأمين عندما يريد تصفية حسابه مع خاله في ذلك الحي يراه مقبلاً على الموت ليعدل من فكرته نسبياً، إذ ليس من الواضح ما كان سيفعله لو كان خاله في وضع آخر. لقد أدخل لونا الأبيض والأسود بتدرجاتهما المتفرج في رحم عالم آخر من التخييل والحلم، عدا مشهد واحد ملون؛ حيث الحل النهائي لكل ما كان يؤرق ذهنه، فكان اللجوء إلى اللونين بمثابة مخاطرة، لكن في قضية زمنية كهذه لا أعتقد أن نسبة الفشل ستكون أقوى من النجاح، فالماضي والحاضر والمستقبل كل منها يركض خلف الآخر، وهذا الخلط في التعامل مع الأزمنة وكشف العلاقات التي تربط بينها جعلت الهروب إلى المستقبل الحل الأفضل والأسمى وكانت بذلك تمهد لمقولة الفيلم، حيث يرى بعض علماء النفس أن ألوان الحلم تعود إلى الأبيض والأسود، وقد يكون الفيلم بذلك قريباً من الحلم إذن، لأن إشكالية الصراع مع الزمن تحتاج إلى جهد إخراجي وعمق في الرؤية البصرية والتمكن من الأدوات.من ناحية أخرى، جاء حاجز اللغة ‘اللهجة المغربية’ ليضيف صعوبة الاتصال والفهم إلى المتلقي غير المغربي، وحلت محلها بشكل نسبي اللغة الإنكليزية بترجمتها على الشاشة رغم عدم وضوحها على خلفية تكاد تكون بيضاء بالكامل، من خلال الاكتفاء بالعديد من الحالات والصور وتحليلها وإعادة بنائها وبناء صورة أخرى في عقل المشاهد، وكانت الأغاني المغربية الشعبية والصوفية تعيد للمتفرج المعادل السمعي لتعويض ما فاته على مبدأ أن الحياة بحلوها ومرّها.فيلم ‘القلوب المحترقة’ من تأليف وإنتاج وإخراج أحمد المعنوني، وتمثيل كلٍّ من هشام بهلول ومحمد درهم، ومحمد مزوار، وعز العرب كغاط، وأمل سطا، ونادية علمي، وسبق أن فاز الفيلم بجوائز عدة منها الجائزة الكبرى في مهرجان طنجة الوطني[email protected]