يعمل البوعزيزي صباح مساء، يجر عربة الخضر، رغم شهادته العليا التي تبللت بماء البطالة، تاركا إياها في الرف مع أوراقه القديمة التي تعود إلى ذكريات سنوات الجامعة. يصيح بصوت جهير: ‘بطاطس.. طماطم.. جزر…’. يجول جميع الشوارع في مدينة سيدي بوزيد. الكل يعرفه ويعرف نبل سلوكه وأخلاقه الحميدة. تطلب منه إحدى البائعات في السوق العمومي أن يمر إلى منزلها بالليل ليساعد إبنتها الصغيرة في تحضير بعض الواجبات المنزلية، فيجيب بنعم وبكل فرح وسرور وحب للمساعدة الإنسانية.تنظر إليه شرطية باحتقار، فهي لا تعرف أنه أعلم منها ثقافة ودراسة، فهو مثل السنبلة المملوءة تنحني تواضعا، بينما الفارغات فتجد رؤوسهن شوامخ، حسب تعبير الشاعر. تستفزه بكلامها وعباراتها النابية. تصفع وجهه وسط جمهور غفير من الناس. الكل يقول: ‘اللهم إن هذا لمنكر، لا حول ولا قوة إلا بالله’.تقول إحدى النساء: ‘لا وفقك الله أيتها الظالمة.. كيف يعقل أن تصفع المرأة الرجل على خده؟’. إحمر وجهه وبقيت آثار اللطمة عليه. أي ظلم أريد بالبوعزيزي المسكين؟ ما مشكلته؟ مشكلته أنه درس وحصل على شهادة عليا فلم يشتغل في الوظيفة العمومية، كغيره من الشباب المعطل. صدق من قال: ‘مُعَطَلْ وْ رَاسِي مْرْفُوعْ، مَا مْشْرِي، مَا مْبْيُوعْ’. يصب البنزين على جسده وفي مرأى من الناس وسط الساحة العمومية.إشهد أيها التاريخ على هول الفاجعة وشدة الشرارة التي ستعصف بالإستبداد والديكتاتورية. يضرم النار في جسده ويذهب مسرعا لكي يشهد الجميع أنه موجود ويقاوم الإستبدادعسى أن تخمد إهانة الشرطية له، وتستريح روحه الطاهرة بعد ثورة الياسمين.أشعل البوعزيزي شرارة الثورة والنصر. إستيقظ الشعب التونسي ومعه الشعوب الأخرى لإسقاط إستبداد النظام ودكتاتوريته.محمد الشاوي – المغرب