د. عصام نعمان6 اكتوبر 1973 هي الذكرى الـ39 للحرب المجيدة التي ردّت الإعتبار للعسكرية العربية.6 اكتوبر 2012 هو التاريخ المجيد لإعادة الاولوية لقضية فلسطين.كيف أعادت طائرة بلا طيار، في يوم ذكرى حرب اكتوبر، الاولوية لفلسطين؟بإضطرار ‘اسرائيل’ الى العودة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، الى التركيز على المخاطر والتحديات التي تواجهها في داخلها ومن حولها. ‘داخل اسرائيل’ يعني فلسطين المحتلة، و’من حولها’ يعني لبنان وسورية والاردن ومصر. الإنشغال بالداخل وبما حوله سيؤدي بالضرورة الى تدني الإنشغال بتحديات اخرى وبالتـالي تقليص التركيـز عليها كالبرنامـج النووي الإيراني، والأزمـة السورية – التركية، ومستقبل العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية بعد صعود الإسلام ‘الاخواني’ الى السلطة.هل يعقل ان تثابر ‘اسرائيل’ على اعطاء الاولوية لتوجيه ضربة مدمرة لإيران وقد باتت الجمهورية الإسلامية، بصواريخها القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى، قادرةً على ايذائها بواسطة حليفها حزب الله، واستطراداً بواسطة حليفتها سوريا؟.هل تدمير ايران ممكن اصلاً؟ وهل يقضي على قدرتها التكنولوجية وقد بات بعضها في متناول حلفائها المحيطين بـِ’اسرائيل’ من الشمال (حزب الله) والشمال الشرقي (سوريا) والجنوب (‘حماس’ و’الجهاد الإسلامي’ و’لجان المقاومة الشعبية’)؟.ألا يستوجب قصور ‘اسرائيل’ الفاضح في رصد طائرة واحدة بلا طيار حلّقت، بحراً وبراً، مسافة 300 كيلومتر، على مدى ثلاث ساعات، وبثت كمية وافرة من الصور والمعلومات، اتخاذَ قرار من حكومة نتنياهو بتأليف لجنة ‘فينوغراد’ جديدة للتحقيق في القصور التكنولوجي والعملاني الخطير الذي فضحته الطائرة ـ المفاجأة؟.ألا تستدعي الفضيحة المدّوية ان تباشر القيادة العسكرية الإسرائيلية (ومعها القيادة الامريكية) في دراسة النتائج المترتبة على احتمال قيام قوى المقاومة العربية في قابل الايام بإطلاق 50 طائرة بلا طيار محمّلة بمتفجرات مبرمجة لتدمير عدد من المواقع الإسرائيلية الحساسة على مدى مساحة فلسطين المحتلة؟.لإدراك حجم القصور التكنولوجي والعملاني الإسرائيلي الذي كشفته طائرة ‘ايوب’ بلا طيار، أعرض وجوهاً ثمانية منه، بكل تناقضاتها ومخاطرها، كما أظهرها محللون وخبراء سياسيون وعسكريون اسرائيليون:اولها، سؤال لم يحظَ بعد بجواب حاسم: مِن اين انطلقت الطائرة؟ قالوا، بادىء الامر، إنها انطلقت من قطاع غزة، ثم اشاروا الى غرب سيناء، ليرسو الترجيح الاخير على لبنان من دون تحديد اي موقع. لكن الناطق الرسمي بإسم ‘يونيفيل’ اندريا تيننتي نفى رصد القوات الدولية عبور اي طائرة استطلاع في الاجواء اللبنانية!ثانيها، المسافة التي قطعتها الطائرة فوق اليابسة. قالوا انها طارت فوق البحر المتوسط مسافة لا تقل عن 200 كيلومتر من دون ان ترصدها الرادارات الإسرائيلية، ثم عند بلوغها اليابسة قرب عسقلان، اتجهت شرقاً فرصدتها الرادارات وقامت طائرات اف-16 بأسقاطها في موقع يبعد 30 كيلومتراً عن مفاعل ديمونا النووي. هذه الرواية تتناقض مع رواية اسرائيلية اخرى مفادها ان الطائرة تسللت من جهة البحر الى اليابسة قرب حيفا. مصداقُ هذه الرواية اضطرار الجيش الاسرائيلي الى نصب منظومة ‘باتريوت’ جديدة بالقرب من حيفا للحؤول دون تكرار حادثة الإختراق.ثالثها، يستفاد من تصريح نقلته وكالة الأنباء الإيرانية ‘ارنا’ لمساعد شؤون التنسيق في الحرس الثوري الايراني العميد جمال الدين ابرومند ‘ان تغلغل طائرة بلا طيار الى عمق 100 كيلومتر داخل الاجواء العربية المحتلة يعكس ضعف منظومة ‘القبة الحديدية’ وفشلها وكذلك النظام الدفاعي للكيان الصهيوني’. هذا التصريح يشير الى امرين بالغي الاهمية : الاول، نجاح الطائرة في قطع مسافة طويلة في اجواء فلسطين المحتلة. الثاني، فشل منظومة ‘القبة الحديدية’ في رصد الطائرة وإسقاطها الامر الذي يرجّح ان موقع الإختراق كان قرب عسقلان حيث نَصَب الجيش الإسرائيلي منظومة ‘القبة الحديدية’ وليس في منطقة حيفا حيث نَصَبَ منظومة ‘باتريوت’ الامريكية الصنع.رابعها، كشفت صحيفة ‘يديعوت احرنوت’ (9/10/2012) ‘ان التحقيقات التي اجريت اظهرت ان اجهزة الإنذار (…) في منظومة ‘باتريوت’ القديمة المنصوبة بالقرب من حيفا تمكّنت من رصد الطائرة لكنها لم تستطع ان تحدد هويتها وما اذا كانت طائرة معادية ام لا’. هذه المعلومة التي نسبتها الصحيفة الإسرائيلية الى ‘القائد المناوب لسلاح الجو الإسرائيلي في ذلك اليوم’، تشير الى فشل منظومة ‘باتريوت’ ايضاً بدليل ان القيادة العسكرية الإسرائيلية قامت بنشر منظومة ‘باتريوت’ اضافية من طراز جديد بعد حادثة الإختراق بقصد سد النقص الحاصل في إجراءات الرصد والمواجهة .خامسها، كشفت ‘يديعوت احرنوت’ ‘أن التقديرات السائدة لدى الجيش الإسرائيلي تشير الى ‘ان الهدف من اطلاق الطائرة بلا طيار هو إلتقاط بعض الصور، ودراسة مدى يقظة اجهزة الرصد والدفاع لدى سلاح الجو الإسرائيلي، وذلك تحوّطاً لإطلاق طائرات اكثر تطوراً في المستقبل’. هذه التقديرات تشير الى ان هذه الطائرة ‘المزوّدة بتكنولوجيا متطورة’، قامت ببث صور ومعلومات الى الجهة التي اطلقتها. كما تشير الى ان التقديرات المنسوبة الى القائد في الحرس الثوري الإيراني العميد ابرومند حول فشل منظومة ‘القبة الحديدية’ الإسرائيلية، مبنية على معلومات وصور بثتها الطائرة بلا طيار خلال تحليقها فوق الاراضي الفلسطينية المحتلة.سادسها، كشف المحلل السياسي الإسرائيلي عوفر شيلح في ‘معاريف’ (7/10/2012) حقيقة لافتة: ‘إن الجهة التي تقدر على إرسال طائرة بلا طيار من على بعد اكثر من 200 كيلومتر من الحدود الإسرائيلية-اللبنانية، تستطيع ايضا أثناء الحرب الوصول الى عدد كبير من المواقع الحساسة في ‘اسرائيل’، كما ان هذه الطائرة الإنتحارية والمحمّلة بالمواد الناسفة هي بمثابة قنبلـة موجّهة، وتدل على التقدم الذي احرزه حزب الله في قدراته العسكرية’. سابعها، تؤكد ‘يديعوت احرونوت’ انه سبق لحزب الله ان ارسل طائرات بلا طيار الى ‘اسرائيل’، وانه يحاول ان يعزز قدراته في مجال استخدام الطائرات بلا طيار، وكذلك حركة ‘حماس’، وان ‘اسرائيل’ تلقـــت معلومات استخبارية تفيد بأن ‘حماس’ و’الجهاد الإسلامي’ و’لجان المقاومة الشعبية’ في قطاع غزة تمتلك عدة طائرات بلا طيار حصلت عليها من ايران. ثامنها، انه بالرغم من ان الاسئلة المتعلقة بهذه الطائرة ما زالت اكثر من الاجوبة المؤكدة، إلاّ ان الحادثة الاخيرة تشكّل، بحسب المحلل العسكري أليكس فيشمان، ‘نقطة مفصلية امنية بالغة الاهمية لأنها تشير الى ان الايرانيين ارسلوا إلينا (…) رسالة تحذير فحواها: في اي حرب مقبلة ستكون ‘اسرائيل’ عرضة لإطلاق صواريخ وقذائف صاروخية، كما لإختراق طائرات بلا طيار محمّلة بالمواد المتفجرة’ .فيشمان أطلق ايضاً سؤالاً لافتاً: هل الطائرة بلا طيار المحمّلة بالمواد المتفجرة هي ‘سلاح المفاجأة’ الذي كان هدد به السيد حسن نصرالله ‘اسرائيل’ في احد خطاباته؟لعله ‘سلاح المفاجأة’ الموعود، او لعل غيره المقصود والموعود. فالحرب خدعة و… إبداع، وحديث الإبداعات والمفاجآت يطول…’ كاتب لبناني