خطيئة التجاهل والنكرانالقاهرة القدس العربي من كمال القاضي: كانت المدة الأخيرة التي طرح فيها كلام عن عمل فيلم حديث عن عمل فيلم حديث عن حرب أكتوبر هي المرة التي كلفت القوات المسلحة المصرية فيها الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة بكتابة سيناريو يتناول تفاصيل الحرب خلال الأيام الستة.عكاشة شرع بالفعل في الكتابة ولكن عناصر خفية عطلت المشروع ووشت بالكاتب الكبير، حيث حذرت من عدم حياديته وتحامله على الرئيس السادات وانتمائه للفكر الناصري، وعلى هذا الأساس تم لتشكيك في النوايا الذي على أثره تم سحب التكليف ووئد الفكرة!!بهذه الروح التآمرية تعامل الخبثاء مع الحدث الجلل والانتصار العظيم وبقي مجرد ذكرى يتعامل معها الجيل الجديد باعتبارها ماض قديم يتعرف على ملامحه من خلال ما تيسر تصويره من ملاحم درامية صنعت في حينها ولم تأخذ من روح أكتوبر غير الشكل فقط المتمثل في عبور خط بارليف وزرع العلم على الضفة الأخرى من قناة السويس، وربما يأتي فيلماً أو فيلمين في صدارة الأعمال الأكثر مشاهدة كالعمر لحظة والرصاصة لا تزال في جيبي، بينما بقية الأفلام على الرغم من اجتهاد أصحابها لم تمثل سوى تكراراً وعزفاً على ذات الوتر فقد اختلط فيها الحس الإنساني بالعمل البطولي فلا يمكن اعتبارها توثيقاً حربياً خالصاً لمعركة حسمت صراعاً طويلاً استمر لسنوات.في عام 2006 تجددت الدعوى لعمل فيلم ضخم تتسع أحداثه لاستيعاب كل دروس الحرب وعُرش الأمر آنذاك على وزير الثقافة فاروق حسني الذي أكد أن صناعة عمل درامي قوي عن حرب السادس من أكتوبر تتطلب دعماً من جهة خارجية لأن القدرة الانتاجية لدى مصر لا تسمح بتغطية التكلفة، وكان هذا التصريح بمثابة صدمة للمثقفين والسينمائيين لعدم منطقيته، حيث لا يمكن لأي جهة أخرى أجنبية أن تتحمس لانتاج فيلم عن حرب اكتوبر وتتبنى مسئولية مشروع وطني وطني هو بالأساس مصري الجنس والنوع والهوية.لاقى اقتراح فاروق حسني نقداً لاذعاً ومات إلى الأبد، ومع كل عام وفي ذات المناسبة يُفتح الملف ويغلق سريعاً دون خطوة واحدة في اتجاه التنفيذ، وليس من شك في أن ثورة 25 يناير باتت هي الطافية بوضوح على السطح، فما تضمنته الدراما التليفزيونية والسينمائية من أحداثها يفوق بمراحل الاهتمام الذي حظى به نصر أكتوبر 73 منذ 39 سنة!الأزمة الحقيقية في توثيق الحرب التاريخية لا يمكن اختزالها في المسألة الانتاجية ولكنها ترتبط بما هو أهم، المسافة التي تفصل الأجيال الجديدة من الكتاب والمخرجين عن الحدث فهم يعبرون عما شاهدوه والثورة بطبيعة الحال اقرب لوجدانهم فهم صناعها وحراسها وأبطالها وشهداء عيان عليها، وهذا ما جعلها حاضرة في معظم تجاربهم الإبداعية.أما حرب 73 فلم تكن محظوظة من الناحية الفنية لأن زمانها وأوانها لم تتوافر به نفس الأدوات التكنولوجية التي تمكن أي هاوي مبتديء من تصوير يومياتها وتضحياتها، غير أن من بيدهم سلطة الكتابة وفتح خزائن التمويل على مصارعها مشغولون بما هو أكثر رواجاً من أصناف الكوميديا والتراجيديا والرومانسية وما يصلح ليكون غطاءا ووعاءا لمفاهيم غربية حداثية إنسانية تضخ عائدا ربحياً وتضمن المشاركة في المهرجانات ورحلات السفر من ‘كان إلى كالو فيفاري إلى فينيسيا’ رايح جاي للتحليل والتأويل وإبداء الرأي في كل حدث وموقعة وما بعد الموقعة.المهم الثبات تحت الأضواء واحتلال المساحات البارزة في كبريات الصحف العالمية، وغير هذا وذاك المغايرة والاختلاف مهما كان الثمن ومهما كانت الضريبة ولا عزاء للقيمة والهدف ولا اعتبار يذكر للحقيقة فكل شيء قابل للفلسفة والسفسطة حتى الثورة والشهداء وما بينهما.لهذه الاسباب فرغت العقول من الهموم الوطنية وظلمت حرب الكرامة وغابت عن المشهد الراهن سياسياً وفنياً وعسكرياً ولم يعد بوسع جمهور الشباب إلا أن يستقي معلوماته عنها من خلال أفلام اجتزأت البطولات وابتسرت المعاني فجعلت الانتصار العظيم الذي بهر العالم وقت حدوثه مجرد ملامح تفضح عن بعض الحقائق بما يسمح به الكادر وتكشف عنه زاوية الرؤية.العنصر البشري الأول على فداحة التضحية وبسالة وجدارة وعبقرية الجندي المصري هو العنصر الأضعف في تكوين المشاهد السينمائية بالأفلام التي صورت الحرب على استحياء واعتمدت على السرد والحكي والخدع الفنية فتهميش البطولات البشرية الجماعية واقتصار الحدوتة و القصة على بطل واحد هو ما أدى الى التهافت الدرامي وضعف المستوى وعدم القدرة على الإقناع والإحساس العام بالحاجة إلى المزيد من الأعمال للوقوف على حقيقة الحدث والاقتراب من الحرب.والآن وبعد مرور 41 سنة لازلنا نفتقد الرؤية البانورامية البصرية ونتعامل بشكل سماعي مع أهم انجاز عسكري في القرن العشرين.