بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من مازن معروف: عادل نصار، شاعر وكاتب لبناني، عمل في مجال الصحافة لفترة وتنقل بين مهن عديدة اتسمت ببعدها عن الوسط الثقافي والفني عموما. نهل في شعره من الحياة اليومية، ومعايشاته الخاصة التي تنعكس، رغما عنه في قصائده. نصار الخجول والمتواري في بيروت، يعمل على تأليف قصيدته في الظل، فلا يبدو معنيا بالمعادلات التي يقيمها المثقفون في العاصمة اللبنانية. صدرت له أربع مجموعات شعرية هي ‘اعترافات فصامي’ (2004)، ‘سوء فهم’ (2005)، ‘مشروع شهيد افتراضي’ (2008) و’سيكون لك ما تريد’ (2010) إضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان ‘باربكيو سمك’ (2009). في بيروت حيث يعيش حاليا، كان لنا معه هذا الحديث.*كيف بدأت علاقتك بالشعر وبالكتاب عموما؟ *نشأت في كنف عائلة فقيرة نزحت من قرية صغيرة في البقاع الغربي، في اوائل الستينيات من القرن المنصرم، الى ما اطلق عليه حينذاك حزام بؤس في احدى ضواحي بيروت ويدعى حي برج حمود، ولم يكن الحزام الوحيد آنذاك، إذ شهدت بيروت في تلك الآونة ولادة العديد من هذه الاحزمة التي كانت غايتها استقبال النازحين من القرى اللبنانية على اختلاف انتماءاتهم الجغرافية وتحديدا من الجنوب والبقاع حيث تنوع الاختلاط السكاني من الارمن الى الاكراد الى الفلسطينيين والسوريين وبطبيعة الحال اللبنانيين، وما اذكره هنا يعتمد فقط على ما أتذكره من تلك الايام. كان هاجس والدي أن يستفيد مثله مثل كثير من اللبنانيين من الطفرة الاقتصادية التي عرفها لبنان آنذاك، الامر الذي سمح له بتحسين وضعه الاجتماعي بشكل ملموس، فتحول من بائع خضار الى بائع للأدوات الإلكترونية التي شهدت وقتذاك طفرة في انتشارها داخلة الى بيوت حتى الفقراء والمعدمين منهم. كان هاجسه في تعليم أولاده وأن يرتقوا اجتماعيا، هو الهاجس الذي تشارك فيه مع غالبية الفقراء اللبنانيين آنذاك. ورغم أن هذا الهدف يتناقض بشكل من الاشكال مع تقليد العائلة الكبيرة آنذاك الا انه لم يتأخر او يتردد في إنشاء عائلة كبيرة مؤلفة من ثمانية اولاد وكان آنذاك شديد التطرف في الانحياز الى اعلاء أولوية تعليم البنات على الصبيان منهم، تحت ذريعة ان الفتاة قد لا توفق في حياتها اجتماعيا لذلك فالعلم لها سلاح ماض في مواجهة صعوبات الحياة التي قد تصادفها. هذا لا يعني أنه لم يول اهتماما بتعليم الذكور الا اني هنا أورد الخلفية الفكرية التي تحركه، وبطبيعة الحال، فإن هذه الخلفية أوجدت تفوقا لشقيقاتي الاناث علينا نحن الذكور وجرى إعلاء شأنهم في كثير من الامور، وإن بقيت العادات والتقاليد الاجتماعية التي تكبل الفتاة اللبنانية قائمة وتشمل شقيقاتي ايضا. وفي هذا المجال أذكر الدور المسموح لهم فيه خاصة في مجال إبداء آرائهم السياسية والثقافية في المجالس التي كانت تعقد في منزلنا للمبارزة في إلقاء الشعر والمباراة التي كانت تجري في الامسيات شتاء في بيروت وصيفا في الساحة العامة لقريتنا. لم أكن من المتفوقين في دراستي بل اكثر من ذلك كنت كسولا وكرهت المدرسة كرها شديدا حتى أنني اجتزت الصف الاخير من المرحلة المتوسطة بكثير من القرف واللامبالاة. كان للحرب الفضل الكبير في هذا الاجتياز حيث جرى خلالها الغاء الامتحانات الرسمية ما جعلني أنجح تلقائيا مثلي مثل غيري من المجدّين والكسالى على السواء. إلا أني اذكر تماما حبي لقراءة الشعر في كتاب شقيقتي التي كانت آنذاك في الصف الثانوي الامر الذي دفعني لحفظ العديد من أبيات الشعر لأبي العلاء المعري والمتنبي حيث كنت ألقيها على مسامع زملاء الدراسة آنذاك، الامر الذي ميزني ما دفعني للامعان في هذه العادة حفاظا على تمايزي، وكم كانت مفاجأتي كبيرة حين قمت منذ مدة قصيرة في تلاوة هذه الابيات في إحدى السهرات الخاصة التي صادف جوها مناسبا لهذا الامر حيث اكتشفت أني لا أزال أحفظ جزءا كبيرا من هذه الابيات. اقتصرت قراءاتي فيما بعد على الشعر الذي كان دارجا آنذاك كمظفر النواب ومحمود درويش ومعين بسيسو واكتفيت فيما بعد بقراءة النصوص الروائية الروسية والكتب السياسية التي تؤكد ما هو مؤكد بالنسبة لي وذلك للاستخدام في النقاشات الممتعة والتي لم يكن غايتها الوصول الى شيء سوى استعراض المهارات في الجدال ومحاولة التفوق على الخصم، أيا يكن سواء كان رفيقا من ذات التنظيم اليساري الذي كنت أنتمي اليه أو من تنظيم حليف آخر. ومن الطبيعي أن يفتقر هكذا نقاش الى البديهيات وأولها الانصات والاستماع الى ما يود قوله الخصم وحتى اذا ما جرى الانصات، فإنه لم يكن إنصاتا لمعرفة وجهة نظر المحاور بل للتظاهر بأنك تستمع له، وطبيعة جوابك تفضح زيف هذا الادعاء اذ انك سرعان ما تعاود شن الهجوم لتقوم بتفريغ معلوماتك دون المرور حتى على ما اتى على ذكره محاورك. هذا دون أن ننسى الفوضى والصراخ المتبادل تماما كما يحصل اليوم في البرامج الحوارية على شاشات التلفزة والراديو، أو خذ مثلا صورة اللبنانيين أثناء مشاهدتهم لهذه البرامج ونشرات الاخبار وما يتمخض عنها من نقاشات يجرونها مع شاشة التلفزة مباشرة أو مع المشاهدين الآخرين الموجودين معهم في نفس الغرفة ذووي الاتجاه السياسي المماثل واللون المذهبي ذاته. ولا أستثني المثقفين في هذا المجال الذين هم من اكثر الناس وفاء لهذه الطريقة والاسلوب والنقاش. فالجميع لا يصغي والجميع يملك الحقيقة والتحليل الصائب.*عادل نصار: أنت من الاسماء الشعرية الشابة التي تعمل، إذا صح القول، في الخفاء. فلا تهتم على ما يبدو بالدعاية التي يعتمدها الشعراء الشباب في بيروت للترويج لنصوصهم. ألا ترى في هذا الأمر شيئا من السلبية التي يمكن أن تحجب نصك الشعري عن الأضواء؟*أعتقد ان الجواب يكمن في التعريف الذي افترضه لما اقوم به في هذا المجال. فأنا لا أدعي لنفسي بأنني صاحب بيان او مانيفستو، وهذا الامر ليس من باب التواضع على اختلاف أنواعه الزائف او الحقيقي، فأنا لم اجد وسيلة مثلى للتعبير عن انزعاجي وضيقي من الاوضاع الا بهذه الطريقة. وإن كنت أطمح في بدايات الشباب إلى ان أكون كاتبا او مفكرا مثلي مثل غالبية اليساريين في مطلع شبابهم والذين كانوا يتوهمون خطأ أن قراءة كتاب او كتابين وبعض الصحف اليومية وإجادة الدفاع عن الخط السياسي للحزب الذي تنتمي اليه، كفيل بتحول المرء الى كاتب، هذا اذا تواضعنا في الطموح ولم نذكر الفلسفة. اليوم انا بعيد جدا عن هذا الامر ولا اجد فيه ما يغريني على الاطلاق، خاصة وأني أتتلمذ ولغاية اليوم على يد صديقي بلال خبيز الذي يعتبر الثقافة دليلا لك في الحياة ولتجديد الخيارات فيها بمعنى انها وثيقة الصلة بحياة المرء وهو ما يحفزك على القراءة وهو امر يفترض وظيفة اخرى للقراءة غايتها مختلفة عن غايات مقتبل العمر الآنفة الذكر، وتتعلق بكونها وسيلة أجدها مناسبة لي والتقيت بها بمحض الصدفة من حيث الاسلوب والغايات والتي على رأسها محاولة للبقاء على قيد الحياة والاستمرار في التنفس في بلاد تركض لاهثة نحو الموت على مختلف المستويات. وما يغريني في هذا الموضوع أن كتاباتي هذه تشكل مادة للنقاش عن الحياة في لبنان والصعوبات التي أواجهها مع اصدقائي المقربين الذين في غالبيتهم العظمى من خارج الوسط الثقافي.*نلاحظ في نصوصك الشعرية اتجاها نحو الذاتية في معالجة الأمور العامة. كما أنك تستفيض في السرد أحيانا حتى نكاد نشعر وكأنك فقدت خيط الجملة الشعرية. لماذا هذا الاتجاه نحو الذاتية المفرطة أحيانا (الحياة الشخصية، المرأة/ الزوجة، الإبن،..)، وهل للأمر علاقة بتعويض عن إفلاس فكري ما أو سياسي تعيشه المدينة اللبنانية وشعراؤها؟ وما هي الحدود التي تقف عندها الذاتية في الشعر؟*ثمة اعتقاد شائع أن أعمالي الشعرية والأدبية تتعلق بحياتي الشخصية تحديدا وبالتجارب التي خضتها على امتداد ما يزيد على العقود الاربعة، أي سنوات عمري. حقيقة لا يضيرني الموضوع في شيء ان كان الامر هكذا الا انني استطيع القول من حيث المبدأ أن تجارب البشر متنوعة ونوعية الحياة تفرض نفسها في تجارب الناس وإن كنت أعتقد أن طبيعة ردود فعل الناس حيال الخسارات المتتالية في هذه البلاد والقلق الذي يظلل حياتنا وحياة أطفالنا والمصير غير المطمئن الذي ينتظرنا تجعل ردات الفعل مختلفة بعض الشيء الا أنها بالنتيجة تتشارك في الشعور الانساني ذاته، كما أود لفت الانتباه الى ان الكتابة في أي موضوع وفي أي شكل من الاشكال تفترض دراية ومعرفة في الموضوع الذي يود المرء الكتابة عنه، أو ان يكون لديه على الاقل ملاحظات جديرة بالذكر، وإن كان يجري التعبير عنها بلسان الكاتب أو على أنها حصلت معه فهذا لا يعني أنها كذلك واذا كان الامر كذلك يفترض وطبقا للسؤال وبناء على ما اصدرته لغاية الان يكون عمري قليلا ً جدا ليحتوي على كل ما أتيت على ذكره في كتاباتي. ولديَّ الامثلة الكثيرة على أصدقاء ومعارف تسنتْ لهم قراءة ما كتبت وكانت ردات فعلهم المسبوقة بالدهشة ‘أنت تكتب عن حياتي تحديدا’ أو ‘أن هذا الامر حصل معي بالفعل’ أو ‘أن هذه الشخصية في تلك القصة أنا بالذات’. لا أريد أن يفسر الأمر على أنني أنقل حياة واسرار اصدقائي في أعمالي، إذ انه من الصعوبة بمكان أن تكون على علم بكل هذه الاسرار. ثمة اشياء أخرى علي القيام بها سوى التلصص على حياة الاخرين. على صعيد آخر، لا اجد في الكتابة سوى محاولة لرؤية الحياة التي نحياها على حقيقتها، إضافة لوظيفتها التي ذكرتها في السؤال السابق. في كتاباتي أريد أن أقول بأن هذه هي حياتنا. قد يكون للآخرين رأي آخر فيها مناقض تماما لما اقوله. هذا لا يزعجني في شيء لأني غير طامع بمنافسة أحد ولا التذاكي ولا غاية لي للارتقاء اجتماعيا او ماديا. لم يعد من متسع امامي لهذا الامر خاصة واني افضل عليه النقاشات التي اجريها بين الوقت والاخر مع صديقي علي شمس الدين المقيم في لندن وبلال خبيز في امريكا عما أقرأه وعن الحياة في تلك البلاد التي بت اعرف تفاصيل كثيرة عنها من خلال الاتصالات التي نجريها مع بعضنا والتي تكلفهم غاليا من وقتهم ومن اموالهم اضافة الى شعوري الدائم ان هذه البلاد لا تهديك الا الخسائر الصافية، مهما حاولت جاهدا تعديل هذه النتيجة. تميزت كتابتي في بداياتي الشعرية بالنصوص القصيرة، أما اليوم، فلا حجم محدداً للنص. أصدقك القول أني لا أتقصد هذا الاتجاه في الاسلوب. جل ما في الامر أن الغاية تكمن في البوح وتفريغ ما يزعجني من خلال القصيدة.*كيف يرى عادل نصار إلى المشهد الشعري اللبناني تحديدا؟ هل هناك تجارب جدية مسهبة في التجريب مثلا كما هو الحال في كتاباتك؟*قراءاتي لتجارب الآخرين الشعرية قليلة جدا هذا إن لم نقل نادرة. ألاحظ ميلي مؤخرا للاطلاع على كتاباتهم لكنني وجدت أن ما يجذبهم للكتابة لا يستهويني ولا يغريني في شيء. ابتعت مؤخرا كتباً شعرية للقدماء وبدأت الاطلاع على بعضها. ورغم صعوبة اللغة إلا ان الأمر ينضوي على متعة تستحق المحاولة.*ديوانك الأخير صدر في طبعة خاصة بدلا من إصداره عبر إحدى دور النشر الكثيرة في بيروت. لماذا؟ هل واجهت صعوبات في النشر كما سمعنا؟ أولا يؤثر ذلك على انتشار الكتاب وتوزيعه؟*منذ البداية لم يتم استقبال كتاباتي في بيروت بالترحاب. ولولا إصرار بلال ودعمه الذي لا يعرف الملل رغم تذمري المستمر لتراجعت وانكفأت باكرا. أما عن العلاقة مع دور النشر والوسط الثقافي، فهي لا تختلف عن أي علاقة تحكمها أطراف ومصالح أية مهنة أخرى في لبنان. يحرص الجميع هنا على الظهور بملبس الكلام الجميل والاحاسيس المرهفة لتطويع محيطهم الاجتماعي. وكما تضطر الناس في هذه الظروف إلى سلوك مسالك غير مريحة على مختلف الصعد، من أجل تحصيل لقمة العيش وكل ما يلزم للبقاء، فالمثقفون اللبنانيون أيضا باتوا مجبرين على القيام بهذا الامر. هم لا يختلفون في شيء عن اللبنانيين الآخرين مهما اختلفت وتنوعت مراتبهم الاجتماعية. لست ممن يلومونهم، فأنا أتفهم الظروف الصعبة التي نحياها. وشخصيا، فإن لي معاناتي الخاصة التي تجعل إمكاناتي متواضعة وقليلة الشأن والخبرة للخوض في هكذا مسالك. أعاننا الله جميعا وندعو الله إلى الا يوقع من تبقى في التجربة. لا أعتقد ان انتشار الكتاب يتأثر سلبا او ايجابا طبقا للطريقة التي ينشر بها. فالقراء بات عددهم محدوداً لا يختلف ولا يتغير. والذين يأتون الى حفل التوقيع هم ذاتهم في كل مرة تقريبا. هذا بغض النظر إن تناولت الصحف الكتاب نقديا أو سلطت الضوء عليه بصورة أكبر للترويج له، فهذا لن يضيف شيئا إلى المسألة والنتيجة تبقى على حالها. أقول هذا بفعل التجارب التي خضتها في الحالتين.*انسحاب المثقفين والشعراء للاصطفاف في كانتونات سياسية أمر بات واضحا جدا في بيروت. كيف هي علاقة المثقف ببيروت برأيك، والشعراء تحديدا؟*انقسم المثقفون في البلاد على أطراف وجبة النزاع الطائفي، وجرت وتجري في هذا المجال حرب ضروس كما في أي مجال آخر. ولا اعتقد تبعا لمتابعتي للصحف اليومية أن ثمة ميزة في هذا الامر مع استثناءات لا يسمح الموقع الذي تنطلق أن يكون فاعلا خاصة وانه موقع ضعيف التأثير بسبب مواقفه العقلانية التي تدعو الى السلام الداخلي وبناء دولة تنتج عن تسوية تحفظ فيه لنا ما تبقى من اشلاء هذا الوطن وهذا العمر المتبقي. نحن الذين نشأنا وكبرنا في بلاد لا تعرف سوى الحرب والعنف الدموي وسيلة فضلى للتعبير عن حاجاتها للتغيير مهما كان نوعه، أو للأخذ بمستجدات توازن القوى بين مكونات هذا النظام. وأنه لملفت للنظر أن صفحات الرأي او الثقافة تحولت في بعض منها الى صفحات سياحية او الى ما يشبه مجالس العزاء لدى الطائفة الشيعية، فكلما وصل نبأ موت أحدهم انبرتْ هذه الصفحات في التسابق لنشر الكلمات التأبينية لكتّاب من مختلف الاقطار العربية، وكلها تجمع على البصمات المهمة التي تركها الراحل، أو أننا ‘خسرنا مدرسة’ رائدة في التفكير والتحليل. وهذه السنة تزاحم الموتى على صفحات جرائدنا لدرجة كان لا بد معها، وللقيام بواجب العزاء بمفكرينا الموتى، من زيادة عدد الصفحات للقيام بالمهمة على أكمل وجه. هذا عدا عن الذين ألم بهم مرض ما أو حادث خطير. لكن إن كان هؤلاء الراحلون على هذا المستوى من الاهمية والتأثير فلماذا أوضاعنا في هذا الدرك المأسوي، حيث أننا مقتنعون تماما بالتعبير عن خلافاتنا بأشد الوسائل تخلفا، وننقسم في ما بيننا على قضايا يعود أقربها الى زمن لا يحسب الا بالقرون، ونعتقد انه بخطاباتنا التي تعود الى زمن الانبياء والالهة نستطيع الرد على كل المعضلات التي تقف حجر عثرة في وجه تقدمنا؟ وإن كان ثمة خطب في خطابات كهذه بسبب القدم إلا انه بفضل بعض التعديلات التي تزيل الغبار عن نقاء هذا الخطاب، نصل جميعا الى المبتغى في النهضة وطرد التخلف ومقارعة الاستعمار الذي لا يني يحاول التأثير علينا وعلى حضارتنا وتزييف وعينا والقضاء على مقدراتنا، ثم اني وفي مختلف هذه الصفحات الثقافية والملاحق في لبنان، لا أجد ما يجمع بين المقالات التي تضمها كما لا أعرف ماهية الاشكاليات التي تؤرق القيمين على هذه الصفحات. فحتى من ينال (أو تنال) جائزة هنا أو هناك يتم التعامل معه (أو معها) ومع الحدث بوصفه سبقاً صحافياً للذكر فقط وليس التغطية المفصلة حتى إذا ما انقضت المناسبة دخل المحتفى به طي النسيان مهما كان الفائز وأهميته. في اعتقادي، ثقافة هذا وضعها، تختصر البحث والكلام في امور كثيرة على الساحة اللبنانية. أما بيروت فهي فقط شارع الحمراء حيث المقاهي والحانات لا أكثر ولا تلعب أي دور اضافي اللهم سوى محاولات التماهي مع اساليب عيش اخرى في مدن اخرى وكل حسب اوهامه.*وجهت رسالة مؤخرا إلى الامين العام لحزب الله عبر الفايس بوك، وقد امتنعت الصحف جميعها عن نشرها؟ ما هي فحوى هذه الرسالة ولماذا لم تتعاون معك الصحافة ‘الحرة’ في لبنان؟*وجهت الرسالة مطالبا بمنع إلحاق ابني في الجانب العسكري من نشاط حزب الله خوفا على حياته ودفاعا عن حقه في البقاء حيا في بلاد يسقط فيها الضحايا منذ اربعين عاما دون ان نتمكن من احلال السلام فيها، ودون أن نتوصل إلى اتفاق على صيغة آمنة لتناحراتنا، ودون أن نبني نظاما أحسن من النظام الذي ثرنا عليه عام 1975، ولا حتى يشبهه في بعض ملامحه. فنحن اليوم نترحم على ذلك النظام وعلى الرجالات التي كانت تمارس الشأن العام آنذاك رغم مساوئها التي لا تعد ولا تحصى. في رسالة للسيد حسن نصرالله عللت عدم موافقتي على إلحاق ولدي بنشاط الحزب، بوضعي العائلي ذاكرا خسارتي لأفراد أسرتي الاربعة في الحرب المنصرمة، إضافة الى كونه ولدي الوحيد بالاضافة الى وضعي الصحي الصعب وهو مرض يتعلق بالاعصاب. امتناع الصحف اللبنانية عن نشر رسالتي أظهرت حقيقة ادعاءاتها في مجال الحرية والديمقراطية كما بينت لي انعكاسات الظروف الصعبة التي تحياها حين تكون البلاد مأزومة، فتراها تحسب ألف حساب للاطار السياسي لوضع البلاد، وتأخذ بالحسبان نفوذ الطرف المعني بالرسالة والاسلوب الذي يمارس به السياسة والامكانات المتاحة بين يديه. هل هو الخوف؟ لا اعلم. وهل لأن كل صحيفة باتت منحازة الى هذا الجانب السياسي أو ذاك، وتدخل في حساباتها طبيعة اللحظة السياسية حتى في رسالة مضمونها لا يتجاوز الانساني ولم تمس طبيعة الخيار السياسي للفريق الموجهة اليه؟ ما أود ذكره أنه بعد أخذ ورد، فإن موقع ‘now lebanon’ الإخباري أخذ على عاتقه مهمة نشر الرسالة.