شهدت فترة الحكم الشاذلي بن جديد للجزائر بين 1979و1992 إعادة النظر في أهم الثوابت السياسية والاقتصادية، الأمر الذي اعتبرته العديد من الجهات ثورة شاذلية جديدة في جزائر ما بعد بومدين.مند أن غادر سدة الحكم في جانفي 1992 مرغما في ظروف ما زال يكتنفها الغموض رغم اعترافه بأنه تنازل عن كرسي الرئاسة لصالح مبادئه عندما رفض التضحية بما وعد به الشعب الجزائري في الانتخابات التشريعية لتلك السنة مفضلا الانسحاب على حساب التخلي عن الوفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه وهو ما ظل يردده في كل خرجاته وإطلالاته الإعلامية على قلتها رغم الألم الذي كان يشعر به طيلة هذه المدة، لان إحساس التأمر لا يمكن وضعه جانبا حتى إذا سلمنا بمقولة ان الرئيس الشاذلي استقال من منصبه ولم تتم إقالته ما دام انسحابه تم على خلفية عدم استعداد النظام وشركائه المباشرين القبول بالتعايش السلمي مع إسلاميي جبهة الاتقاد الذين فازوا في الانتخابات التشريعية في دورها الأول وهو ما صرح به في الحوار المذكور مؤكدا بان تصوره للخروج من مأزق نتائج التشريعيات والمتمثل في السماح للجميع بالعمل تحت قبة البرلمان بما في ذلك الإسلاميين بمقتضى عقد إلزامي تحكمه قوانين الجمهورية بحيث في حالة عدم تقيد الطرف الإسلامي بذلك يتم اللجوء إلى استعمال القانون في سبيل الحفاظ على النظام الجمهوري وصيانة قوانين الجمهورية، هذا التصور معروف أن الشاذلي سعى إليه لتفادي الصدام من جهة وتقليل وإضعاف قوة صدمة النتائج التي افرزها الدور الأول من جهة أخرى، وبالتالي تذويب انتصار الإسلاميين داخل بوتقة البرلمان وهذا الحل جدير بالمتابعة والتحليل اليوم من طرف خبراء علم السياسة . وبخصوص استحالة الاستمرار في النهج الاشتراكي كما تكشف ذلك من خطاباته في وقتها بعد المؤتمر الخامس لجبهة التحرير الوطني على وجه التحديد وأكدته تصريحاته الصحفية قبل وفاته رحمه الله يقول المعني ‘ان ذلك لا يعني إطلاقا الانقلاب على سابقه الهواري بومدين بل ذلك راجع إلى صعوبة تطبيق الاشتراكية في الميدان رغم اعترافه بقيمتها الخلاقة كفلسفة حكم ذات إبعاد اجتماعية وإنسانية لا مجال لمقارعتها من طرف بقية أنماط الحكم الأخرى ‘ لكن ذلك يبقى من الناحية النظرية فقط، أما فيما يخص الجانب التطبيقي، فان الأمر كان مختلفا، حيث لم يتسن لنا تحقيق نتائج باهرة معترفا كمسؤول خبير قضى سنوات طويلة في دهاليز الحكم أن أداء النهج الاشتراكي لم يكن ليحقق أكثر ما حقق بالنظر إلى النتائج السلبية المسجلة في الميدان وهي الذريعة التي برر من خلالها الشاذلي توجهه الليبرالي بعيدا عن أي استنتاجات تعطي الانطباع على كونه كان على خلاف غير معلن مع الرئيس المرحوم هواري بومدين حول السياسات العامة للبلاد والدليل الكفيل بتفسير أن القضية تتعلق بوجهات نظر وليس خلافات بين الرجلين هي العلاقة الأخوية الخاصة والحميمية التي كانت تربط بينهما قبل وفاة بومدين، وفي هذا الإطار يتحدث الدكتور احمد الطالب الإبراهيمي في الجزء الثاني من مذكراته لما سنحت له الفرصة مساء 12 أكتوبر 1978 بموسكو للاستماع لسرد بومدين الذي كان يومها طريح الفراش بأحد المستشفيات بالعاصمة السوفيتية، لصورة شاملة عن أعضاء مجلس الثورة وهي أسرار ثرية بالتفاصيل ‘ انه العضو الوحيد (يعني الشاذلي) الذي لم يثر لي مشاكل، كان يتدخل قليلا في اجتماعات مجلس الثورة والحكومة، لكن يتمتع بحاسة شعبية نادرة، عندما كانت لي مشاكل تشغلني كنت أتوجه إلى وهران للقائه، حيث كان يشغل الشاذلي منصب قائد الناحية العسكرية الثانية آنذاك.كان يتجول بي في سيارته وكانت هذه الجولات تنسيني مشاكلي وهمومي في العاصمة ‘ معرفة حقيقة هذه العلاقة بين بومدين والشاذلي تحيلنا على أمر في غاية الأهمية في تحديد مفهوم الاستمرارية في ظل التغيير، بحيث هنا تذوب التناقضات التي حاولت بعض الجهات الترويج لها في محاولة يائسة لإظهار الرجلين في خصومة مكشوفة ومواجهة فكرية وإيديولوجية معلنة عندما قرر الشاذلي بن جديد الانفتاح أكثر لمواكبة التحولات المتصارعة التي كان يشهدها العالم في تلك المرحلة و تأثرت بها الجزائر لأنها في نهاية المطاف ليست جزيرة مفصولة عن العالم، لقد كان لشاذلي مذهبه الفلسفي في الحكم الذي اختاره حسب مقتضيات تطور الأحداث وبالتالي تصريحه انه سبق ‘غورباتشوف’ زمنيا بالنسبة للإصلاحات التي يعترف بأنه بدأها في بداية الثمانينات من القرن الماضي لإيمانه العميق بحتمية القيام بذلك لوضع حد للانهيار الاقتصادي والهزال السياسي الذي بدأ ينتشر في دواليب النظام ومؤسسات الدولة بعد أن تأكد من محدودية الاعتماد على الجانب النظري السحري للاشتراكية. رشيد بورقبة – الجزائر