منذ ثورة 23 يوليو 1952م، حتى ثورة 25 يناير 2011، وبعد إقصاء محمد نجيب عن الحكم، ابتليت مصر بحكام ادعوا أنهم من أبناء الوطن، وهم براء من ذلك، إلا في مكان الميلاد فقط. والمدهش أن وصول هؤلاء لسدة الحكم، جاء مقترنا بنكتة لغوية عجيبة، انفصل فيها الاسم عن المسمى، بمسافة تُقَدَّر بما بين السماء والأرض. وتأتي البداية مع الزعيم الخالد جمال عبد الناصر. وإذا تفحصتَ المعنى اللغوي، وجدته يحتوي على الجمال والروعة، والنصر المؤزر. وبأقل التفاتة على أفعال المسمى، تجد جعجعة ، وقومية فَتَّتَتْ العالم الإسلامي، وانتكاسة أصابت مصر في 1967 في عقر دارها، واضطهاد سياسي وفكري، وإعدام وقتل وتشريد، لم تشهده مصر من قبل. ومع كل ذلك، سُحِرَ كثير من المغيبين بهذا.ولم تقتصر هذه النكتة اللغوية على الزعيم، بل تعدته إلى أفراد حكومته. ولك أن تتأمل في المعنى اللغوي لهذه الأسماء، على سبيل المثال، لا الحصر: عبد الحكيم عامر، صلاح نصر. وبالفعل تجلت الحكمة وبدا العمار من وزير الدفاع / المسمى الأول، في نكسة 67، وحل الصلاح والإصلاح والنصر من رئيس القلم السياسي/ المسمى الثاني، في امتلاء السجون، والتفنن في ألوان التعذيب.ولعدم الإطالة، انقضت هذه المرحلة بمرارتها، ودخلت مصر مرحلة جديدة، مع الرئيس أنور السادات. وأعتقد أنه ليس بخاف، ما يُشِعُّه الاسم من نورانية وسيادة. وفي الحقيقة أن هذا الرجل كان له حظ من اسمه؛ فما إن تم عامه الثالث في الحكم، حتى خاض حربا – استعان فيها بالله عز وجل – أعاد بها الهيبة المصرية والكرامة العربية إلى مجريهما الطبيعيين، وحطم السجون، التي طالما تجرَّع هو من مرارتها، وخَفَّت الاعتقالات – وإن لم تنته نهائيا – وتصالح مع الجماعات الإسلامية إلى حد بعيد، إلا المتطرف منها، وأبرم معاهدة السلام، التي أثارت كثيرا من الجدل. وليس معنى هذا، أن ثمة تطابقا كليا بين الاسم والمسمى، لكن عـلى أقل تقدير، نستطيع أن نقول: إن هذا المسمى كان له نصيب – ولو جزئيا – من اسمه.وإذا تطرقنا إلى بعض رجال أنور السادات، نجد وزير الدفاع أحمد إسماعيل، ورئيس الأركان سعد الدين الشاذلي. ولا يخفى علينا، إشعاعات معاني الحمد والسعادة التي تتلألأ من الرجلين، فتجمع بين السعادة بالنصر، والحمد عليه. وتدخل مصر مرحلتها الأشد سوءًا، والأطول عمرا في حياتها. فتُبْتَلى بأسماء، لو قدر الله سبحانه وتعالى لها أن تتطابق مع مسمياتها، لأصبحت هذه المسميات ملائكة تمشي على الأرض. وتتمثل أولى النكات اللغوية في الحاكم: حسني مبارك. وعلى مدى ثلاثين عاما، ملأ الحُسْنُ، وَعَمَّتِ البركة أرض الكنانة، ولم يشعر الشعب المصري بأي انتقاص من حقه، ورضي تمام الرضا عن حاكمه، حتى أودى به في أشد الثورات نصاعة، وأظهرها حضارة، وأروعها جمالا؛ ليجني الرجل ثمار حسنه وآثار بركته!وتتغلغل هذه المفارقة والنكتة اللغوية، في رجال الحاكم الأخير، فنجد فتحي سرور، وأحمد نظيف، وصفوت الشريف، وأحمد عز، وكمال الشاذلي، وفاروق حسني، وزكريا عزمي.. والقائمة طويلة. والمضحك حقا، أن هذه المسميات لم تُصِبْ من أسمائها، حتى مقدار الحِبْر التي كُتِبَتْ به. ولا ندري: هل هذا من قبيل الصدفة؛ أن تتقارب الأسماء والمسميات في المرحلة الواحدة، وتجمع بين الحاكم ورجاله؟!وتأتي المرحلة الجديدة، لتبرز على الساحة السياسية مرة أخرى، أسماء براقة. ولعدم وصول هذه المرحلة إلى حد الثبات والاستقرار حتى الآن، يَنْصَبُّ نموذجنا على الرئيس الحاكم: الدكتور محمد مرسي. وكما ذهبنا من قبل، فإن الاسم يحمل بلفظيه، ما يحمله من الدلالات اللغوية، التي تبعث على التفاؤل؛ فثمة في اللفظ الأول معنى (الحمد)، فضلا عن المشاعر والأحاسيس الدينية التي ترتبط باسم النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تنبعث من الرجل إلى حد بعيد، ثم يأتي الإرساء، فيشير إلى وجوب رسوخ الديمقراطية في أشكالها شتى. فكم من المساحة التي سيحظى بها بين الاسم والمسمى؟وبعيدا عن الانتماءات المختلفة، فإن الطريقة التي وصل بها هذا الرجل إلى سدة الحكم، من المعطيات التي تكاد تجزم على حيازته النصيب الأكبر بين اسمه وشخصه؛ فهو لم يسرق الثورة، ولم يتم فرضه – عنوة – على الشعب، بوضعه في منصب نائب رئيس الجمهورية، كما حدث مع السادات والحاكم الأخير، بل جاء بشكل ديمقراطي، تشهده مصر لأول مرة في تاريخها القديم والحديث، بل أستطيع أن أقول: إن كثيرا من الذين لم يعطوه أصواتهم، تسلل حبه إلى قلوبهم دون أن يشعروا. واختصارا، فإن أفعال الرجل وأخلاقياته، تكسبه يوما بعد يوم تطابقا أكبر بين اسمه وشخصه. فهلا يكون كذلك؟ أتمنى ذلك.وإذا تطرقنا إلى العالم العربي، وجدنا في تونس، زين العابدين، وفي ليبيا معمر القذافي، وفي اليمن علي عبد الله صالح، وفي سورية بشار الأسد. وفي الحقيقة، أن هذه الأسماء لو تطابقت لغويا من مسمياتها، لغدا الأول زاهدا من الزهاد وناسكا من النساك. والثاني معمرا، بيد أن المسمى الثاني حمل شهادة وفاته عند تسميته، قبل أن يموت واقعيا؛ لأن القذف من سماته أنه يدمر العمار، وهكذا عاش، بقذف دون عمار. أما الثالث، فلو حظي بقليل من اسمه، لذهب ببلاده إلى العلا، وغدا عبدا لله صالحا. ويأتي الاسم الثالث، ليكون مسك الختام؛ لأنه كان حريا به أن يوجه بشارته إلى مستقبل شعبه، وأسديته إلى الجولان، فيحررها. ويبدو أن الرجل لم يعجبه اسمه، ففضل أن يكون مسلطا على شعبه. أو نعامة تدفن رأسها في التراب، أولى من أن تكون أسدا يدافع عن ابناء شعبه.د. دسوقي إبراهيم محمد – مصر