اجرى الحوار: محمد مسعاداحتضنت مؤسسة فريدريتش ايبرت الألمانية في برلين مؤخرا لقاء تحت عنوان ‘حقوق الانسان في الدستور المغربي الجديد’تحدث فيه إدريس اليزمي رئيس المجلس الوطني لحقوق الانسان في المغرب وتمحور حول وضعية حقوق الإنسان بعد الاصلاحات الدستورية بعد الربيع المغربي لعام 2011.هنا حوار معه:*هل لنا أن نعرف رهانات المجلس الوطني لحقوق الانسان؟*الأساس بالنسبة لنا في هذه المرحلة هو العمل على تعميق تفعيل الصلاحيات المخولة لهذا المجلس. وذلك من خلال أولا: سياسة القرب عن طريق الشكايات التي يتوصل بها المجلس من مشتكين يدعون تعرض حقوقهم الأساسية لانتهاكات وتجاوزات. مما يستوجب تدخل المجلس للتحقيق الدقيق في هذه الاتهامات وإصدار تقارير ومتابعة التوصيات في حالة إذا ما ثبت ارتكاب فعلي لهذه الانتهاكات. وصراحة ينبغي اختراع آلية جديدة للتعامل بين اللجن الجهوية والسلطات على المستوى المحلي.يتمثل الرهان الثاني في بلورة التقارير خاصة الموضوعاتية منها، كما هي الحال مع التقرير الأخير حول مستشفيات الأمراض العقلية أو ذلك الذي سنصدره حول وضعية السجون، أو التقرير حول مراكز الطفولة أو دور العجزة الذي ننكب على صياغته حاليا.أما الرهان الثالث فيهم النقاش العمومي الفعال المراعي للتعددية حول تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بحقوق الانسان والديمقراطية التشاركية. وهنا أشير إلى أن دورة المجلس المقبلة في أوكتوبر، ستكون مناسبة لأعضاء المجلس الوطني لحقوق الانسان لمناقشة المذكرة حول المناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز. وكذا مناقشة مذكرة المجلس الأعلى للسلطة القضائية والتي تأتي في إطار النقاش الوطني حول إصلاح العدالة. وأخير العمل على إنسجام السياسات العمومية وسياسة العاملين والفاعلين في ميدان حقوق الانسان.لقد نجحنا في بلورة وبطريقة تشاركية آليتين للانسجام الاستراتيجي: الأولى هي أرضية المواطنة على التربية على ثقافة حقوق الانسان. وتتجلى الآلية الثانية في الخطة الوطنية من أجل الديموقراطية وحقوق الانسان.تجمع الآلية الأولى فاعلين من المجتمع المدني/ الأهلي وآخرين رسميين تحت إشراف المجلس الوطني لحقوق الانسان. وهي الأرضية التي لابد من تفعيلها لأن التربية على ثقافة حقوق الانسان لدى المواطن المغربي على كل الأصعدة ضرورة ملحة. وستشمل عدة مجالات منها المنظومة التعليمية التي تضم في المغرب نحو سبعة ملايين شخص. بالاضافة إلى مجال الاعلام الذي يحتل دورا مركزيا في تبليغ ونشر رسائل التربية على ثقافة حقوق الانسان. وكذا الأجهزة الأمنية: من شرطة ودرك ملكي وقوات مساعدة وحراس السجون نظرا لعلاقتهم المباشرة مع المواطنين.أما فيما يخص الخطة الوطنية من أجل الديموقراطية وحقوق الانسان التي جاءت تنفيذا لتوصية المؤتمر العالمي الأول لحقوق الانسان الذي احتضنته فيينا في العام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين. قامت حوالي 33 أو 34 دولة لحد الان بإصدار هذه الخطة التي تعمل على تحقيق الانسجام داخل كل بلد في ميدان حقوق الانسان. وفي سياق متصل يسعى المغرب لتنظيم لقاء يجمع هذه الدول في ربيع 1913.وأخيرا لابد من العمل على ملاءمة القوانين المغربية مع المعاهدات والالتزامات الدولية. وفي هذا الصدد أعلنت الحكومة المغربية موافقتها على توقيع البروتوكول الاختياري للاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب. مما سيجعل المغرب ملزما ببلورة آلية وطنية لمناهضة التعذيب. لهذا تكتسي قضية الملاءمة أهمية بالغة لذلك لابد من تسريعها.*كيف تردون على الانتقادات التي تسمعونها إن كانت حول التعذيب أو وضعية حقوق الانسان في الصحراء أو الاستعمال المفرط للعنف في تفريق المتظاهرين؟*في اعتقادي الشخصي أن النقاش العلني والتفاعل مع الانتقادات الدولية ينبغي أن يكون على قضايا محددة. إن حق الاحتجاج السلمي مضمون دستوريا وقانونيا. كما أن التظاهر في المغرب لا يتطلب ترخيصا بل فقط إعلانا لإخبار السلطات. ويجب القول في هذا الصدد أن حوالي 95 في المئة من التظاهرات في المغرب لا تحترم المسطرة القانونية. ومع ذلك فإن السلطات تسمح بإقامة التظاهرات على الرغم من خرقها للقانون المعمول به في هذا المجال. نعم هناك استعمال للعنف في بعض الحالات. كما أن هناك تزايد لهذه التظاهرات التي تعكس حجم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية من جهة وإلى تنامي الوعي في المغرب بالحقوق الأساسية. إنها ظاهرة صحية. إن التحدي المطروح أمامنا هو تنمية الوعي بتطبيق المسطرة القانونية البحثة. مما يعني قدرة المتظاهرين على تطبيق القانون وتقوية النقاش مع السلطات العمومية على المستوى المحلي وليس على المستوى المركزي فقط لتفريق التظاهرات في إطار احترام كامل للقانون.وفي هذا الاطار سبق للمجلس الاستشاري لحقوق الانسان إنجاز دراسة حول ضمان حق الاحتجاج السلمي. وينظم المجلس ندوة بمشاركة كل الفاعلين للتفكير في طرق جديدة لضمان حق التظاهر السلمي. من جهة لتعزيز الوعي بأن الاحتجاج لا يمكن أن يكون في أي وقت وفي أي مكان وبأي شكل. ومن جهة أخرى توعية السلطات العمومية التي من واجبها الحفاظ على الأمن ولكن في إطار احترام القانون.أما فيما يخص الصحراء، لدينا 13 لجنة جهوية منها ثلاثة في الصحراء واحدة في العيون ـ سمارة والثانية في الداخلة أوسرد والثالثة في طانطان ـ كلميم. ولقد قابل السيد خوان مينديز المقرر الأممي الخاص المعني بمسألة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإإنسانية أو المهينة لجنة العيون اسمارة بحضور رئيسي الجهتين الأخريين. ولقد اطلع على الشكايات وعلى قاعدة بيانات تتبع شكايات المواطنين. وكنتيجة أولى للعمل الذي نقوم به هو أننا نتوصل بشكايات كثيرة من السجون. غير أنها لست فقط من الصحراء بل من باقي مدن المملكة. ويتعلق مجملها بالعفو والتنقيل واتهامات بسوء المعاملة. وفي تقريرنا حول السجون سنرجع إلى هذه الشكايات. لابد من الاشارة إلى أن عددا من الآليات لايتم تفعيلها كما ينبغي، منها مثلا آليات المراقبة القضائية. مما يقوي ارتفاع حالات سوء المعاملة. أما فيما يخص مسألة التعذيب. إن اعتماد الطريقة الحقوقية التي قام بها مينديز هي الطريق الصحيحة. وذلك بالابتعاد عن التعميم والحديث على حالات بعينها التي سيضعها على طاولة الحكومة المغربية وينتظر توضيحات بخصوصها. ومن جانبنا توصلنا بأربع حالات من سجني مكناس/تولال 2 وسلا ادعى أصحابها أنهم تعرضوا للاغتصاب. انتقلنا إلى عين المكان وطلبنا إجراء خبرة تبين أنها أدعاءات لا أساس لها من الصحة. في نظري ينبغي أن يكون النقاش أولا بطريقة دقيقة. وثانيا ضرورة اللجوء لاستعمال كل وسائل الائنتصاف. فإلى جانب اللجوء إلى المجلس الوطني لحقوق الانسان. يجب أيضا التوجه إلى القضاء كي يتحمل مسؤوليته. من الضروري التعامل بطريقة دقيقة ومهنية. عودة إلى مسألة الانتقادات يجب الاقرار بأن المعركة من أجل حقوق الانسان معركة طويلة الأمد ومستمرة. واعتقد أنه الأساس هو التربية على ثقافة حقوق الانسان عند الجميع. وهذا هو رهاننا الحقيقي. *ما هي آلية اشتغال المجلس مع مؤسسات الدولة من حكومة وبرلمان؟*بناء على مبدئي الاستقالية والتعاون وضرور اعتماد حسن النية. ولقد سبق لنا أن راسلنا رئيس الحكومة المعين وقدمنا له اقتراحاتنا إبان تحضيره للتصريح الحكومي. كما أن البرلمان طلب رأيا استشاريا على هامش النقاش الذي عرفته مناقشة قانون الضمانات الممنوحة للعسكريين. بالاضافة إلى طلب السيد مصطفى الخلفي وزير الاتصال والناطق الرسمي للحكومة بخصوص مجلس الصحافة، وطلب السيد الحبيب الشوباني الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان بخصوص تمويل الجمعيات. وثالثا عن طريق التقارير الموضوعاتية التي نقوم فيها باشراك القطاعات المعنية بالأمر كما هي الحال مع وزارة الصحة في التقرير الخاص بمستشفيات الأمراض العقلية أو مندوبية السجون فيما يتعلق بالتقرير المتعلق بأوضاع السجون.ثم هناك التقرير السنوي أمام البرلمان الذي يكون أيضا فرصة لمناقشة جميع الآليات ولربما أيضا التنبيه إلى التقصير من عدمه من طرف هذه الجهة أو تلك. مطلوب منا من الناحية الدستورية تقديم تقرير سنوي أمام الغرفتين. غير اننا اشتغلنا كمجالس: مؤسسة الوسيط والهئية الوطنية للوقاية من الرشوى ومجلس المنافسة ومجلس الجالية والمجلس الوطني لحقوق الانسان، وقدمنا مقترحات للغرفتين من أجل تبنيها في القوانين الداخلية للبرلمان على أساس أن يكون التفاعل المستمر واليومي مع اللجان. وفي هذا الاطار سيكون لي لقاء مع لجنة التشريع وحقوق الانسان في مجلس النواب للتعارف وتبادل وجهات النظر. هذه هي القواعد التي نشتغل بها: الاستقلالية والتفاعل الايجابي وكذلك الصرامة في المواقف والدقة في التوصيات.*هل هناك من انعكاسات للربيع العربي على وضعية حقوق الانسان؟*من المؤكد أن تكون لها انعكاسات إما إيجابية أو سلبية. التاريخ لا يكتب مسبقا. إن الديمقراطية ليست مبادئ فقط بل هي ممارسة وتعلم متواصل. إن إحدى الانعكاسات الأساسية للدول المستبدة هي أن آثار الاستبداد لا تزول بسقوط النظام المستبد. لأن الاستبداد ترسخ في العقول وأصبح ثقافة سائدة. هذا بالاضافة إلى غياب المؤسسات. على كل الفاعلين الجدد التعلم على التدبير السلمي لحق الاختلاف. غير أن قيام أفراد مجموعة صغيرة بتكفير أطراف أخرى في المجتمع يشكل بكل تأكيد خطرا على المجتمع. ولكن في نفس الوقت يمكن أن يكون فرصة تاريخية للتقدم. وهناك عدة عوامل ستأثر من دون شك في هذا المسار: منها تفاعل القوى العظمى مع هذا الواقع الجديد وقدرة الفاعلين في كل بلد على حذا على اختراع نموذج خاص بكل بلد. وأخيرا دور العامل الاقتصادي والاجتماعي. حيث أن هناك مطالب بالحصول على الحقوق الآن وليس غدا. أي كيفية تدبير الضغط الاقتصادي والاجتماعي وضرورة إصلاح منظومة التعليم. من دون شك أن المستقبل سيتحدد نتيجة هذه العوامل كلها.*كيف تابعتم كمجلس وطني لحقوق الانسان منع نشاط ثقافي في جامعة الجديدة بدعوى أن المحتفى به مثلي، والنقاش حول طريقة اللباس كما هي الحالة مع الممثلة لطيفة أحرار؟ *لقد سبق أن عبرت عما وقع في الجديدة بأنه مس بحق دستوري يتعلق بحرية البحث الأكاديمي. هناك محاضر أمريكي أستدعي من طرف أساتذة وطلبة يشتغلون على الأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية. وكانت ضمنه حصة مخصصة لتجربة الكاتب المغربي عبد الله الطايع بدون حضور المعني بالأمر. وكما تابعنا عبر الانترنت فإن المظاهرة التي شاهدناها كانت لأقلية. غير أن قيدوم الكلية التي قابلته فضل إلغاء التظاهرة حفاظا على الأمن. إن حرية البحث الأكاديمي لا يمكن التساهل بشأنها.أما فيما يخص تعاليق بعض الأشخاص حول طريقة لباس هذا الممثل أو ذاك، فيمكن اعتبارها تدخلا ضمن حرية الرأي شريطة أن تبقى محصورة في هذا المستوى. ولكن ما وقع للسيد المختار لغزيوي أمر آخر لا علاقة له بحرية التعبير. إذن بالنسبة لنا الحقوق الدستورية لايمكن المساس بها. وما عدا ذلك فلاعلاقة له بحرية الرأي أو التعبير.ينبغي أن نتعلم التكييف القانوني في نقاشنا العمومي. النقاش حول حادثة الجديدة لا علاقة له بالمثلية بل بحرية البحث العلمي.*ما هي سبل التعاون سواء مع ألمانيا أو الاتحاد الأوربي؟ *هناك ثلاثة مستويات الأول خاص بالعلاقات الثنائية بين المغرب وباقي الدول ومن بينها ألمانيا. وقد لمسنا عن قرب استعداد للتعاون من الخارجية الألمانية ومؤسسات أخرى كمؤسسة إيبرت لمساندة المغرب في مسلسل الاصلاح خاصة في مجال حقوق الانسان. وسننظر لاحقا في آليات تفعيل هذا التعاون وتبادل الخبرات خصوصا في ميدان التكوين.أما المستوى الثاني فيتعلق بالمجلس الأوروبي الذي بدانا التعاون معه من خلال دور الملاحظة في الانتخابات التشريعية السابقة. بالاضافة إلى لجنة البندقية وهي أكبر تجمع للباحثين في القانون الدستوري. ولقد فتح المجلس الأوربي مكتبا في الرباط من أجل المساهمة في استلهام التجارب الدولية في تنزيل مقتضيات الدستور.هذا بالاضافة إلى التعاون مع الاتحاد الأوروبي والذي يجمعنا معه الوضع المتقدم. حيث أن جزء من هذه الشراكة يضم حقوق الانسان. وستجتمع بعد أسبوعين لجنة حقوق الانسان في إطار الوضع المتقدم والذي يضم برامج عدة في مجال حقوق الانسان. علينا العمل والتفكير على هذه المستويات الثلاث. هناك عامل آخر يفتح آفاق العمل مع ألمانيا يتحلى في الطابع الفدرالي ليس فقط لاستلهامها ولكن أيضا لفتح علاقات أخرى للتعاون سواء مع هذه الولاية أو تلك.