التراجع بوصفه مفهوما ومنهجا في حياة النظام السوري

حجم الخط
0

باسل أبو حمدة التراجع سمة الموقف وصلب طبيعة النظام السوري أيام الأب الغابرة وأيام الابن العابرة، والتراجع كلمة السر والمفتاح والمخرج المعتمد دائما في مجموعة الأزمات والقضايا والمهام والوظائف التي أخذها النظام السوري على عاتقه بالوكالة عن غيره أو بالأصالة عن نفسه أو انطلاقا من كلا الأمرين معا. محور ثابت لم يتغير طوال الوقت وكان على الدوام بمثابة البندول الذي يحرك كل سياسات النظام كلما وصلت سكين الأحداث إلى عنقه، وكلما وقف على مفترق طرق، وكلما كان مضطرا للاختيار بين المضي قدما في موقف أو قضية ما وبين التخلي عنها مقابل خلاصه وضمان بقائه في سدة الحكم، وكأن مجموع ما تبناه من قضايا وما رفعه من شعارات وطنية وقومية وتقدمية واهية لم تكن سوى مطايا سرعان ما ينجلي أمرها عند أول منعطف. والتراجع بوصفه مفهوما ومنهجا في حياة النظام لا يزال سمة الموقف حتى في ظل هستيريا المعاندة التي يمارسها حيال رغبة الشعب السوري بالخلاص والتغيير وقلب صفحته أو شطبها من تاريخه المليء بالألم والمعاناة، فعلى الرغم من أن مجريات الأحداث الميدانية الدائرة في ظل الثورة السورية الحديثة وما يرافقها من تطورات سياسية تبدو وكأنها تسير في خطين متوازيين لا يلتقيان أبدا، إلا أن طبيعة النظام التراجعية تشي بأن زمن عدوله عن تلك الهستيريا قد دنا أو شارف على ذلك مع بروز حالة من توازن القوى باتت السمة الطاغية على المشهد الداخلي بالتزامن مع توازن إقليمي وآخر دولي واضحين المعالم، وربما هذا بالذات ما يفسر حالة الاستعصاء السياسية في القضية السورية التي طال أمدها واستطالت الأثمان الباهظة التي يدفعها المواطن السوري جراء هذه هستيريا. نظرة سريعة على التاريخ السياسي للنظام تشي بمجموعة متدفقة من حالات التراجع اللامتناهية في الجغرافيا السياسية للمنطقة، حالة راحت تتبدى معالمها مع كل مواجهة وكل موقف وقضية تصدى لها هذا النظام بحيث باتت تشكل بمجموعها غمامة سوداء تظلل هذا التاريخ وتظهره على حقيقته المغايرة تماما لكل النعوت التي وسم نفسه بها محاولا إظهار نفسه وكأنه حامي الحما وملاذ المظلومين وأصحاب القضايا العادلة، ولعل قضية طرد حزب العمال الكردستاني وزعيمه التاريخي عبد الله أوجلان من الأراضي السورية عام 1998 وتسليمه لأعدائه التاريخيين تحت التهديد التركي باجتياح سوريا، فضلا عن تخليه بالقوة عن لواء إسكندورن السوري، تشكل أحد أبرز معالم منهج التراجع المعتمد من قبل النظام السوري. حتى لبنان الذي طالما اعتبره النظام السوري حديقته الخلفية ومحافظة من محافظاته الـ 14 لم يسلم من منهج التراجع، فقد أذعن عام 2005 لما يسمى المجتمع الدولي وسحب في ليلة وضحاها بالكامل كل قواته المسلحة وأجهزة مخابراته من لبنان انصياعا لقرار مجلس الأمن الدولي 1559 متخليا عن أهم مصدر قوة له وكنزه الثمين الذي اعتاش عليه سياسيا وأمنيا طوال ثلاثين عاما، لا بل إنه نشر قواته وحفر الخنادق على طول الحدود السورية اللبنانية ترسيخا لذلك القرار، الذي وضع النظام السوري مرة أخرى في دائرة اللاعبين بقضايا الآخرين، التي لا تشكل بالنسبة لهم سوى أوراق يلعبون بها على موائد المقامرات السياسية حتى لو كانت تعني دمارا بالنسبة لمصائر شعوب وأمم. ويبدو أن سياسة نشر القوات وحفر الخنادق وبناء المتاريس المحصنة على الحدود لم تقتصر على الحالة اللبنانية، فقد رضخ النظام السوري مرة أخرى لمطلب الغازي الامريكي للعراق عندما راح يبدي حرصه الشديد على سد خاصرة العراق الغربية أمام تدفق المقاتلين المعادين للعم سام، لكن المعلم الأبرز لهذا المنهج يبقى ذلك السد المنيع الذي شيده نظام الأسد على الحدود الفلسطينية السورية، والذي شكل درة كل ما استطاعت الدولة العبرية فرضه في المنطقة طوال تاريخها العدواني، بينما لم يتوانى هذا النظام مطلع تسعينيات القرن الماضي عن ارسال قواته إلى السعودية تعزيزا للقوات الامريكية، التي غزت العراق لأول مرة ودكته بكل صنوف الأسلحة ودمرت بنيته التحتيه عن بكرة أبيها. يضاف إلى كل ذلك البحر من حالات التخاذل المريعة استراتيجية النظام فيما يطلق عليه ‘الحرب ضد الارهاب’، التي رفعت رايتها الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر وغزت بموجبها العراق نفسه وأفغانستان ووضعتهما على سكة الدول الفاشلة إلى أجل غير مسمى، حيث قدم النظام السوري خدماته وخبرته الطويلة التي يعتد بها في هذا الميدان لما يصفه بألد أعدائه متمثلا بالولايات المتحدة نفسها، وقد تجلت تلك الخدمات بقائمة طويلة لا يعرف عنها إلى النذر اليسير ومن بينها عشرات آلاف الوثائق والملفات الأمنية لأشخاص عرب ومسلمين يشتبه بأنهم ضالعون في العداء لأميركا، مثلما وضع مقراتها الأمنية تحت تصرف مختلف أجهزة المخابرات الغربية للتحقيق مع هؤلاء الأشخاص أو من تستطيع الوصول إليهم ونقلهم على متن طائرات حربية نوافذها مطلية بالأسود تماما مثل سيارات أركان النظام وأزلامه، الأمر الذي تفضحه قضية المهندس الكندي سوري الأصل ماهر عرار، الذي مكث في أقبية المخابرات السورية نحو عام لحساب المخابرات المركزية الامريكية قبل أن تضطر المخابرات الكندية لسحبه من هناك بعد أن أكتشف أمرها في قضية تسليمه للسي آي إيه. حتى عندما وصل البلل إلى قلب النظام ورأسه حين قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلة غير مرة مواقع في العمق السوري وحين حلقت فوق القصر الرئاسي في اللاذقية، لم يحرك النـــظام ساكنا واكتفى بالقول إنه لن ينجر إلى مغامرة تدفعه إليها إسرائيل وإنه سيختار الزمان والمكان المناسبين لرد لن يأتي قط على الاعتدادءات الاسرائيلية الفاضحة، بينما يبقى كل هذا مجرد غيض من فيض منهج التراجع بطبيعته الاستراتيجية المتبع من قبل نظام يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول في تناقض صارخ وغير مسبوق. وبالمناسبة، فإن هذا المنهج المدمر يتبعه الحليف الإيراني العتيد، الذي يتشدق صباح مساء بالعداء للصهيونية والأميركان في الوقت الذي يبيع فيه الأوهام لضحاياهم في العراق وأفغانستان وفلسطين، التي ما كان لها أن تصل إلى أوضاع كارثية لولا مجموعة المواقــــف الايــرانية، التي سهلت الغزو الامريكي في الحالة الأولى والثانية وكرست انقساما عاموديا في الثالثة، الأمر الذي تسير على خطاه الحالة السورية في ظل التمرد الشعبي التاريخي على نظام لن يسلك هذه المرة لا هو ولا حليفه الاستراتيجي طريقا مغايرة عما انتهجه لنفسه من خط تراجعي سمته التخاذل لا يحيد عنه حتى لو كانت كلفته وضع شعب بأكمله في مهب الريح. ‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية