حسن كاوزتعرض المجموعة الإعلامية إم.بي.سي على قناتها الأولى مساء كل جمعة برنامجها الغنائي الجديد ‘أحلى صوت’ المستنسخ عن البرنامج الأمريكي والإنجليزي الذائع الصيت، والذي اشترت حقوق عرض نسخته العربية حصريا بمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط. ويتألف هذا البرنامج من ثلاث مراحل تنافسية : مرحلة ‘الصوت وبسBlind Audition ‘ حيث الاعتماد يرتكز على الصوت ولا شيء سوى الصوت، ومرحلة ‘المواجهةBale ‘ حيث ينتقل التنافس ضمن نظام المجموعات إلى الصراع الثنائي المؤدي إلى التأهل أو الإقصاء، ومرحلة ‘المباشرLive ‘ التي يخرج فيها المتنافسون المؤهلون إلى ميدان حكم المشاهد، ولا أحد سوى المشاهد. ويشرف على استكشاف هذه الأصوات في المرحلة الأولى، ومواكبتها وتوجيهها في مرحلة المجموعات، كوكبة من الفنانين العرب المشهود لهم بالتجربة الطويلة في الطرب والغناء تضم كاظم الساهر وشيرين عبد الوهاب وصابر الرباعي وعاصي الحلاني. ولقد كانت فكرة البرنامج، رغم أنها مستنسخة، جيدة تتجاوز شكلا ومضمونا البرامج الغنائية السابقة، باعتمادها على مقياس الصوت أولا وأخيرا، وعلى لجنة التحكيم أقل قسوة في إصدار الأحكام وأكثر بشاشة ومرحا مع المتنافسين. ورغم أننا لا نعرف كواليس الانتقاء الأولي، ومقاييس الاختيار، والجهة المشرفة على ذلك قبل الأداء أمام لجنة التحكيم، وهل تمت مراعاة مسألة الصوت ولا شيء سوى الصوت، غير أن حضور متنافسين لهم إمكانيات صوتية هائلة، وتاريخ سابق في الغناء والطرب والتتويج، جعل البرنامج يأخذ منحى احترافيا في التنافس أكثر منه منحى استكشافيا للأصوات، الشيء الذي سيكون له ثقله في مرحلتي ‘المواجهة’ و’المباشر’، وسيصبح ‘المدربون’ الذين كانوا في المرحلة الأولى أعضاء لجنة التحكيم يقظين في فسح الطريق للأحسن قبل الحسن دون نظرة قطرية ضيقة، ودون تمييز مقصود أو غير مقصود في الشكل أو الجنس أو اللون الغنائي كما وقع في برامج فنية سابقة لا نريد أن نسميها. لقد مر من مسافة البرنامج إلى اليوم خمس حلقات هي عمر المرحلة الأولى لعنوان الصوت ولا شيء سوى الصوت، شارك فيها المتنافسون من المحيط إلى الخليج، وتقدمت فيها الأصوات المغربية والمصرية بشكل ملموس، وأبهرت هذه الأصوات العربية أعضاء لجنة التحكيم وعموم المشاهدين، مما خلق لدى الجميع متعة فنية في بداية البرنامج، زادتها روح الدعابة والمرح المنتشرة على خشبة التنافس ومنصة التحكيم بزعامة صابر الرباعي، الطفل المشاغب، وشيرين عبد الوهاب، البنت الدلوعة، وعاصي الحلاني الفتى الساحر، وكاظم الساهر المعروف برزانته وكياسته، والذي انقلب مرغما على نفسه في هذا البرنامج، وأطلق العنان لنصيبه المحدود من الشغب الهادىء والدعابة غير المنفلتة، غير أن الحلقة الأضعف في هذا المشهد الفني الممتع كانت لمقدم البرنامج محمد كريم الممثل المصري المعروف الذي كان حضوره باهتا، وتأثيره في مشاهد ومراحل تطور التنافس متواضعا، إما بسبب الإطار الضيق الذي وضعه فيه مخرج البرنامج والقائمين عليه، أو بسبب تجربته الأولى في التقديم التي فضل فيها الكياسة والثقل بدل الجرأة والاندفاع في صناعة المواقف والمشاهد ولحظات الجذب والانجذاب والتفاعل، هذا دون الحديث عن صاحبة الميكرفون التي تظهر وتختفي كالشبح دون أن يكون لوجودها أو اختفائها معنى فني مقبول. ولمجاراة لعبة الاختيار العمياء، يقف المتنافس أمام أربعة كراسي رهيبة يجلس خلفها أربعة حكام، آذانهم معلقة فقط بالصوت، وكلما كان المتنافس قويا في أدائه، ومقنعا في عرضه، وشجاعا في وقوفه على خشبة التنافس لا يرى من الحكام إلا ظهور كراسيهم، كلما عجل ذلك بالضغط على زر القبول واستدارة الحكم المعني قبالة المتنافس، ليلتحق هذا الأخير بمجموعة الفنان الضاغط على الزر الأحمر إن كان بمفرده، أو يختار الانضمام إلى إحدى مجموعات الفنانين الضاغطين على الأزرار الحمراء قبل انتهاء دقيقة ونصف من زمن الأداء. والمحظوظ جدا من هؤلاء المتنافسين، من تستدير إليه الكراسي الأربعة قبل انتهاء أجل العرض ليختار بنشوة أو حيرة أو كبرياء ما بين عاصي وصابر وشيرين وكاظم. غير أن مشهدين في هذا العرض الفني الجميل يؤثران سلبا على مجرى تطور الأحداث : الأول متعلق بضغط عضو واحد على زر القبول أمام امتناع ثلاثة أعضاء، وهذا يكفي الصوت المتنافس للمرور إلى المرحلة المقبلة، في حين كان الأجدى الحصول على تصويت عضوين على الأقل ليكسب المتنافس حصة 50 في المائة من النجاح، وتكون لتأهيله مصداقية في حدود النصف والمعدل المطلوب للمرور. والمشهد الثاني مرتبط بلحظة اختيار مجموعة المدرب بعد نجاح الصوت، حيث يتهافت أعضاء لجنة التحكيم، باستثناء كاظم الساهر في الغالب، على استمالة صاحب الصوت إلى مجموعاتهم بطريقة فجة وفيها نوع من الاستجداء أو التسول قد يمس بكاريزما الفنانين، ويعطي الميل لدى المتنافسين إلى انتهاج شكل من الاستعلاء أو الغرور وأحيانا ‘الانتقام’ ممن لم يضغط على زر القبول في الزمن المطلوب. والملاحظ في دورة الاختيار هذه من ألفها إلى يائها أن مقاييس التصويت تختلف من فنان إلى فنان، وأن حتى أذواقهم الفنية الجمالية لا تتلاقى أحيانا في الحد الأدنى رغم تجربتهم الطويلة في الغناء، ومراسهم اليومي في الطرب والموسيقى، بل أن بعضهم لا يضغط على الزر الأحمر إلا بعد أن يضغط زميله على زره الخاص، وأحيانا ينأى بنفسه عن الضغط حتى ولو كان الأداء جيدا والصوت مقنعا، لا لشيء إلا لكي لا يتورط للمرة الثانية أو الثالثة في تصويته الوحيد على العرض، ويضم الصوت إلى مجموعته على علاته. ويبدو من خلال الحلقات الخمس للبرنامج أن شيرين عبد الوهاب كانت أكثر تسرعا في الضغط على الزر حتى قبل أن تتأكد من جودة الصوت، يتبعها في ذلك عاصي الحلاني الذي تناوب مع شيرين في إنقاذ بعض الأصوات في اللحظات الحرجة. وهذا ما يدفعنا إلى القول أن مجموعة كاظم الساهر كانت أكثر دقة في الاختيار والتنوع، ونتوقع لبعض أفرادها الوصول إلى النهائيات، متبوعة بمجموعة صابر الرباعي الذي رغم شغبه وانفلاته أحيانا، إلا أنه يظل يقظا في اختيار أصواته ولو على حساب توريط زملائه في تلقف أصوات أقل جودة. والأكيد أمام هذا وذاك أن أصواتا جيدة تم إسقاطها، وأصواتا متوسطة أو ضعيفة تم تأهيلها، لاختلاف مقاييس الاختيار التي جعلت المشاهد في حيرة واستغراب وأحيانا دهشة من قرارات الفنانين (نموذج ألاء أحمد من السعودية وأخ مراد بوريقي من المغرب)، وقد عزا بعض المحللين الظرفاء المسألة إلى الحالة النفسية الصعبة للفنانين لحظة الاختيار، وارتباط سماعاتهم بغرفة العمليات، وحسابات الأصوات التي لديهم من حيث الكم والجودة والتنوع والجنس إلخ. وعلى العموم فالمرحلة الأولى من البرنامج كانت موفقة رغم خسارتنا في الأصوات التي تم إسقاطها. وطريقة إدارة وتدبير التنافس، ونجومية ومصداقية أعضاء لجنة التحكيم، جعل البرنامج يحقق المتعة الفنية المطلوبة رغم التنشيط الفني الموازي الذي ينقصه. ونحن في انتظار نتائج المرحلة الثانية والثالثة من البرنامج لتكون لنا عودة نقدية شاملة وحاسمة في الموضوع.