حروب البشر

حجم الخط
0

حـمد نـزالهنالك منطق متين وهيام بشري متقد وراء الحروب. نقول هيام، لأن ما ‘نعرفه’ عن بداياتنا على هذه الأرض كان قتلا (هابيل وأخوه) مرورا بعدد لا يحصى من حروب الماضي، أضف إلى ذلك حروب القرن العشرين وصولا إلى حروب اليوم.. ثم تلك الحرب العالمية الثالثة التي لا مفر من وقوعها.هو شغف جامح وافتنان لا يقاوم نحو شن الحروب، فعلى الرغم من أن قلة من ‘القادة’ هي التي تصدر قرار الحرب، لكنها تنجح عادة في حشد جموع عظيمة من الناس وراءها سواء لتنفيذ القرار أو لدعمه.في نزاعات البشر، لا بد من الحرب وإن طال الأمد؛ إذ يكاد لا يمر يوم واحد على الأرض إلا وفيها رقعة واحدة على الأقل متقدة حربا. وبصرف النظر عن أسباب الحروب، فإن مآلاتها واحدة: الخراب المادي والتخلص من أكبر عدد ممكن من الناس، وهما أمران باتا أيسر في حروب اليوم التي أودعت السيوف والمنجنيقات إلى المتاحف لتصدأ.الحرب من ناحية، هي أكثر مصادر ‘البزنس’ ربحا؛ فشق طريق سريع من ستة مسارب بطول 500 كم هو أقل كلفة من ثمن طائرة مقاتلة واحدة. دوام البناء واستقراره، من جهة ثانية يحرم البنائين من العمل، وهكذا لا بد من الهدم المنهجي المنظم ولا أداة تمتلك قوة هدم عظمى مثلما هي الحروب. إن الزلازل والبراكين والأعاصير لهي مزحة صغيرة حين تقارن بالنووي.وأنت في طائرة، تتمنى لو ثمة متسع أكبر لقدميك وألا يجاورك أحد في سفرك. لا أحد يحب قاربا مكتظا، وهذا المنطق بالضبط هو ما يحكم تفكير النخب المهيمنة وهو أحد الدوافع القوية وراء منطق الحروب. في الوقعة العالمية الأولى مات وجرح 40 مليون إنسان، أما العالمية الثانية فحصدت في خمسة أعوام حياة 62 مليون. وفي ‘الاستراحة’ الممهدة للحرب الثالثة قتل ويقتل الملايين من البشر في أفريقيا وآسيا والمنطقة العربية. أرقام القتل الجماعي فاحشة وغير منحازة من جهة عدم تمييزها بين أصفر وأبيض وأسود أو حنطي، وهو اللون المحبذ حاليا لآلة الخراب التي حصدت نصف مليون طفل عراقي مؤخرا، وهو رقم يفوق ضحايا قنبلتي اليابان الشهيرتين.إن من أهداف الحرب إطالة أمد الحرب وتفريخ حروب جديدة والتمهيد لأخرى أغزر وأشرس. نعلم جيدا أن القوى الغربية وحلفاءها دعموا كلا طرفي حرب العراق إيران التي امتدت سنين ثمان طوال. هناك أدلة موثقة حول قيام بنوك أمريكية بتمويل ألمانيا الهتلرية وإقراضها المال حتى بعد أن أعلنت الولايات المتحدة الحرب ضد الرايخستاغ. ثمة أيضا وثائق عسكرية سرية مفرج عنها لتقادم زمنها تشير إلى أن ‘قواعد الإشتباك’ للقوات الأمريكية أثناء حرب فيتنام كانت تمنع جيش أمريكا من تدمير أية أهداف عسكرية إستراتيجية مهمة للمقاومة الفيتنامية. وعلى الرغم، من تعقيدات الحرب السورية الحالية، إلا أن الواضح أن تطويل أمدها هو أمر يحرص عليه الكثيرون.العقل البشري فذ في تبرير سلوكه. ولما كانت الحرب عملا مهيبا تطلب لتبريره حججا جليلة لعل أبرزها ما يستخدمه البعض من حجج سماوية، مثل بوش الابن الذي زعم أن الرب طلب منه الحرب. لكن وقفة عند بعض حروب البشر تقول ما تقول. فلقد خاضت الشعوب حروبا من أجل كلب ضال (اليونان ضد بلغاريا 1925)، وحربا من أجل بضعة خنازير وأخرى بسبب رزمة حطب (أميركا ضد بريطانيا 1838 / 1859)، وحربين من أجل الأفيون (بريطانيا وفرنسا ضد الصين 1888)، وحربا من أجل جوزة الطيب (هولندا وفرنسا 1810). ثمة أيضا حرب بسبب مباراة ‘فطبول’ بين السلفادور وهندوراس (1969) وحروب أخرى من أجل العاج والتاج والماس والتبغ والضرائب والنفط والغاز والماء والكرامة والحرية والمجد والمقدسات وغيرها…ما تشهده الأرض ‘العليلة’ اليوم، يثير الفزع ويحمل أعراض انتكاسة كبرى متجددة لن يجدي فيها لا البتر ولا الكي.. إنها عين الحقيقة المرة أنه من غير المقدر للبشر أن يحيوا في سلم مديد. فحتى لو ظهر نبي جديد ووحد الناس أجمعين فأنه لن ينقذهم من حروبهم أو من خصوماتهم أو من أنفسهم الأمارة بالخراب!*صحافي مستقل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية