معرض استعادي يحتفي بأعمالها في دارة الفنونأحمد الزعتري’هل سأموت بعد الحياة أو خلالها؟’كانت الفنانة المصريّة آمال قناوي تتساءل طيلة الوقت عن حقيقة وجودها. الأمر الذي يدفعنا جميعاً للتفكير بحقيقة رحيلها. هذه الحقيقة التي لطالما استجوبتها الفنانة في أعمالها، من خلال تجسيد علاقتها بالعالم المزيّف، والمجتمع السطحيّ، والجسد غير الآمن، والشريك المتواطئ في آلة المجتمع الطاحنة.قد يدفع رحيل قناوي (1974-2012) المتلقّي إلى استيعاب أعمالها من قناة واحدة فقط، وهي الموت. قد يكون هذا صحيحاً. بما أن الحديث عن الموت أو/ و التعبير عنه يلبّي أصدق والمشاعر الإنسانيّة، وأكثرها زهداً. لكن بنظرة إلى أعمال قناوي التي تعرض حاليّاً في دارة الفنون بعمّان ـ الأردن، نجد أن قناوي كانت تحاول التنبيش في هشاشة الروح الإنسانيّة، وعلاقتها بالجسد والروابط الإنسانيّة، والمكان والذاكرة.ففي المعرض الاستعادي الذي افتتح الشهر الماضي، والذي يوجّه منظموه تحيّة إلى الفنانة التي عرضت أعمالها في نفس المكان العام 2007، ربما نستطيع نسج ملحمة قناوي الإنسانيّة الشخصيّة: تهتّكها وحزمها، حبّها ونفورها، أسطوريّتها وخفوتها.ففي عمل الفيديو والرسوم المتحرّكة ‘غابة بنفسجيّة اصطناعيّة’ (2005)، تحاول قناوي اختبار حدود تمثيل الخيال للواقع المحيط.في الفيديو الذي يستمرّ لمدة 10 دقائق، تظهر كائنات بنفسجيّة حارة تتحرّك وتتناسل باستمرار مقابل الفراغ الأبيض الذي يتمثّل في سرير فارغ، أعمدة كهربائيّة ضخمة، غرفة فارغة، أشجار، شبكة عنكبوت، ومرآة. والذي يتمثّل أيضاً في الكائنات البنفسجيّة نفسها، والتي ينبت لها أغصان شجر أحياناً، أو تتحوّل إلى خفافيش تتجوّل في الغرف الخاوية، أو قلوب تستقرّ على السرير، أو مسوخ تأكل تلك القلوب. ويظهر كذلك في النص الذي كتبته لمرافقة العمل: ‘ أرجلي تنبثق لأجد نوراً فيلتهمني النور. أذوب في برزخ من ظلام لا ينتهي. أجزاء من الأثاث المنزلي. أجزاء من جسد آدمي. كلهم يلتهمون بعضهم بعضاً في غابة بنفسجية إصطناعية’.هنا تطلّ الكافكاويّة ـ نسبة إلى كافكا ـ بكابوسيّتها وخيالها التي تعتاش على ذاتها وعلى العالم المادّي من حولها. تشويشاً على الانطباع الذي ربّما يرى هذا العالم الماديّ فيه نفسه، من خلال وظائف أدواته التي تظهر، بشكل مغاير في هذا العمل.وإذا تتبّعنا تاريخ إنتاج هذا الفيديو، نجد أن الفنانة كانت تفكّر بإنتاج عرض مسرحيّ. ولقصور الدعم المالي، قرّرت أن تنتج مسرحيتها على الورق.بمعنى آخر، وبكلماتها هي في وقت سابق، صنعت آمال ‘عالماً غير حقيقيّ، لكنه مصنوع من عناصر حقيقيّة’. فبينما كانت تحاول حماية هذا الخيال، من خلال الدفع بكائناته الكافكاويّة إلى الاصطدام بالواقع الماديّ، ومن ثم اكتشاف هشاشة هذا الواقع، والعودة مرّة أخرى إلى المنطقة المريحة. وهو بالضبط أحد دوافع شخصيّات كافكا: الخضوع إلى ألم العقاب الناتج عن صراعات العلاقات الإنسانيّة والعالم الماديّ، واختبار وجود الإنسان ذاته في ظل هذه الصراعات. لا يمكن فصل علاقة آمال بعالمها المادي عن أعمالها. إذ أنها بحاجته كما أن هذا العالم بحاجة للتشويش عليه من خلال تجاوز المفاهيم التقليديّة حول الحياة والموت، والأنوثة والعفّة، والجسد والمكان.وهذا ما يظهر في عدة مستويات في الفيديو والأداء الفنيّ ‘الحجرة’ (2004). فعلى امتداد 17 دقيقة، نرى آمال وهي تخيط فستان زفاف على منصّة ثم تحرقه، بينما تحيط يدان بقفّازات، يتم ارتداؤها في حفلات الزفاف أيضاً، قلباً بشريّاً لا يزال ينبض.في النص الشخصيّ للفنانة، تصف هذا العمل بأنه محاولة ‘لصياغة فهمها لإدراك الذات الإنسانيّة داخل الكيان الأشمل/ الوجود، من خلال الصور المجرّدة التي تتأرجح بين الذاكرة/ الأحلام، وبين الواقع التي تحياه. لكنها تقترب منها لتكون هي ذاتها الحقيقيّة التي تستطيع أن تراها بوضوح، بعيداً عن تلك الحدود الضيّقة للجسد’.مشيرةً في مقابلة سابقة لها بأنها أيضاً كانت تحاول الكشف عن الصورة السطحيّة للمجتمع: ‘لذا تعاملت مع المكان الحقيقي والمتخيّل على حد سواء. وحتى أبرز التناقض بين الشكل الخارجي وبين الداخل، قدّمت صورتين للمكان؛ يظهر في إحداهما حقيقيّاً (ثابتاً)، وفي الأخرى متخيّلاً (متحرّكاً).لكن ما هو الحقيقيّ والمتخيّل بالنسبة للمتلقي؟ يقول منسّق المعارض سايمون نجامي في لقاء أقيم بدارة الفنون، كجزء من المعرض الاستعادي، الذي يستمر حتى 31 من هذا الشهر، ان ‘الفن الحقيقي هو الفن الذي يدفع المتلقّي للإيمان بأنه جزء من العمل أثناء عرضه’.وقد يكون هذا فعلاً التلقّي الحقيقي لأعمال قناوي بشكل عام، وعمل ‘الحجرة’ تحديداً. إذ تثير آمال الأسئلة اليوميّة البسيطة الي تتعلّق بوجودنا جميعاً، وعلاقتنا ‘بالمشاعر التي تسكن الكيان الإنسانيّ، والتي تحيل الجسد إلى مجرّد محتوى شكلي، مجرّد حاجز يفصل داخل هذا الكيان عن خارجه.’ كما تقول.وبذلك، تتجاوز آمال ‘العالم اليوميّ المزيّف’ كما يسميه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، وهنا يتمثّل في ارتباط الأنوثة بشكل خارجي كفستان الزفاف، لتتجه مباشرة نحو القلق الوجودي الذي يرفض معظمنا التعامل معه.يقع عمل ‘سوف تُقتَل’ (فيديو ورسوم متحرّكة وتصوير) (2006) ضمن هذه المنظومة أيضاً. فأثناء زيارتها لمستشفى تم بناؤه خلال فترة الاستعمار البريطانيّ لاختيار موقع عرض مشاركتها في بينالي سنغافورة (2006)، استثار المكان ذكريات الحرب في مخيّلة آمال. وأرادت حينها أن تصطدم مباشرة بموضوع العنف الذي يتجلّى خارج الحرب. بمعنى آخر: في يوميّات عالمنا المزيّف.وكانت النتيجة عملاً متحرّراً من الوظائف التقليديّة للجسد والمكان والصور، وبالضرورة: التقنيّة. إذ يمكن تتبّع تأثير هذا العمل تحديداً على اللغة أيضاً. ففي مشهد من المشاهد، يظهر انعكاس لامرأتين على مرآتين، يتدلّى شعرهنّ من جسم المرآة الطبيعي ليصل إلى الأرض وتلتهمه فئران. وفي مشهد آخر، تظهر عدة رؤوس مربوطة بشعر واحد. اللغة تعجز عن نقل هذه المشاهد، ليس لغرائبيّتها، بل لطاقتها الهائلة التي تستمد قوّتها من غياب ‘الحدود الفاصلة للوظائف الأصليّة للإنسان والمكان’.في كلمة له أثناء اللقاء الذي أقيم مؤخراً في دارة الفنون، تحدّث عبد الغني قناوي عن شقيقته التي تعاون معها في أكثر من 11 عملاً، كان آخرها تجهيز الفيديو ‘ذاكرة مجمّدة’ (2002). كانت كلمة عبد الغني شخصيّة ومؤثّرة مثل أعمالها. إذ تحدّث عن نشأتها واستجوابها الدؤوب للبديهيّات، سواءً على المستوى الإنسانيّ أو الفني. أو في ‘المعنى الحقيقيّ الذي يستدعي التقنيّة’.كانت آمال تقول دائماً أن شقيقها علّمها الكثير في طفولتها. لكن عبد الغني يرفض ذلك بحزم، قائلاً إنّه إذا كان قد علّمها الكثير، فإنه عجز عن تعليمها كيف تحمي نفسها من الآخرين.وهو ما تشير إليه آمال في آخر ما كتبته قبل رحيلها: ‘لقد فاق ألمي إلهامي ولم أعد أحتمل آلام الجسد. لقد فاق ذلك. لقد فاق ذلك’.