د. ناصر بن غيث كلنا يعرف مصر التي مضت، مصر الفساد والاستعباد، مصر العالة والعمالة، مصر التي خرجت من التاريخ منذ أكثر من ستة عقود، مصر التي أختطفتها شرذمة قليلة وتاجرت بها وبمواقفها وجعلتها لمن يدفع، شرذمة جوعت وأذلت شعبها وجعلته عالة يستجدي الناس في أرضه ويأكل بكرامته في أرض غيره، لكن مصر وبعد أن أرتنا من نفسها ما أرتنا جعلت الجميع بعد أن يبدي إعجابه أو دهشته يتساءل هل سيكون القادم لمصر ومنها على قدر ثورتها وتضحية أبنائها أم أنها لن تكون بأحسن حال من الدول العربية والأسلامية في سوادها الأعظم التي إستقلت عن الأستعمار الخارجي بالمقاومة وعن الإستعمار الداخلي بالثورة لكن أياً منها لم يتمكن من تحويل الإستقلال إلى إنعتاق والثورة إلى نهضة؟.عن مستقبل مصر على الصعيد الإقتصادي تحدث العديد وخاض الكثير ولعلهم جميعاً أجمعوا على أن مصر تملك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون لاعبا أساسيا في الساحة الدولية بل أن المؤسسة البحثية التابعة لمصرف سيتي بنك ذهبت أبعد من ذلك فقد أوردت في تقرير حديث لها أن مصر يمكن أن تكون ضمن أكبر عشر إقتصادات على مستوى العالم خلال العقود الثلاثة القادمة، لكن التقرير ومعه الكثيرين يعلقون ذلك على سرعة إستعادة مصر لإستقرارها وقدرتها على القيام بالعديد من الإصلاحات الأساسية السياسية القانونية التي من شأنها أن تحولها إلى دولة قانون يتم تداول السلطة فيها بطريقة سلمية وديمقراطية، ولعل مهمة مصر في التخلص من نظام الحكم فيها رغم صعوبها وتكلفتها البشرية والإقتصادية الباهظة تبدو أكثر سهولة من مهمتها القادمة في التحول إلى دولة مدنية حديثة تتميز بإقتصاد عصري يعتمد على الإنتاجية والتنافسية، فطريق مصر إلى الديمقراطية والمدنية طريق طويل ومحفوف بالكثير من التحديات بل وبالمخاطر والتي قد لا تعيد مصر إلى المربع الأول فحسب بل قد تعيدها عقود عديدة إلى الوراء تجعل لسان حالها يقول: ‘رُبَ يَوْمٍ بَكَيْتُ مِنْهُ فَلَمّا * صِرْتُ إِلَى غَيْرِهِ يَكَيْتُ غَلَيْهِ’، ومن هذا الجانب فإن السيناريوهات المحتملة لمصر القادمة لا تخرج عن أحد أربعة سينارهات : السيناريو الجزائري:المقصود بالسيناريو الجزائري هو الأحداث التي صاحبت الإنتخابات الجزائرية عام 91 والنتائج التي تمخضت عنها والتي فاجأت الجميع ودفعت الغرب إلى التاَمر على الشعب الجزائري وبالتواطؤ مع جنرالات الجيش للإنقلاب على خيار الشعب ومعاقبته بقسوة، هذا السيناريو كان يمكن وأقول كان يمكن- أن يتكرر في مصر بعد الإنتخابات البرلماينة التي إكتسحها الإسلاميون بأطيافهم المختلفة وكذلك بعد الإنتخابات الرئاسية التي جاءت بأول رئيس إسلامي لدولة عربية في العصر الحديث، وذلك لأن الولايات المتحدة – ومعها الغرب – عموما لا يمكن أن تتعايش أو أن تقبل أن تحكم دولة محورية كمصر حكومة إسلامية، لكن ولأسباب كثيرة لا يعلم جلها إلا الله فإن إمكانية تكرار هذا السيناريو في مصر أخذت في التراجع إلى أن أصبحت في خانة المستبعد إن لم يكن خانة المستحيل خاصة بعد أن تمكن الرئيس مرسي من تحييد المجلس العسكري بإحالة أبرز قادته إلى التقاعد.السيناريو الباكستاني :لا أحد يستطيع أن يدعي بأن باكستان ليست دولة ديمقراطية رغم الإنقلابات وكذلك لا أحد يستطيع الإدعاء أن باكستان ‘دولة ناجحة’ رغم ما أوتيت من مقومات، المشكلة في باكستان والتي لم تتمكن الديمقراطية الشكلية فيها من حلها هي الفساد المتغلغل في كل مفاصل الدولة والمجتمع والذي تحول إلى ما يشبه الثقافة الشعبية الغير مستهجنة حتى من قبل الإسلاميين، والسلطلة في باكستان يتناوب عليها حزبان أحدهما علماني (حزب الشعب) والاَخر إسلامي (حزب الرابطة الإسلامية) كل منهما أكثر فساداً من نظيره وكلاهما ساهم في تخلف باكستان ووصولها إلى أعتاب الدولة الفاشلة، مصر قد تتحول باكستان أخرى بمعنى دولة ديمقراطية نسبياً وفاشلة كلياً تقودها حكومة منفصلة تماماً عن الشعب يتناوب على الكراسي فيها حزبان أحدهما علماني والأخر إسلامي حيث أن وضع التركيبة السياسية والثقافة الإجتماعية وإرث الفساد والإفساد في مصر يشبه إلى حد بعيد نظيره في باكستان.السيناريو الإيراني:أكثر ما يميز النظام السياسي الفريد في إيران أنه نظام لا هو بديمقراطي ولا هو بدكتاتوري، فالديمقراطية في إيران هي ديمقراطية عرجاء بساق واحدة فمن ناحية هناك برلمان منتخب بسلطات تشريعية وهناك كذلك رئيس منتخب بسلطات تنفيذية وهناك قضاء نسبياً مستقل لكن كل ذلك ينضوي تحت عباءة ولي الفقيه ويخضع لسلطته وهذا الأخير غير منتخب من عامة الشعب ولا يستمد سلطاته المطلقة منه، وهذه الديمقراطية العرجاء أنتجت حكومات راديكالية وتنمية عوراء وأمة منقسمة ودولة معزولة وبؤس إقتصادي متفاقم وحراك شعبي مستمر قد يؤدي إلى ربيع فارسي قريباً، وبالرغم من إختلاف التيار الإسلامي السني الأكثر تقبلاً للمبادئ الديمقراطية والذي لا يقر بالحكومة الدينية التي تستمد سلطتها من السماء إلا أن هناك إمكانية وإن كانت ضعيفة لأن تتحول مصر إلى دولة دينية شبيهة بإيران خاصة وأنه توجد تيارات دينية متشددة تتمتع بقواعد شعبية كبيرة لا تؤمن بتداول السلطة لإعتقادها أنها تحتكر الحقيقة، إلا أن ذلك رغم إمكانية حدوثة إلا أنه يبقى إحتمالاً ضعيفاً بسبب وجود تيارات دينية مثل الإخوان المسلمين تتمتع بالإضافة إلى الشعبية الجماهيرية بخبرة سياسية وتنظيمة كبيرة وتتبنى فكرة الدولة المدنية التي تحتكم السلطة فيها إلى الشعب.السيناريو التركيقدمت تركيا مثالاً جديراً بالتقدير للدولة الإسلامية العصرية أو على الأقل الدولة العلمانية التي لا تحارب الدين بل تعتمد عليه كأساس ومرجعية لنظامها السياسي، كما قدمت تجربة جديرة بالإهتمام في التنمية الإقتصادية ومكافحة الفساد الذي يعتبر الاَفة الأبرز التي تعاني منها الدول العربية والإسلامية، ومصر من هذا الجانب مرشحة لأن تعيد التجربة التركية خاصة وإنه الحكومة المصرية قد بدأت بالفعل في التنسيق مع نظيرتها التركية لنقل تجربة هذه الأخيرة إلى مصر، بل إن التجربة المصرية بنتائجها سواءً السياسية أو الإقتصادية قد تتجاوز التجربة التركية وذلك لأن الشعب المصري من الناحية السياسية يتمتع بإرث ديمقراطي أعرق من الأتراك ومن الناحية الإقتصادية تملك مصر مقومات إقتصادية كالموقع الجغرافي وموارد الطاقة لا تتوافر لتركيا.إن تغليب سيناريو على اَخر قد لا يبدو صعباً بعد أن تجاوزت مصر مرحلة الثورة إلى الدولة بنجاح حتى الاآن على الأقل ما يعني أن تكرار السيناريو الجزائري أصبح مستبعداً نسبياً هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الفكر السياسي الإسلامي السني الذي لا يتبنى فهوم الدولة الدينية التي يرأسها ولي الفقيه يعد سبباً كافياً لأستبعاد السيناريو الإيراني خاصة وأن تجربة الدولة الدينية في إيران اليوم أقرب إلى الفشل منها إلى النجاح، ما يعني أن مصر القادمة ستكون بين تكرار التجربة الباكستانية أو إستنساخ التجربة التركية وقد تكون لمصر تجربتها الخاصة التي تجمع فيها بين عروبة الجزائر وإنفتاح تركيا وإلتزام إيران وقوة باكستان، نرجو ذلك.’ كاتب من الامارات