كان الرئيس الراحل محتاجا لتمرة

حجم الخط
0

إسماعيل ألقاسمي الحسني الحمد لله أني لم أذكر عظمة فخامة الرئيس الشاذلي بن جديد (1929-2012) فقط عند موته، بل كان السبق أقولها ودون مبالغة، لصحيفة ‘القدس العربي’ دونا عن غيرها دولية كانت أو محلية من الصحافة ، فهي من كانت لها الجرأة لنشر ثلاث مقالات على هذه الصفحة تحديدا، نوه فيها الكاتب ببعض مواقف الرجل، كاشفا عن مكائد حيكت ضده ومن ورائه ضد الشعب الجزائري، اشتركت في غزل خيوطها أياد عسكرية وأمنية وسياسية جزائرية، متعاونة في ذلك طبعا مع الولايات المتحدة وفرنسا على وجه أخص. تردفها بعض الأنظمة العربية التي إذا ما أعطيت فرصة كشفتها للرأي العام العربي.ومن تداعيات تلكم المقالات تهديد بالقتل، وأخرى بالاعتقال وغيرها، مما يترجم صلف السلطة وغباءها في آن، ذلك أنه ومن يوم إقالة هذا الرجل العملاق، منعت الصحافة المحلية من تناول شخصيته بما يطابق الواقع والحقيقة، وأحجم صناع الرأي من أرباب القلم عن كشف المستور، وإظهار ملابسات الجريمة التي ارتكبت في حق الجزائر، والبهتان الذي طال هذا الرمز البطل بحق، سواء كان هذا الموقف مبني على خوف وفزع من بطش المجرمين الذين أهلكوا الحرث والنسل، أو حفاظا على مصالح آنية شخصية قد يحرم منها صاحبها، في كل الأحوال هي خيانة بإمتياز، وعار يحسب على صاحبه إلى أن يرحل هو كذلك. في مجتمعنا الجزائري وتحديدا بين أوساط الفلاحين، هناك مثل على حالة هرطقة أبواق السلطة اليوم، وترطينها بأخلاقيات وعظمة الرئيس الشهيد يوم وفاته، وليس قبل ذلك بساعة واحدة، يقول المثل: ‘وهو حي كان محتاجا لتمرة فلما مات علقوا على قبره عرجونا’. وكما يتضح من معنى المثل، نقدا لاذعا لسلوك البعض، الذي يحاول في غباء كثيف الطبقات، من حشر كل تقصيره وإن امتد لعقود نحو صاحب حق، ساعة وفاة الأخير، لا قبلها ولا بعدها، وكأنما بهذا يكفر عن جرم حقير سافل، أو يقدم عذرا بليدا عفنا أخطر من الجرم نفسه. ولعل البعض يلتبس عليه الموقف، فيفسر تلكم التغطية الإعلامية المفاجئة لحياة الرئيس الراحل ومواقفه، بأنها عرفان منها لما قدم من جميل صنع، وكما ذهبت أبواق السلطة البلهاء في ترديد عبارات ‘أعادة الاعتبار’ والجزائر ‘تكرم رؤساءها وإن اختلفت السياسات’ وما إلى ذلك من شقشقة مبتذلة، هي ديدن الأنظمة التسلطية الدكتاتورية العفنة؛ غير أن واقع الحال خلاف ذلك تماما؛ فالرجل كان شخصية تحظى بكثير من الاحترام والتقدير في الاساوط السياسية الدولية، وما شاع خبر وفاته إلا وقد تهاطلت أللاتصالات الهاتفية بوزارة الخارجية ومؤسسة الرئاسة، المملكة المغربية-تونس- مصر- فرنسا- بلجيكا- بريطانيا- روسيا- جنوب إفريقيا-الولايات المتحدة-اسبانيا-ايطاليا هذه الدول التي عرفت عن اتصالاتها، وغيرها قطعا كثير، كلها قررت إيفاد مبعوثين وممثلين عنها لتقديم واجب العزاء، لم يكن إذن بمقدور السلطة القائمة، سياسيا ودبلوماسيا إلا أن تستضيفهم وفي حلقها غصة، مما اضطرها للقيام أمام الضيوف بمراسيم لا تصغر صورتها أمام العالم، لم يكن ذلك لا عرفانا بمقام الرجل، ولا استجابة عن قناعة لما يستحقه.لقد التقيت شخصيا بالرئيس الراحل ‘الشاذلي بن جديد’ عام 1992، في شهر يوليو، تحديدا ستة أشهر بعد إقالته، وتعددت زياراتي له لمدة سنوات؛ ومن بين ما عرفته في اللقاء الأول، أنه لا أحد من رجال السلطة حينها، ولا حتى بعدها إلى يوم وفاته قام بزيارته، باستثناء جنرال واحد متقاعد، بل ضرب على الرجل حصار قاتل، سواء على مستوى العلاقات الشخصية أو الإعلامية، ومحي ذكر اسمه تماما من تاريخ الجزائر على امتداد عقدين، أكثر من ذلك سفها ودناءة، كانت حين تأتي مناسبة بناء الاتحاد ألمغاربي، وهو الرجل الذي جسدها على أرض الواقع أيام حكمه، يعرض تلفزيون السلطة صور المناسبة لكنه يقص صورة الشاذلي بن جديد من بين زعماء دول المغرب، ويمنع ذكر اسمه بشكل سخيف ملحوظ من التقرير المرافق للصور، وكذلكم فعلوا مع مناسبة إعلان الدولة الفلسطينية….انه لؤم في أحقر صوره وأقبحها على الإطلاق، والأمثلة لا يتسع لها المقال.وما لا يعرفه الكثير، أن الرئيس الشاذلي بن جديد كان في شبه إقامة جبرية عند صهره بمدينة وهران، صودرت كل أملاكه، وانتزعت منه وثائقه الشخصية، وبطبيعة الحال صفته الرسمية، بل أكشف اليوم سرا لم تتعرض له كل وسائل الإعلام، سواء في عزلته أو بعد وفاته، وهو تعرضه لمحاولة اغتيال، وهو على متن سيارته الشخصية من طراز بي أم دبليو طراز 1984 من عام 1993، وحرم من العلاج عند أول أزمة كلى تعرض لها، ولولا تدخل شخصيات دولية لإنقاذ حياته حينها، لهلك الرجل على إثرها. هذه بعض الأجوبة عن أسئلة طرحت لشقيقه ‘خليفة بن جديد’ امتنع عن الرد عليها، وشخصيا أتفهم امتناعه لموقعه من الرئيس المرحوم وحساسية الموقف، ولكن هناك الكثير مما لم يكشف الغطاء عنه، فيما يتعلق بمعاناة الرئيس الراحل وأسرته، بعد إقالته من الحكم، كما أن هناك الكثير فيما يتعلق بموضوع الإقالة نفسها، ورؤيته للأوضاع آنذاك وبعدها، قد تتهيأ الفرصة مستقبلا لاستعراضها عبر صحيفة القدس العربي، ذلك أنها ممنوعة من النشر في الصحافة الوطنية وإن ادعى بعضها الاستقلالية. لكن من المؤكد أن الرجل في حياته كان بحاجة لتمرة…..فلما قتلوه كمدا وغيضا، علقوا على قبره عرجونا.’ فلاح جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية