باريس ـ من الطيب ولد العروسي: لا تزال مكتباتنا تزخر بالكثير من المخطوطات النفيسة التي تستحق الدراسة والتحقيق، ولا يزال الكثير من المؤلفات المطبوعة التي تمثل أمهات الكتب بحاجة إلى إعادة طبع والتعريف بها، أما ترجمتها إلى لغات أخرى فحدث ولا حرج، كونها لا تزال حبيسة المخازن أو بعض رفوف المكتبات الخاصة أو العامة، وغير معروفة على المستوى العربي، فكيف تعرف في غيره من الأصقاع ؟في هذا الإطار يدخل مؤلف ‘مختصر المستصفى’ لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد القرطبي الشهير بابن رشد، الصادر في بيروت وباريس، عن دار البستان، عام 2011، ترجمة وتعليق الدكتورة عائدة فرحات، التي قدمته على شكل رسالة جامعية في المدرسة العليا للدراسات التطبيقية بباريس، وكانت قد حصّلت على درجة ممتاز جدا مع توصية من المشرفين على طبعه.يتكون الكتاب من قسمين: القسم العربي ويقع في 151 صفحة، والقسم الفرنسي الذي يحتوي على الترجمة ويقع في 170 صفحة.تقول المترجمة بأن سبب اهتمامها بابن رشد يعود إلى مشاهدتها لفيلم ‘المصير’ الذي أخرجه المرحوم يوسف شاهين، والذي تطرق فيه إلى حياة ومسيرة هذا العلامة الفيلسوف ، بحيث ‘تألمت كثيرا عندما شاهدت منظر كتبه وهي تحرق، وابن رشد ينفى من بلده’، ومنذ ذلك التاريخ وهي تهتم به حتى أنها وقفت على طبعة كتابه ‘مختصر المستصفى’ الصادر في بيروت، عن دار الغرب الإسلامي باللغة العربية تقديم وتحقيق الدكتور جمال الدين العلوي سنة 1994، فقررت أن تترجمه، ولأنه يرد على أبي حامد الغزالي في كتابه ‘المستصفى’ وكان ذلك قبل كتابه ‘تهافت التهافت’ الذي ردّ فيه على نفس المؤلّف في كتابه ‘تهافت الفلاسفة’.لا يخفى على أحد بأن ابن رشد كان فقيها، وولد في عائلة متدينة لها باع طويل في الفقه، اهتم بالنواحي الدينية مثله مثل الكثير من المفكرين المسلمين، كما تؤكد المترجمة، ثم أتى عالم الفلسفة من بابه الواسع، خاصة لما بدأ يهتم ببعض الفلاسفة العرب أو القدماء وعلى رأس الجميع أرسطو. تؤكد الباحثة المترجمة على أن الغزالي كتب المستصفى بدافع التعمّق في ‘بعض المسائل الدينية والفقهية’، ويدلّ رد ابن رشد عليه على درايته بالجانب الفقهي والديني، غير أنه يطلب من الغزالي أن يبقى في مجال التصوف، أو في اهتماماته الفقهية، وأن لا يدق باب الفلسفة، لأن ولوج باب المنطق لا يسايره، كون هذا الباب خاصا بالعلماء في نظره، راح ابن رشد يناقش الغزالي في بعض الأطروحات التي يرى من خلالها أن ‘الغزالي يخلط فيها بين الفلسفة والتصوف’، لكن المترجمة تؤكّد بأن ابن رشد كان فقيها أيضا وتطور في أبحاثه بحكم أنه ألّف في هذا المجال كتابه الشهير الذائع الصيت ‘بداية المجتهد’، فلماذا ينكر على الغزالي تدرجه في الفلسفة مثله؟، وهذا ما يثبته في هذا المختصر، حيث يقول في مقدمته ‘و أبو حامد قدم قبل ذلك مقدمة منطقية زعم فيها أنه أدّاه إلى القول في ذلك نظر المتكلمين في هذه الصناعة في أمور ما منطقية، كنظرهم في حد العلم وغير ذلك، ونحن فلنترك كل شيء إلى موضعه، فإن من رام أن يتعلم أشياء أكثر من واحد في وقت واحد لا يمكنه أن يتعلم ولا واحد منها’ (ص.9 من المقدمة).ينقسم الكتاب إلى مقدمة وعدة فصول، الأول عنوان ‘القول في الجزء من الكل في هذا الكتاب’ والثاني يقسمه إلى أربعة أقسام وهي النظرة في حد الحكم، وفي أقسامه، وفي أركانه وفي مظهره.القسم الثاني بعنوان ‘القول في الجزء الثاني من الكتاب وهو ينصّ على النظر في الأصول التي تسير إليها هذه الأحكام.الثالث القول في الجزء الثالث من المختصر، ذيّل هذا الكتاب بفهرس للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المثبتة في النص.تؤكد المترجمة بأن ابن رشد ‘حافظ على روح نص الغزالي’ ولكنه وضع إضافات وملاحظات وانتقادات، وأنه في كتابه المختصر أثبت بأنه بدأ يهتم بالغزالي مبكرا، مما يبين بأنها كانت هناك ‘صراعات ثقافية’ وحوارا حضاريا ينبني على اختلاف وجهات النظر، وتثبيت هذا الاختلاف على مستوى التأليف، حيث دام بينه وبين الغزالي مدة تعود إلى فترة أقدم من تلك التي ألّف فيها تهافت التهافت.كما يرجع بعض المهتمين بابن رشد بأن رده على الغزالي نابع من كون أن هذا الأخير تأثر بأفلاطون عبر بعض تلاميذه، وأنه، أي ابن رشد، كان متأثرا بفكر أرسطو ويعمل كل ما في وسعه لنشره والتعريف به على أكبر شريحة اجتماعية من المفكرين والفلاسفة في العالم العربي الإسلامي. ولهذا المختصر رسالة مهمة اعتمدها الباحثون والعلماء والمهتمون بتراث ابن رشد، نظرا للقيمة العلمية التي تميّزه، حتى أصبح مرجعا عند الشافعية ، لأنه يعتبر من بين الكتب الأربعة التي تطرقت إلى علم أصول الفقه على طريقة المتكلمين، ويعد مرجعا مهما لكثير من العلماء الذين أتوا بعده، حتى إنه أصبح من الكتب التي نقل عنها الكثير ودرست بشكل مسهب. لأن دارسيه اعتمدوه لقلة ‘ كتب المالكية في أصول الفقه’؛ ولأن المختصر يمثل إضافة مهمة إلى أصول المالكية، ومصدرا مهماً لآرائهم وأدلّتهم. ولأنه أيضا تطرق إلى معرفة هذا العلم الجليل، الذي يساعد في فهم المسائل الفرعية، والجزئيات الفقهية، كما يعتبر ‘مختصر المستصفى’ واحدا من نتاج الفكر الإسلامي، الذي يتعلق بأهم المباحث الشرعية التطبيقية. كما نرى فإن الكتاب يعتبر مفيدا في هذا المضمار، وهو يعرّف أيضا بكتاب الغزالي، رغم أنه انتقده، إلا أنه بيّن فيه مواطن الخلل، وقرّب إلى المهتمين بالأركان بعض المفاهيم وبعض المعطيات، كما تؤكد المترجمة بأن ابن رشد قام بتلخيص ودراسة هذا الكتاب منطلقا من احتياجات الطلبة في ذلك الوقت، وأن عمله يعتبر مناقشة صريحة للغزالي وإثراء لأفكاره، ولا يقصد من ذلك تهجما أو تجريحا له، كما تؤكد على أن العالمين عاشا في فترة متقاربة، وأن عدم رد الغزالي ( 1058- 1111) على ابن رشد عائد إلى وفاته قبل ولادة ابن رشد ( 1126- 1198)، إلا أن ابن رشد بكتاباته هاته يكون بقدر ما عرّف بالغزالي إذ وضعه في حدوده وفي اختصاصه وفي العلوم التي عُرف واشتهر بها، المهم أن ابن رشد يرفض أن يطلق على الغزالي صفة الفيلسوف أو عالم منطق. لا زالت هذه النقاشات العلمية المثمرة التي كانت تنبع من قراءة وتحليل جاد للنصوص، تنير الباحثين وتخدمهم في أبحاثهم ومقاصدهم الفكرية العديدة والمتنوعة حتى يومنا هذا، وهذه هي قوّة ورسوخ كل منهما في الساحة الفكرية العربية والعالمية.