باسل ابو حمدة الحوادث الكبرى حتى لو كانت مأساوية، بوسعها توفير أدوات إضافية من شأنها المساعدة على قراءة مشهد هنا أو وضع هناك لا سيما عندما يتعلق الأمر بملفات يلفها الغموض عبر التاريخ وتغلفها الأقنعة المزيفة والقصص الساترة والشعارات الزائفة التي تشيد صروحها للتغطية على الحقائق وتشويهها وحرفها عن مساراتها ومآلاتها الحقيقية افساحا في المجال للعب أدوارا مغايرة تقف على طرفي نقيض مع كل ما تتشدق به أجهزة الدعاية المغرضة التي تجيش في هذه الحالة لتكوين تلك صورة تسمح من الناحية الشكلية بدوام هذه الحال. شعوب ما يسمى بالعالم الثالث وفي القلب منها الشعوب العربية بطبيعة الحال مبتلاة مصائرها بهذه المعادلة السياسية المقيتة، فتولد في كنفها أجيال وتموت محاطة بكل شيء ما عدا الحقيقة وقد كتب عليها أن تسمع القصص ذاتها من المهد إلى اللحد في مشهد سرمدي يبدو فيه كل شيء مخصيا لا حول له ولا قوة إلا الاستسلام والانصياع والأخذ بكل الأكاذيب التي تصور الأنظمة السياسية على ما هي ليست عليه، بينما تلعب هذه التشكيلات السياسية البوليسية أدوارا قذرة تعصف بحياة الفرد والمجتمع على حد سواء وترهنهما لأمزجة القائمين عليها وأهوائهم ومصالح أسيادهم. هذا في الحالة العادية، لكن مع بزوغ فجر الربيع العربي، لم يعد المشهد على حاله ولم يعد مطلوبا من هذه الأنظمة البوليسية لعب تلك الدوار القذرة فحسب، بل بات لزاما عليها الحفاظ على نفسها لتتمكن من الاستمرار في لعبها، ما يعني زيادة هائلة في الأعباء الملقاة على عاتقها على المستويين الخارجي والداخلي في محاولة منها لإعادة تفعيل حيوية شعاراتها الزائفة حتى لو كان ثمن ذلك باهظا بما في ذلك اشعال الحرائق في اي مكان يمكن أن يشكل جزءا من النول الذي تنسج به قصصها المضللة.ولسوء حظ الشعوب العربية أن تاريخها أو تاريخ أنظمتها البوليسية حافل بمثل هذه القصص، فعادة ما يسير خطابها السياسي باتجاه معاكس بالضرورة لما تمارسه على أرض الواقع، فبينما كانت هذه الأنظمة البوليسية ترفع شعار التنمية، كانت شعوبها ترزح تحت خطوط الفقر على امتداد الأوطان، وكانت تدمر بنى المجتمع كافة وتبيع مقدراته بأبخس الأثمان لأسيادها في مراكز صنع القرار حول العالم، وبينما كانت ترفع شعار الحرية والديمقراطية، كانت أقبية أجهزة مخابراتها تغص بمن ينشدون هذه القيمة الانسانية، التي اصبحت واقعا حتى في البلدان الأسوأ حظا وأكثر فقرا في القرن الأفريقي وأميركا اللاتينية، وعندما كان يرفع شعار تحرير فلسطين، كانت فلسطين قد بيعت منذ زمن بعيد مقابل استمرار قادة تلك الأنظمة البوليسية في مواقعهم التسلطية لسوء حظ المواطن الذي يعيش على أرض عربية أنه يقف على سلسلة لا متناهية من هذا النوع من التضليل والمفارقات والتناقضات، التي لا تنطلي على أحد، لكنها فرضت عليه بقوة الحديد والنار طوال عقود من الزمن، لكن أبرز هذه المفارقات شهدته أنظمة تطرفت في رفع شعارات الحرية والوحدة والتحرير والعدالة وعلى رأسها النظام السوري ومن قبله العراقي والليبي بينما لم يحظ المواطن بأي منها.خصوصية النظام السوري لا ترد إلى عامل الزمن المديد لبقائه في السلطة فحسب، بل إنها تمتد إلى مروحة واسعة من السياسات والممارسات التدميرية التي أتت على مقدرات وطن ومجتمع يحاولان الانفلات من قبضة جلاد متمسك بكل ما اوتي من خطاب تضليلي وقوة باطشة ببقائه متحكما بمصيرهما وبمصير منطقة بكاملها محاولا توريط كل ما يحيط به في أزمته الداخلية من خلال قوى وشخصيات نسجها على منواله طوال فترة حكمه وما فتئ يستخدمها ابشع استغلال كلما اقتضت الضرورة. وقد جاءت عملية اغتيال رئيس فرع المعلومات في الشرطة اللبنانية وسام الحسن لتصب في السلسلة ذاتها بعد أن حاول النظام السوري جر بلدان مجاورة أخرى إلى أتون حربه المعلنة ضد الشعب السوري من خلال مسلسل طويل من التحرشات والاعتداءات التي كانت لتشعل حروبا وليس حربا واحدة مع دول الجوار في ظرف آخر، فعندما تعثرت تلك المحاولات على الجبهتين الشمالية والجنوبية، توجه النظام إلى حدوده الغربية، التي يحتفظ خلفها بحلفاء لا يستهان بهم راح يربيهم طوال عقود من الزمن استعدادا للحظة داخلية من النوع الذي تشهده سوريا منذ عشرين شهرا، وكل ما كان ينقصه هو الايعاز باشعال فتنة في البلد الصغير الجار، فكان له ذلك.أما الهدف من تلك العملية الارهابية فهو لا يخفى على أحد، حيث يحاول النظام السوري من خلالها تعديل ميزان القوى الداخلي، الذي بات يرجح لصالح خصوم يصرون على اسقاطه في دمشق، استقواء بميزان قوى خارجي يأتيه عبر الحدود، بعد أن تكشف له عدم كفاية ما يتلقاه من دعم من حلفاء آخرين يقبعون بعيدا عن تلك الحدود، وبعد أن تأكد له غياب أي قرار دولي بحسم الوضع الداخلي في سوريا، في الوقت الذي تحيلنا هذه العملية المكشوفة إلى تاريخ الوجود السوري في لبنان، حيث يخطئ من يعتقد خروج القوات العسكرية والقوى الأمنية السورية منه كان ناجزا، مثلما يخطئ من يعتقد أن الفصل ما بين سوريا ولبنان يمكن أن يحدث بسهولة وبقرار دولي هنا أو قرار عربي هناك. كما يخطئ من يؤمن بامكانية قطع الخيوط السوداء التي نسجها النظام السوري مع القوى الظلامية في المنطقة بتلك البساطة التي يتخيلها مخطئين من يحلمون بامكانية الناي بالنفس عن الحريق السوري، مثلما يخطئ من يظن أن جعبة النظام الشيطانية قد نضبت من الدسائس والمؤامرات والزعرنات وعمليات الابتزاز والتشبيح التي لا قاع لها عندما يتعلق الأمر بهستيريا البقاء بأي ثمن وبأي شكل، بحيث تصبح مسألة تصدير أزمته الداخلية وتطويلها من بديهيات المشهد السياسي في المنطقة.النأي بالنفس يعني في الحالة اللبنانية، على سبيل المثال لا الحصر، يعني الاستقالة من العمل السياسي ودفن الرأس في التراب، فمن الجنون تصديق مقولة العزل السياسي، بينما تشي المسلمات السياسية بترابط قضايا العالم أجمع، فما بالك عندما يتعلق الأمر بقضايا تخص بلدانا مجاورة ومتشابكة ومتداخلة إلى الحد الذي تعيشه البلدان العربية، التي لطالما تنادت قواه السياسية وزعماؤه إلى وحدة تشكل جزءا لا يستهان به من العقل العربي، فضلا عن احتياجات التقارب التي يفرضها الواقع المعاش وضرورات حسن الجوار في هذه المنطقة من العالم.إذا كانت دولا بعيدة مثل فرنسا والولايات المتحدة ترى نفسها معنية بهذا الشأن العربي أو ذاك، فإنه حري بالدول العربية نفسها أن تعنى بشؤونها الداخلية وشؤون الدول المجاورة لها، وهي مدعوة شعوبا وحكومات إلى التخلي عن سياسة دفن الرأس في التراب والاعداد لفتح طاولة للحوار فيما بينها لمناقشة ما يجري بين ظهرانيها علها تجد طرقا للخروج من مجموعة الأزمات التاريخية المزمنة التي تعصف بها.’ كاتب فلسطيني