ترجمة وإعداد: فادي الطويل: أهدى جون بانفيل (المولود في Wexford – آيرلندة عام 1945 واسمه الكامل وليم جون بانفيل) روايته الأخيرة ‘ضوء قديم’ الصادرة عام 2011، لصديقته كارولين والش التي شغلت بعده منصب المحرر الأدبي لآيريش تايمز. ربما من باب المصادفة أنها انتحرت غرقاً بعد صدور الرواية بفترة، مكرّسةً بالتالي الثيمة التي تشغل بال جون بانفيل، الفقدان. في ‘ضوء قديم’ يسترجع الممثل ألكس كلايف، في أواخر الستينات من عمره، ذكرى فقده لاثنتين من النساء: ابنته الميتة انتحاراً- وعشيقته التي ظلّ يتذكرها بعد مرور خمسين سنة على علاقتهما في بلدة آيرلندية ساحلية. يستخدم كلايف تقنيات استعادية مثل تخيل عوالم متعددة، تبقى فيها ابنته كاس في واحد منها دون أن تموت، أو يجرب إعادتها إلى الحياة مجدداً عبر الكتابة. ‘كلّ أمواتي هم أحياء لديّ، حيث الماضي واضح وحاضرٌ أبديّ. أحياء بالنسبة لي لكنني فقدتهم، إلّا في عالم الموت الهشّ لهذه الكلمات’. إنها ‘السيدة الذاكرة’ التي يقع كلايف ضحيتها، حيث تعيده إلى علاقة قديمة ربطته في الخامسة عشرة من العمر بعشيقة في الخامسة والثلاثين، هي أمّ صديق له. يقول بانفيل: ‘عندما نكتب، فإن ثمّة مستوى عميق عميق من التركيز ما تحت النفس الطبيعية. هذا الصوت الغريب، هذه الجمل الغريبة التي تخرج منك. عندما كنت شاباً تصورت أنني كنت أتحكم بكل شيء، أكتشف الآن أنها ليست سوى عملية حلم’. بانفيل شغوف بالشخصيات التي حلم بها، خاصة السيدة غراي، عشيقة كلايف المراهق، والتي كانت سخريتها منه وضحكها عليه هو ما ساعده، أكثر من الجنس، على النّضوج. ‘أن تضحك سيدة ناضجة عليك هي في ذاتها تجربة حياتية عظيمة، أعني هنا الضحك بشغف وحب’.هل كان يمكن له ككاتب أن يروي القصة من وجهة نظر السيدة غراي؟ ‘لا أعتقد. أنا لم أفهم النساء يوماً، ولن أفهمهنّ، ولا أريد أصلاً أن أفعل. أنا أحبهنّ جميعاً، ليس – فقط – من أجل الجنس ، لكن لأنهنّ دائماً يفاجئنك بفعل ما هو غير متوقع’.عن الجرح النفسيّ الذي حعل منه كاتباً يقول: ‘يروي شيموس هيني هذه القصة: كان يتحدث مرة مع شاعر فنلندي، وكان ذلك الشاعر حادّاً كبقية الشعراء الفنلنديين، وقال الرجل إن لديه مشاكل مع والديه، ثمّ سأل هيني: ماذا عنك؟ أجاب هيني: أنا أحبّ والديّ. فقال الشاعر الفنلندي: إذاً أنت لديك مشكلة ما. ‘بالنسبة لي، أنا مثل شيموس هيني، أحبّ والديّ. لم أكن أُتعب نفسي بحفظ أسماء الشوارع في Wexford لإحساسي أنني سأترك المكان مبكراً دون عودة. كان أخي أكبر مني بثماني سنوات وكان في أفريقيا. أختي كانت تعمل في دبلن. كنت أنا الطفل المدلل لدى والديّ. أمي كانت تعبدني وأبي يراعيني كثيراً. عشت سنوات مراهقتي كلها. إذا كان ثمّة جرح نفسي، فأنا كنت جرحهما. كنت مشاغباً ومشاكساً. اعتقدت أنني أذكى منهما. لو كنت مكانهما لما كنت سأتعامل ‘معي’ بنفس المراعاة’. كان ‘سكان دبلن’ لـجويس هو العمل الذي أثّر بـبانفيل كثيراً. بدأ الكتابة في سنّ الثانية عشرة. أحب الرسم ولم يكمل فيه لافتقاده حرفية الرسام وألوانه. لم يدخل الجامعة وتوظّف في Aer Lingus حيث أعطته الوظيفة المجال للكتابة والفرصة للسفر. ‘كنت أكتب ليلاً بعد انتهاء يوم العمل. كنت منظماً جداً، تركت الكاثوليكية في شبابي لكن شيئاً منها بقي معي. أحاول خلق الجملة الكاملة. هذا أفضل ما أستطيع فعله من الورع’. ضمّ كتابه الأول Long Lankin (1970 مجموعة قصص قصيرة وقصة طويلة واحدة. نشر خلال ثلاث سنوات روايتين كانت إحداهما Brichwood والتي قادته كما يقول- لنهاية أدبية ‘كانت روايتي الآيرلندية ولم أعرف ماذا سأكتب بعدها. فكرت بالاعتزال. لقد كرهت ذلك السحر الآيرلندي الذي، كما نعرف كلنا، هو سحر مزيف’. أعاد بعدها ابتكار نفسه ككاتب روايات أفكار أوروبي، كتب روايات عن علماء عصر النهضة: Doctor Copernicus ثم Kepler وThe Newton Leer. يتذكر الانهيار العصبي الذي تعرض له خلال كتابة Mefisto عام 1986وهي الجزء الأخير من الرباعية العلمية. ‘حصل بعدها أن توقفت عن محاولة البقاء متحكماً ووثِقت بنفسي للحلم في كتابتي’. وبرغم ما حققه بانفيل على الصعيد الأدبي في بريطانيا وخارجها إلا أنه يحتفظ برأي خاص في أعماله ‘أنا أكرهها كلها. إنها تحرجني لأنها حالات فشل. إننا نسعى إلى الكمال ولا نحققه ابداً. هذه أصبحت كليشيه مكررة لكن، كما كتب بيكيت: ‘افشل مجدداً. افشل بشكل أفضل’. إن ما نحققه قليل جداً مقارنة مع ما نطمح إليه’. في عام 1981 كتب رسالة مشهورة إلى صحيفة ‘الغارديان’ طلب منهم فيها أن يعطوه قيمة جائزة البوكر (التي نالها في تلك السنة سلمان رشدي عن ‘أطفال منتصف الليل’) وعرض أن يشتري بقيمة الجائزة جميع نسخ الروايات التي دخلت اللائحة النهائية للترشيح للجائزة وأن يتبرع بالكتب لمكتبات آيرلندة. وبهذا يضمن الجميع أن الكتب لن تُشترى فقط، بل وستُقرأ أيضاً. بعد روايتيه The Book of Evidence (1989) وThe Untouchable (1997) أنجز روايته الكبيرة ‘البحر’ The Sea عام 2005 ونال عليها أخيراً جائزة البوكر العريقة. ‘البحر’ رواية الحنين بامتياز. ماكس موردن مؤرّخ فنّي يعود إلى قريته المحاذية للبحر ويتذكر طفولته. رواية كبيرة عن التداعيات وتأثير الماضي وندوبه. ماضٍ ينبض ‘مثل قلبٍ ثان’ في جسد موردن الذي يحاول التصالح مع إحساسه العميق بالفقدان. تفوّق بانفيل يومها على كازو إيشيغيرو بروايته ‘لا تتركني أذهب’، وفوجئ حينها برئيس لجنة التحكيم جون ساذرلاند يفضّله هو للفوز بالبوكر. كانت المفاجأة لاعتقاد بانفيل أن ساذرلاند ساخط عليه بسبب ما كتبه من نقد لرواية ايان ماك ايوان ‘السبت’ ووصفه اللاذع لها كعمل أدبي رديء. من مفارقات بانفيل أنه يكتب روايات بوليسية وأدب جرائم تحت اسم بنجامين بلاك. اسم مستعار يوقع به روايات بوليسية مقروءة على نطاق واسع. يقول إن كونه ‘بلاك’ يريحه أحياناً من عبء أن يكون ‘بانفيل’. وجهان واسمان لكاتب واحد تشغله الكتابة لكنه لا يعرف إسداء النصح لأحد. ‘أن تكتب عن شيء، لا يعني بالضرورة أن تعرف عنه كل شيء’. لماذا اختلق بنجامين بلاك الذي تظهر رواياته أكثر من روايات جون بانفيل على رفوف بعض المكتبات؟ ‘أحبّ أن أكون حِرفيّاً. أحب كتابة مراجعات للكتب. أحب أن أكون بنجامين بلاك. لكن أن أكون جون بانفيل فهذا ما أكرهه. في اليوم العادي، لا يستطيع جون بانفيل أن يكتب أكثر من 400 كلمة، كلها – بشكل أكثر أو أقل – ضمن السياق الصحيح. أما مع بلاك، فالأمر أكثر بعشر مرات’. لا يُحيل المسألة لعلم النفس ولا يهتمّ إلا بأن ‘الفنانون هم شهود. نحن نقدم ما على السطح. كما قال نيتشه: السطح هو حيث يوجد العمق الحقيقي’.