مطلوب أيضا ربيع فكر سياسي

حجم الخط
0

د. علي محمد فخروسيكون مفجعاً لو أضاعت وسائل الإعلام العربية الفرصة التاريخية الحالية من أجل ربط واقع المجتمعات العربية، سواء واقع ماقبل الثورات أوما بعدها ، بحملة مركزَّة لنشر ثقافة سياسية رصينة في صفوف المشاهدين.إنها فرصة تاريخية لأن أحداث ونتائج حراكات الربيع العربي أثارت في الفرد العربي رغبة فضولية نشطة لمعرفة فضائح وانتهاكات أنظمة الماضي التي سقطت أو التي جار إسقاطها، ولفهم الأخطاء والقصور في أوجه ادارة أمور حاضر ما بعد الحراكات الناجحة.هذه الرغبة العفوية عند الجماهير العربية عبر الوطن العربي كلٍّه لمعرفة ما الذي جرى ويجري يجب أن لا تحصل على استجابة محدودة سطحية من قبل الإعلام العربي لا تتعدَّى إعطاء المعلومات عن السرقات واستباحة القوانين وغيرها، وإنًّما تحصل أيضاً وفي نفس الوقت على ثقافة سياسية تبيٍّن الأسس التي يقوم عليها حقل الفلسفة السياسية من مثل الحرية، حرية الأفراد والأوطان، والعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمساواة في الفرص وأمام القانون، والإنصاف التكافلي بين مكونات المجتمع. كذلك التثقيف بشأن تطبيق تلك المبادئ الفلسفية في منهجية مشاريع ومؤسسات حكومية ومجتمعية.إن ربط المفاهيم السياسية وتعبيراتها وكلماتها عند الحديث عن أخبار ومعلومات التجاوزات سيسهًّل كثيراً انتقال عقل ووجدان المواطن العربي من مرحلة الغضب والحزن على ما فات التي لا يتعداها الكثيرون الى مرحلة التحليل والفهم من أجل التجاوز الى فهم ما سيأتي به المستقبل من حياة سياسية ستحتاج لكي تنضج وتستقر إلى دعم نشط من مواطن يمتلك المعرفة السياسية الناضجة وليس المواطن التَّائه في قشور ومماحكات السياسة اليومية أو الموسمَّية .من هنا الحاجة لأن يتواجد في كل جلسة يدعى إليها مسؤول سابق أو حالي لإعطاء معلومات عن مخازي الحياة السياسية في الماضي والحاضر، أن يتواجد رجل فكر سياسي مرافق لكي يغني الجلسة بالجوانب الثقافية والفكرية التي تحلَّل وتنتقد وتبيَّن للمواطن تعارض الممارسات السابقة مع أسس ومنهجية الحياة السياسية السَّليمة من جهة ولكي يبرز مايجب أن يتوفًّر من فكر ومنهجية سياسية ومؤسسات مجتمع وأنشطة مواطنين لمنع تكرار حدوث تلك المخازي في المستقبل.إن هذا التفاعل المقارن الديناميكي بين الواقع وبين الفكر لن يرسم فقط بعلمية رصينة صورة المستقبل المنشود وإنًّما سيكشف في الوقت نفسه زيف وتخلُّف الفكر السياسي السابق وممارسات فرسانه من المستبدين والفاسدين والأنانيين، ذلك الفكر الذي تراكم عبر القرون بجهد وتطوير كتبة وفقهاء السًّلاطين في غفلة من جانب الأمة.وفي نفس الوقت سيساهم مثل هذا الربط والتفاعل بين المعلومات عن الممارسات السابقة وتناقضها مع الفكر السياسي الإنساني الديمقراطي السليم، سيساهم في تثقيف الجماهير وتعويدهم، وعلى الأخص الشباب منهم، على التعامل مع السياسة بمنهجية رصينة موضوعية تكفل عدم العودة إلى ماضي الظلم والطاعة الذي نخر وأنهك جسد المجتمع العربي عبر القرون، وتكفل أيضاً محو التهمة التي ألصقت بالعرب والمسلمين عن قابليتهم للتعايش مع التسلُط الشرقي ورجالاته ومؤسَّساته.إذن هناك حاجة لترسيخ ثقافة وطنية سياسية مشبعة بروح التسامح مع الآخر والإنفتاح على ما لديه، متعوٍّدة على الإحتكام إلى الدساتير والقوانين، منضبطة بالنضال من خلال أنشطة سلمية ديمقراطية لإدارة الخلافات والصٍّراعات الاجتماعية، وملتزمة بهوية وطنية وقومية جامعة تتخطًّى الهويَّات والولاءات الفرعية.ولأن ًّ المجتمعات العربية لم تصل بعد إلى حياة ديمقراطية مستقرَّة، هناك حاجة ملحًّة للتركيز على الآليات المعقولة الكفؤة القادرة على مساعدة تلك المجتمعات للإنتقال إلى الديمقراطية. ولعلَّ من أهم تلك الآليات تواجد المؤسسات الفاعلة كقنوات لإنجاح العمل السياسي وضبط إيقاعه.الإعلام العربي، وهو يقوم مشكوراً بتبيان ما جرى وما يجري، يحتاج أن يكمل المشوار فيضيف الى ربيع الثورات والإنتفاضات العربية ربيعاً فكرياً سياسياً يوجٍّه ويغني ويحمي تلك الثورات والانتفاضات الجماهيرية على المدى الطويل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية