محمد الغرافيعلاقة المغاربة بالدراما المغربية علاقة متوترة نوعا ما في زمن انفتح فيه العالم على كل الإبداعات الإنسانية بمختلف أشكالها الثقافية والمعرفية، وإن كان انطلاقا من الجنوب نحو الشمال، ومن المغرب نحو المشرق وآسيا، مع الأخذ بعين الاعتبار، اهتمام الشمال أحيانا بإبداع الجنوب في إطار المختلف والفلكلوري والغريب والعجيب، وأحيانا في إطار إثبات ديمقراطية الآخر عند إنصاته لعروضنا في المهرجانات الغربية من قبيل القول: ‘انظروا لتواضعنا وتسامحنا الثقافي والإنساني حين نقبل عرضكم على عيوننا وآذاننا في الوقت الذي لاترى فيه أفلامكم في بيئتها المحلية’. مما يعكس خللا ما في علاقتنا بهذه الإبداعات والإنتاجات الدرامية.فعند كل رمضان يتجدد النقاش حول الدراما المغربية بالقنوات الوطنية، فيتجدد معه الانتظار لتغيير قناتي دار البريهي وعين السبع من سياستهما الإنتاجية والعرضية لطريقة المغاربة في الحياة والتفكير ونمط الفرح والبكاء. لكن كل رمضان يعود بنفس الهوان الفني والإبداعي ليعود النشاط إلى الجرائد والمواقع الإلكترونية والصفحات الاجتماعية لتكيل للدراما المغربية كل فنون اللوم والنقد والعتاب، وأحيانا كل الحب المجاني القاسي الممزوج بنكهة الحنق التي يجيد المغاربة إعدادها لمواجهة الصمم القديم الثاوي في كل ردهات القنوات الوطنية. لكن رمضان مضى وانقضى، فلماذا أعود بكم إلى أجواء الدراما الرمضانية المعروضة سلفا؟ الفضل في هذه العودة الحميدة يعود لأولئك الذين يشرفون على إعداد الشبكة البرامجية للقنوات المغربية؛ إذ تعمد كل قناة إلى إعادة عرض ما تم بثه في رمضان باعتباره الجودة التي ما بعدها جودة، والذي لاقى استحسانا وتهليلا وحظي بنسب مشاهدة قياسية عند عرضه. فلماذا لا يعرض لمرات ومرات عدة؟من بين الإنتاجات التي يتم إعادة عرضها حاليا سلسلة بعنوان ‘صالون شهرزاد’؛ وشهرزاد اسم انتهك واستهلك عربيا وغربيا، لكن لا يمل منه إنسانيا لارتباطه بنص خالد هو ‘ألف ليلة وليلة’، وامرأة خالدة هي شهرزاد. وهنا يلتقي النص بالسلسلة في الحكي. ففي ‘ألف ليلة وليلة’ تقوم شهرزاد بالحكي لتشفي ‘زوجها’ المريض جراء خيانة زوجته مع عبد له من عبيده. أما في سلسلة ‘صالون شهرزاد’ فتقوم مدام بنزاكور بالحكي لتشفي نفسها من هم ثقيل هو الخوف من فقدان صالونها. لكن المرأتين تلتقيان على مستوى بنية الاسم؛ فشهرزاد في ‘ألف ليلة وليلة’ تحتفظ باسمها الخاص الدال على هويتها وكينونتها الأنثوية والاستقلال الذاتي باعتبارها امرأة تملك اسما.أما ‘شهرزاد’ الصالون فقد توارى اسمها لتحتفظ باسم رجل ميت كل ما تركه لها هو ابن من امرأة أخرى ينازعها في الوجود والحياة بشكل أفضل في صالون يضم فرح وحزن المغربيات، وذكرى قاتلة حين حرمها من الإنجاب لكي لا يزاحم ابنه في الإرث. كل هذا الألم وتحتفظ باسمهِ؟ جحدها حقها في الأمومة تاركا لها ابنا بارا بأبيه يطالبها بحقه فيه في إشارة إلى عدم حقها في امتلاك شيء منه سوى الاسم. وهي حميمة خاصة تعيشها المرأة الحديثة من خلال انتعاشها باسم الرجل وحمله عوض امتلاك اسم خاص بها يحدد ذاتها وهويتها. لذلك ظلت حاضرة في السلسلة باحثة عن كيان ما في صالون للحلاقة، وكأنها شهرزاد هذا العصر تتسول الحكي والترثرة النسوية أثناء حلق الشعر وتزيين الأظافر، هي التي كانت تصنع الحكي وهي تداعب شراشف سرير الملك شهريار المريض قتلا وحنقا على بني جنس شهرزاد.يكتمل فقدان مدام بنزاكور للأشياء ليكون آخرها صالون الحلاقة، فتستسلم لأمر قضائي يفرض عليها إفراغ المحل. لكن إحدى عاملات الصالون تظهر في آخر السلسلة وهي تداعب حاسوبا محمولا قالت إنها تحاول بذلك التحسيس بقضية ‘صالون شهرزاد’ المهدد بالإقفال، وتحسيس المشاهد المغربي بأن صالونات الحلاقة النسوية هي أماكن سائرة في طور الانقراض بحيث لو أقفل ‘صالون شهرزاد’ فلن تجد المغربيات، أو لنكن أكثر دقة، بعض المغربيات أماكن أخرى وصالونات أخرى صالحة لقص الشعر وتزيين الأظافر الطويلة والقصيرة. لتفاجأ مدام بنزاكور بجلبة صغيرة خارج الصالون، وحين تلقي نظرة تجد تجمعا صغيرا مكونا من ثلات سيدات لم أسمع منهن جلبة تذكر. بعدها يتزايد عدد السيدات الأنيقات القادمات من أجل مساندة مدام بنزاكور والعاملات بصالونها الشهير في محنتها المتمثلة في إفراغ المحل بأمر قانوني. لكن ما أثارني في الحبكة هو لماذا حاول زوج إحدى عاملات المحل شراء الصالون حبا في زوجته العاملة في الصالون؟ ولماذا يتركها مجرد عاملة في صالون طالما يستطيع شراءه بثمانين مليون درهم مغربي؟ ولماذا لم تحاول العاملات مساندة المدام بالتوجه مباشرة لصاحب الإفراغ القانوني وترجِّيه بقصد السماح للمدام زوجة الأب بالبقاء في الصالون ولو على سبيل المحاولة فقط؟ لكن يبدو أن العاملة في الصالون وقعت تحت تأثير مشاهداتها للقنوات العربية وما فعله الحراك العربي الذي اتخذ من الاحتجاج عن طريق التظاهر السلمي سبيلا لتحقيق أهدافه وأحلامه، مستعينا بالمواقع الاجتماعية في التحسيس والتأثير والتجميع. وهنا تكون السلسلة قد استرفدت من الحراك العربي السياسي والاجتماعي الذي انطلق من مواقع اجتماعية وضعت أساسا للتواصل الاجتماعي وليس لإسقاط أنظمة ديكتاتورية وإحداث ثورات لم يتوقعها العالم كله لأنها كانت أحاديث عربية هامشية أطلق عليها تواضعا ‘شاتينغ’. لكن الحرج البئيس الذي يحسه المشاهد للسلسلة عند عقده مقارنة عابرة بين ‘تحرير الشعوب’ من أنظمة فاقدة للشرعية السياسية عبر التواصل الاجتماعي، وبين محاولة ‘تحرير’ صالون للحلاقة من أمر قانوني يهدد بالإفراغ يستمد شرعيته من حكم قضائي. كما أن نوع القضية مختلف اختلافا كبيرا جدا بين مواجهة الظلم ومواجهة القانون. لذلك لا يحس المشاهد (أنا بالخصوص) بأي نوع من التعاطف مع مالكة وعاملات ومساندات صالون شهرزاد.كما أن السلسلة تلتقي في جوهر القضية مع المسلسل المصري ‘العربي’، كما يطلق عليه في القنوات المصرية، ‘الراية البيضا’. موضوع الصراع في سلسلة ‘صالون شهرزاد’ هو انتزاع ‘الصالون’ (متعة السيدات المغربيات الوحيدة) بأمر قانوني مع التهديد بجرافة كبيرة تخلق الرعب ثابتة دون أن تتحرك، واحتجاج المالكة والعاملات وزبونات المحل بالوقوف متشابكات الأيدي أمام الصالون في وجه السلطات العمومية وصاحب حق الإفراغ القانوني. أما جوهر الصراع في ‘الراية البيضا’ فقد كان مواجهة محضا بين الطغيان الاقتصادي الأمي الجاهل المستبد بالمال، وبين العلم والنور والتاريخ والتراث الإنساني العريق المتمثل أساسا في الدكتور مالك الفيلا، الكنز التاريخي الإنساني العظيم. لتلتقي السلسلة بالمسلسل في طريقة مواجهة ‘قوى الشر والظلم’ عن طريق جمع المساندين والمتعاطفين وتشابك الأيدي مع اختلافات نوعية وكمية متمثلة في تنوع المتعاطفين مع فيلا الدكتور وكثرتهم (الرجل والمرأة والعامل والفنان والعالم)؛ مما يحيل على تبني المجتمع بكل أطيافه وألوانه لقضية الدكتور وفيلته. في حين اقتصر نوع المتعاطفين مع صالون مدام بنزاكور على النساء فقط ورجل مقعد فاقد للقدرة على الوقوف ومواجهة السلطة مما يمكن عده مع النساء؛ إذ اكتفى حضوره على تمثيل الرجال شكلا وهيئة فقط. مما يحيل على تبني جزء صغير من المجتمع لقضية مدام بنزاكور وصالونها ‘شهرزاد’، وجزء عاجز هو الرجل الوحيد العجوز المقعد. كما يختلف العملان في استخدام الوسيلة الجامعة للمتعاطفين وطريقة التحسيس بقضية الصالون والفيلا التاريخية؛ إذ غابت المواقع الاجتماعية في ‘الراية البيضا’ لانعدامها في ذلك الوقت، وحضرت في سلسلة ‘صالون شهرزاد’ باعتبار زمنه زمن أنترنيت وفايسبوك وتويتر ويوتوب.كما أثارني في السلسلة أيضا طريقة تمثيل السلطات العمومية؛ إذ حضر ممثلوها بطريقة هزيلة وهزلية أيضا وكأنما الغرض من ذلك كان هو خلق كوميديا على ‘المخزن’ في آخر حلقة من حلقات السلسلة. فرجل السلطة الأسمر بهيئة الضعيفة يبدو كمن لايملك قرارت حازمة لتنفيذ المقرر القضائي الصادر بطريقة قانونية، ليجد متسعا من وقته للسخرية من زميل له حين يشير إلى سيدة ضمن المساندات ليست تكون إلا زوجته. لكن الزميل أيضا لايفوت الفرصة ليشير إلى زوجته ضمن صفوف الداعمات لحركة ‘تحرير صالون شهرزاد’ من قرار الإفراغ، وإعدام ملكية شرعية ابن زوج سيدة الصالون مدام بنزاكور، في إشارة إلى حكمة إنسانية طريفة جدا وهي أنه إذا كان ‘المخزن’ يحكم الشعب فإن زوجات المخزن يحكمنه أو على الأقل لا يخضعن ‘لحكمه’. والدليل أنهن خرجن ضد إرادة تنفيذ القانون والساهرين على تنفيذه: أزواجهن/ المخزن.كما أدخلتنا السلسلة في كوميديا مريرة جدا لكنها تُضحك على كل حال متمثلة في احتجاج زوجة أحد رجال السلطة المشاركين في إفراغ صالون الحلاقة شهرزاد:’هداك هوا الصالون لي كنعدل فيه شعري’ (بتصرف) مما يحيل على ضغط ماكر تمارسه السيدة على منفذ القانون. كل ذلك أثر وجعل صاحب الحق القانوني في الإفراغ يمتثل لاحتجاج مغاربة من أجل صالون للحلاقة.وبالرغم من هذا التنازل ‘الكريم’، فإن ‘شهرزاد’ الصالون لم تتوقف عن الحكي كما توقفت شهرزاد الليالي عنه حال شفاء الملك من مرارة الخيانة والقتل. ربما يرجع ذلك إلى أن شهرزاد المغربية لن تشفى أبدا، لذلك سيستمر الحكي ما استمرت شهرزاد على الأرض.كاتب من المغرب