يا بعض مثقفينا ومفكرينا رِفقاَ بنا!

حجم الخط
0

لا يزال- إلى يومنا هذا- يعقد بعض المثقفين والمفكرين العرب الندوات ذات الطابع الفكري والثقافي في الجامعات والمراكز البحثية والمنتديات والمؤسسات الثقافية والفكرية في مختلف الدول العربية وآخرها- حسب علمي- في العاصمة الاردنية عمان، من أجل توعية الجماهير العربية بما حدث ويحدث في بعض الدول العربية من انتفاضات شعبية وثورات مسلحة.تتمحور فكرة الندوة أو المحاضرة للمفكر أو المثقف في دعوة الشعوب العربية للتمييز بين الانتفاضات الشعبية التي حدثت في تونس ومصر، والمؤامرة الدولية المستمرة ضد سورية، والتي – من منظورهم – تنفذها أدوات داخلية معتمدة على دعم بعض الدول العربية ولا سيما الخليجية منها والإقليمية والدولية، وهنا لا انكر مصالح الدول، سواء كانت مشتركة أو متباينة في التخلص من هذا الحكم او ذاك. فهذه الجماعة من المثقفين والمفكرين يرون بالحكم الشمولي الجمهوري العائلي في سورية، حكماً وطنياً! ولست أدري ما هو المعيار الذي اعتمدوه في تصنيف ذلك الحكم بالوطني. ربما- من منظورهم- ان يرث الابن اباه في الحكم الجمهوري تلك هي الحاكمية الوطنية الرشيدة. فهم لا ينظرون إلى مشهد التغيير العربي في إطار واحد، بل يصنفونه بما ينسجم مع مبادئهم الفكرية أو ربما مع مصالحهم الشخصية. لكن من خلال حضوري في بعض تلك الندوات التي عقدت سواء في القاهرة أو عَمان، وإصغائي لهن خرجت بعدة ملاحظات منها على سبيل المثال، أن هؤلاء المثقفون والمفكرين العرب ينكرون – عن قصد- الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي (مدخلات الحكم)، المتمثل بالأزمات البنوية المتجذرة في بنية الحكم الاستبدادي بشقيه الشمولي والسلطوي، كأزمة الهوية، أزمة الشرعية، أزمة المشاركة، أزمة التغلغل، أزمة التوزيع، أزمة الاندماج، كل أزمة من هذه الأزمات سواء منفردة او مجتمعة كفيلة بأن تدفع الجماهير للانتفاضة أو الثورة عليهما (مخرجات الحكم).أما الملاحظة الثانية، وهي مثيرة للانتباه والتي تتمثل بالتوافق الضمني بين المثقفين والمفكرين في ‘التوظيف الباطل’ للقول المأثور ‘كيف تكونوا يولى عليكم’، فهذا القول حسب فهمهم له، هي إشارة واضحة لتبرير الاستبداد في الجمهوريات العربية، والتسليم بنتائجه الكارثية. وكأن لسان حالهم يقول (المفكرين والمثقفين)، بما أنتم شعوب سادرة فهذا الاستبداد ينجسم مع طبيعتكم، بنبرة يغلب عليها التعالي في الطرح. في حين الفهم الصحيح لهذا القول المأثور، ينطبق على شعب أختار حاكمه بإرادته، لا حاكم يفرض عليه، بدعوى شرعية الانقلابات العسكرية، والانتخابات والاستفتاءات الرئاسية المزورة. ولا يقتصر الأمر على ذلك لا بل يورث الحكم بعد رحيله لابنه للحفاظ على مسيرة الممانعة والمقاومة!أما الملاحظة الثالثة، وهي أيضا القاسم المشترك بين المثقفين والمفكرين الذين اعتبروا ما يحدث في سورية، هي محاولة لعودة الاستعمار التقليدي للوطن العربي عبر البوابة السورية، فهم يمقتون هذا النوع من الاستعمار في حين يغفلون الطرف عن الاستعمار الداخلي( الاستبداد)، الذي- من وجهة نظري- لا يقل اهمية في نتائجه عن الاستعمار الخارجي، فكليهما امتهان للكرامة الانسانية. ولا أبالغ ان قلت بأن الاستعمار الداخلي أشد وطأة من الخارجي. ولعل أهم معالم ذلك الاستعمار احتكار السياسة والسلطة من قبل قلة ضيقة، أو عائلة، أو طائفة، أو حزب حاكم، وتهميش سائر التعبيرات السياسية الأخرى، وإطلاق قوى الأمن والاستخبارات في الشؤون العامة، وانتهاك القانون والدستور وتزوير إرادة الشعب في الانتخابات، وخرق استقلالية القضاء وإخضاعه للسلطة التنفيذية، وتكميم الصحافة بتسليط سيف الرقابة عليها، واحتكار الإعلام السمعي البصري، وفرض أحكام الطوارئ والقوانين الاستثنائية، وإنشاء محاكم غير قانونية لمحاكمة معتقلي الرأي، وتجريدهم من حقوق الدفاع ومن الضمانات القانونية والدستورية للمحاكمة العادلة، والتضييق على حرية البحث العلمي، وانتهاك أبسط الحقوق المدنية كالحق في السفر والتنقل، وتجاهل مطالب المجتمع والمنظمات المدنية والمعارضة ومواجهتها في معظم الأحيان بقسوة. وانقسام المجتمعات عمودياً وأفقياً، وارتفاع نسبة البطالة، واستشراء الفساد، وتحويل الدولة إلى جزء من أملاك الحاكم، على نحو ما تعبر عنه سياسة التوريث وتحويل الجمهوريات إلى ملكيات جديدة مطلقة، كل هذا بنظر بعض مثقفينا ومفكرينا لا يستدعي من الشعوب الخروج على حكامها! يا بعض مثقفينا ومفكرينا رِفقاَ بنا.د. معمر فيصل خولي – عمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية