عبد العلي حامي الدينمؤخرا، ارتفعت العديد من الأصوات النقدية في دول الربيع العربي مشككة في قدرة الحكومات الجديدة على تدبير تحديات المرحلة الانتقالية، وتطورت في بعضها ـ كما في الحالة التونسية ـ إلى مظاهرات داعية إلى إسقاط الحكومة متهمة إياها بالانزياح عن مبادئ الثورة وأهدافها..ودون الدخول في خلفيات هذه التحركات وارتباطها بمشاريع سياسية مختلفة جذريا مع الاتجاهات الإسلامية الصاعدة في المنطقة العربية، فإنه من المفيد فهم الرهانات الأساسية لهذه المرحلة وآفاقها المنتظرة. التحولات الجارية في المنطقة العربية والصعود الواضح للحركات الإسلامية وللتيارات السلفية أعاد النقاش من جديد حول جملة من التصورات الفكرية والمواقف السياسية لهذه الحركات، وبدا أن التركيز على هذه التيارات بوصفها كتلة من الأفكار أكثر من التركيز عليها بوصفها حركات اجتماعية وسياسية تنطبق عليها جميع قواعد التحليل السياسي والاجتماعي..الحركات الإسلامية حركات اجتماعية بالدرجة الأولى، صحيح يلعب الدين دورا مهما في تشكيل تصوراتها ومواقفها حول قضايا الدولة والمجتمع، لكنها كسائر التجمعات الإنسانية تبقى محكومة بقواعد الاجتماع البشري وبجميع مظاهر القصور الإنساني..هذه الفرضية المحورية لها مجموعة من النتائج ينبغي أخذها بعين الاعتبار، من بينها أساسا أن هذه الحركات الاجتماعية والسياسية التي تتوفر على مقومات التنظيم المؤسساتي تسري عليها قواعد الصعود والنزول، كما سرت على جميع الحركات السياسية والاجتماعية عبر التاريخ، وتنطبق عليها القواعد الخلدونية في أفول الدول وصعودها..ولذلك فإن الذين يستعجلون نتائج تدبير الإسلاميين للسلطة بغرض إسقاطهم، لا يدركون بشكل جيد طبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي لهذه الحركات، كما أنهم يخطؤون في قراءة المرحلة السياسية الراهنة من منظور تاريخي. من المهم ، أن نفهم بأن المهمة التاريخية الملقاة على عاتق الإسلاميين اليوم ليست هي النجاح في تدبير الشأن العام كما لو أننا نعيش في مناخ ديموقراطي حقيقي، المهمة الرئيسية الملقاة على عاتقهم هي ترسيخ قواعد التداول الديموقراطي على الحكم، وإرجاع السلطة إلى منطق الإرادة الشعبية، وتوفير شروط التنافس الحر بين البرامج والأفكار..هذه المهمة التاريخية فشلت في تحقيقها تيارات سياسية أخرى، كما أن الإسلاميين لوحدهم عاجزون بالتأكيد على القيام بها على أكمل وجه..ولذلك من المبكر جدا أن يستعجل البعض سقوط التيار الإسلامي في المنطقة العربية في اللحظة السياسية الراهنة، وتفويت الفرصة التاريخية التي جاءت بفضل الربيع العربي..أولا، لأن هذا غير ممكن من الناحية الاجتماعية والسياسية فالأمر يتعلق بحركات اجتماعية وسياسية تحمل آمال جماهير عريضة من الشعوب العربية لازالت تثق فيها ولها التزامات وتعاقدات اتجاهها ينبغي أن تفي بها، وثانيا،لأن المهمة التاريخية المطلوبة لإنجاز التحول الديموقراطي لا يمكن أن تتحقق بدون مساهمة أساسية للتيارات الإسلامية الشعبية..طبعا، هذا الكلام لا يعني تأجيل النقد المطلوب لأداء الإسلاميين وهم يمارسون السلطة، فالنقد مطلوب لعدة اعتبارات: أولا من الضروري محاسبة التيارات الإسلامية ونقدها على قراراتها وعلى أدائها خاصة عندما ترتفع لديها نزعات البراغماتية والواقعية أكثر من نزعات المواقف المبدئية المنسجمة مع القيم الديموقراطية..ثانيا من الضروري مساعدة الحركات الإسلامية على نفسها لتجاوز بعض المعوقات الذاتية باعتبارها حركة اجتماعية لها مواقف وقراءات سابقة تحتاج إلى مراجعات ضرورية..مسؤولية النخب السياسية من مختلف التيارات الفكرية والسياسية اليوم هو: تجاوز منطق الصراعات والتطاحنات السياسية الموروثة من مرحلة الاستبداد والعمل على ترسيخ تقاليد جديدة في الحوار الضروري لبناء الدولة الديموقراطية الحديثة على قواعد جديدة، وتكثيف النقاش حول القيم المؤسسة للمرحلة القادمة .. صحيح، هناك مجموعة من الأسئلة والقضايا والإشكاليّات المتعلقة بصعود الحركات الإسلاميّة، وتحولها إلى لاعب اجتماعي وسياسي أساسي وفاعل في منظومة سياسية حديثة تستند على النظام الديموقراطي التمثيلي، وهو ما يفرض على جميع الأطراف، وفي مقدمتهم الإسلاميون، ضرورة التكيف السريع مع قواعد النظام الديموقراطي والتأثير من خلال تلك القواعد. طبعا، من أهم ملامح الثورات العربية أنها فاجأت الجميع، بما في ذلك، التيارات الإسلامية نفسها التي عاشت لحظة ارتباك حقيقي في جميع الدول المعنية وتعثرت كثيرا قبل أن تستوعب ماحصل وتنخرط في المرحلة الجديدة .. ويمكن القول بأن الإسلاميين لم يكن لهم دور كبير في إطلاق شرارة الاحتجاجات الشعبية، بل إن بعضهم وقف في وجه هذه الدينامية في البداية..الآن تجد الحركات الإسلامية نفسها أمام إرث تاريخي من الممارسة السياسية ظل مطبوعا على العموم بالاستبداد والتسلط، وهو تراث يحتاج إلى تقويم ونقد فكري عميق، بالموازاة مع نقد بعض التجارب السياسية الإسلامية التي لم تستطع التعايش مع المنظومة الديموقراطية الحديثة، مع ما تفرضه مستلزمات التطور والتجديد الفكري المطبوع بمعطيات المرحلة الجديدة..في بداية تسعينيات القرن الماضي وقف أحد قادة التيار الإسلامي في إحدى الدول العربية ليعلن من فوق منبر الجمعة ما يلي: ‘أبشركم إخواني بأن الانتخابات التشريعية القادمة ستكون آخر انتخابات بإذن الله، لأن شرع الله سينزل على يد إخوانكم غداً.. شعارنا لا قانون لا دستور قال الله قال الرسول’… اليوم هناك رهان كبير على جعل التيارات الوسطية الإسلامية هي ضمانة التوازن لعبور المرحلة الانتقالية الراهنة بنجاح، اليوم يقوم راشد الغنوشي العائد إلى تونس بعد منفى طال 20 سنة في بريطانيا، بوضع امرأة غير محجبة على رأس لائحة مرشحي حزبه في انتخابات أعضاء المجلس التأسيسي لوضع الدستور، ويقول عن مدونة الأسرة التي وضعها بورقيبة، والتي تمنع التعدد وتحرر المرأة: ‘إنها اجتهاد إسلامي..’.. وفي مصر أسس الإخوان المسلمون حزبا سياسيا بعد سقوط مبارك بعد أن كانوا جماعة محظورة لمدة 80 سنة.. ومنحوا مواطنا قبطيا منصب نائب الرئيس في حزب كان أنصاره قبل 20 سنة يقولون إن الإسلام هو الحل. في ليبيا صرح عبد الحكيم بلحاج، أحد القادة العسكريين للثورة، لجريدة ‘لوموند’ قائلا: ‘عشنا 42 سنة بلا دستور ولا قانون ولا عدل. الآن نريد دولة مدنية تحترم القانون وتطبق العدل، أما شكل النظام فيحدده الشعب… ولا نوجد هنا من أجل إقامة نظام طالبان…’.اليوم ينظر كثير من الإسلاميين بغير قليل من الإعجاب لتجربة قادة العدالة والتنمية في تركيا وكيف نجحوا في قيادة بلادهم نحو بر الديمقراطية والتنمية والازدهار منذ 2002. تركيا ضاعفت دخلها القومي في ظرف سبع سنوات بشهادة البنك الدولي، ولهذا صوت الأتراك للمرة الثالثة على مصباح العدالة والتنمية. ويبدو بأن الجميع على إدراك تام بأن قانون التطور سيسري على الإسلاميين، فالربيع العربي أثر وسيؤثر فيهم.أولا: لأن هناك قوى جديدة هي التي حركت الشارع ودفعت الإسلاميين إلى الالتحاق بها.. الشباب وجزء من الطبقة الوسطى غير المتحزبة وغير المؤدلجة، المطالبة بالحرية والديمقراطية ومحاربة الفساد ومناهضة الاستبداد، والمتطلعة إلى نموذج الغرب في الحكم الديمقراطي الرشيد، والتي وقفت في الصفوف الأولى في أكثر من عاصمة عربية لتطالب برحيل الاستبداد وبإسقاط الأنظمة الشمولية التي تحكم البلاد العربية…ثانيا: لأن مستلزمات تدبير الحكم تفرض التطور وإيجاد الحلول الضرورية لمعالجة المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والتخفيف من المعاناة اليومية للمواطنين، ثالثا، وهذا هو الأهم: الديموقراطية هي حكم الشعب وليست هي حكم الأغلبية العددية فقط، وهو ما يعني ضرورة الاعتراف بحقوق الأقلية والعمل على إشراكها في تدبير المرحلة الانتقالية، خصوصا عندما تكون هذه الأقلية مؤثرة ونافذة.قانون التطور الاجتماعي من شأنه أن يفرز حلا تاريخيا في علاقة الإسلام بالديمقراطية.. لا هو بالعلماني الحاد والمتطرف، كما عرفته فرنسا، مثلا، في ظروف تاريخية خاصة، ولا هو حل ثيوقراطي يحكم فيه الولي الفقيه نيابة عن الله… هناك خيار ثالث تسميه الخبرة الأنكلوساكسونية: التسامح المتبادل بين الدين والسياسة.. الدين يعترف بدور العقل في إدارة الشأن العام، والسياسة تقر بدور الدين وقيمه في تشكيل قناعات الأفراد والمجتمعات وتهذيب مسلكياتهم السياسية… في مثل هذه البيئة لن يسمع إلا القليلون لدعوات التشدد والتطرف ولرموز السلفية الجهادية والأصولية السياسية بكل ألوانها.’ كاتب من المغرب