الولايات المتحدة تجابه تحديات الشرق الاوسط

حجم الخط
0

عوديد عيرانهناك قوتان متعاكستا الاتجاه تميزان سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط في السنة التي مضت منذ نشب التمرد العربي. فمن جهة تغادر الولايات المتحدة العراق بعد ثماني سنوات احتلال وسفك دم جنودها واستثمار عظيم لموارد مالية. وستغادر الولايات المتحدة افغانستان ايضا بالتدريج بغير نصر ساحق قاطع. ومن الجهة الاخرى تُساق الولايات المتحدة لتعود الى ساحة الشرق الاوسط بسبب الجهد لوقف التطوير الذري العسكري في ايران وعن رغبة في التأثير في اتجاه التطورات في المنطقة والرغبة في ألا تضيع مواقع فيها بتأثير العصيان المدني.ان القاسم المشترك في اتجاهي العمل المتعاكسين هو ان الولايات المتحدة تجد نفسها تواجه ازمة مالية مستمرة. وتواجه شريكاتها ولا سيما دول غرب اوروبا هي ايضا هذه الازمة التي تهدد وجود الاتحاد الاوروبي وتضائل قدرة اعضائه على منح الدول العربية مساعدة اقتصادية واسعة النطاق لتساعدها على تنفيذ اصلاحات اقتصادية اجتماعية وسياسية أدى تأجيلها في الماضي الى نشوب الاضطرابات.ان الولايات المتحدة في مراحل متقدمة جدا من الجهد المضاعف لمواجهة ايران ولمواجهة الواقع السياسي الجديد الذي أخذ ينشأ في الشرق الاوسط، وما زال من المبكر ان نحدد مقدار نجاحها. ان الجهدين مختلفان في الحقيقة لكن لهما غاية مشتركة وهي حماية الحلفاء والشركاء الاستراتيجيين الذين يساعدون الولايات المتحدة على الدفع بمصالحها الى الأمام. وسيكون لنجاح الولايات المتحدة في صد الجهد الذري الايراني آثار بعيدة الأمد على طريقة نظر الدول العربية اليها وخصومها المحتملين كما كان للانسحاب من العراق تأثير في اتجاه خفض التوقعات منها والخشية من الفراغ والاضطراب اللذين تُخلفهما. ان تحدي ايران للمجتمع الدولي هو قبل كل شيء تحدٍ للولايات المتحدة. وعلى أثر الفشل الى الآن في وقف خطط ايران تجد دول في المنطقة وبخاصة السعودية واسرائيل نفسها مهددة ويضطر ردها الولايات المتحدة الى الفحص عن سياستها في هذا الشأن. وينبغي ان نعد بين نتائج هذا الفحص حدة لغة الخطابة المعادية لايران وارسال قوات عسكرية ولو رمزية الى الخليج الفارسي وتشديدها العقوبات هي وحليفاتها في اوروبا. وتُسهم المعركة الانتخابية على الرئاسة ومجلس النواب في الولايات المتحدة ايضا في انشاء تصور أعنف لسياستها بشأن الذرة الايرانية في حين لا يمكن ان يسمح الرئيس براك اوباما لنفسه بأن يظهر بمظهر المتخلي والمستعد للمهادنة بازاء التصريحات المتحمسة لخصومه من المعسكر الجمهوري.تجري الادارة في الولايات المتحدة الى جانب الموضوع الايراني جهدا للحفاظ على مواقع في دول عربية حدثت فيها الهبات الشعبية المدنية ولا سيما تلك التي يحدث فيها تبديل لنظم الحكم. والاختلاف في الظروف بين دولة عربية واخرى يوجب على الادارة ان تستعمل الأدوات التي في يدها وان تلائمها لكل دولة على حدة. وقد فاجأت الخطابة التي تبنتها الادارة نحو الرئيس مبارك كثيرين من حلفائها ولا سيما المحافظون منهم، وينبغي ألا نفترض ألا تستطيع الولايات المتحدة استعمال الخطابة نفسها اذا قويت مثلا الاحتجاجات والهبات الشعبية المدنية في دول في شبه الجزيرة العربية أو في الاردن.ولا يشير استعمال القوة العسكرية في ليبيا مثلا بالضرورة الى استعداد الولايات المتحدة لاستعمالها في حالات مشابهة، بل قد تكون أصعب وأشد، وسوريا بالطبع حالة امتحان مهمة. سيكون تقدير الادارة لاستعمال القوة العسكرية مشروطا ايضا بقرار الجامعة العربية على احلال هذا الاستعمال وبقرار مجلس الامن ايضا. وينبغي ان نفترض، كما كانت الحال في ليبيا، ان الولايات المتحدة ستريد ان تقود من الخلف في سوريا، بيد ان دول اوروبا التي منحت قوات الولايات المتحدة المظلة السياسية استنفدت في هذه المرحلة قدرتها العسكرية ولن تبادر الى دخول عملية عسكرية اخرى. ويُشك في هذه الحال في ان يريد الرئيس اوباما ان يتحمل كل المسؤولية السياسية والعسكرية عن إبعاد الاسد. ويُشك في ان تكون النقاط السياسية التي قد يحظى بها في مواجهة المرشحين الجمهوريين في السباق نحو البيت الابيض معادلة لاضرار محتملة يسببها تورط قد تتدخل فيه دول اخرى كروسيا وتركيا في الجانب السياسي على الأقل.تبذل الادارة الامريكية جهدا عظيما في محاولة الحفاظ على مواقع في المنطقة ومحاولة ضمان انشاء نظم تستطيع الولايات المتحدة ان تطور وتوجد معها حوارا استراتيجيا كما كان موجودا مثلا مع الرئيس المخلوع مبارك. والنجاح في هذه المرحلة جزئي كما تُبين الحال في العراق أو في ليبيا. فالازمة المالية العالمية تجعل من الصعب على الولايات المتحدة ان تجند الموارد الاقتصادية الضرورية لانقاذ اقتصاد مصر أو سوريا اذا تغير النظامان فيهما أو حتى في الاردن. ولهذا السبب ستحتاج الولايات المتحدة مرة اخرى الى ان تتجه الى الدول العربية المنتجة للنفط ولا سيما السعودية. وسيتأثر موقفها من توجه الولايات المتحدة في الجملة بتأثرها بتصميمها مع ايران وامتناعها عن توجيه انتقاد الى نظم الحكم غير الديمقراطية فيها.ينبغي ان نضيف الى جملة العناصر التي تبني صورة الولايات المتحدة ايضا قدرتها على ان تحرك مسيرة سياسية بين اسرائيل والفلسطينيين وعلى ان تمنع الطرفين من استعمال خطوات من طرف واحد تدهور الوضع الى العنف. وفي سياق صعوبة اقناع اسرائيل والفلسطينيين باتمام مسيرة سياسية ذات شأن، يحد السباق الى البيت الابيض حرية عمل الرئيس اوباما وستتضاعف هذه الصعوبة كلما اقتربت اسرائيل من موعد تجري الانتخابات فيها فيه. وتبذل الادارة الامريكية في مصر ايضا جهدا لمنع سوء علاقة هذه الدولة مع اسرائيل بعد ان تبين مقدار نجاح ‘الاخوان المسلمين’. وقد أجرت مصر واسرائيل الى الآن حوارا سياسيا معقولا مكّنهما من منع تدهور سياسي وربما عسكري ايضا في المنطقة. والتصريحات المعلنة لعدد من قادة الاخوان المسلمين مقلقة ونشاط الولايات المتحدة باعتبارها إشبينة رئيسة لاتفاق السلام بين اسرائيل ومصر قد يمنع تدهورا خطيرا.ان برنامج عمل مكتظا كهذا هو عبء شديد ايضا على قوة من القوى العظمى، ومن الصعب في هذه المرحلة ان نقدر نجاح المعارك المختلفة التي تُصرفها في الشرق الاوسط. ومن الواضح ايضا ان ميزان اسرائيل الاستراتيجي سيتأثر تأثرا واضحا بنجاح الولايات المتحدة، وتأتي من هنا الحاجة الى ان تساعد اسرائيل الادارة في جهودها لصوغ الشرق الاوسط في الفترة التي تتلو التمرد العربي.معهد ابحاث الامن القومي العدد 114

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية