محمد بوعبد اللهمنذ بدء القنوات الفضائية إرسال تقاريرها الإخبارية على مدار الساعة إلى يومنا هذا، شهد الإعلام العربي حربا ضروسا ومعارك طاحنة على سماء المنطقة. بين أجندات مختلفة تسعى لاستقطاب مئات الملايين من الجماهير العربية، وقد شاركت فيها أيضا دول أجنبية غربية وشرقية إلى جانب فضائيات البترودولار الخليجية، ولم تعد قناة ‘الجزيرة’ الرائدة في هذا المجال تهيمن على المشهد الإعلامي الإخباري العربي، بعد أن حققت في السابق نسب مشاهدة عالية خلال عصرها الذهبي الذي لم تسجل فيه أي منافسة حقيقية تذكر. وقد تزايد الاهتمام في الآونة الأخيرة بإطلاق هذا النوع من القنوات الفضائية بشكل مثير للانتباه، يجعل المنطقة العربية الأكثر عرضة لبث إخباري مكثف على مدار الساعة، سواء من فضائيات إخبارية ذات وزن ثقيل وبعد إقليمي، أو إخباريات محلية الطابع تبث باللغة العربية، أصبحت شيئا دارجا ومعتادا في كثير من الدول. وما يهمنا أكثر، وبشكل رئيسي، هو تلك القنوات الإخبارية العابرة للحدود، والتي سعت لمنافسة القناة الإخبارية القطرية على جمهور الإعلام الإخباري، بغرض تحقيق أهداف سياسية لهذه الدولة أو تلك، بعد أن نجحت إمارة قطر في إحراز تقدم كبير على مستوى الترويج لنفسها، وتمكنت بفضل قناة ‘الجزيرة’ من جعل سياستها الخارجية تحتل مكانة أكبر بكثير من حجم الدولة ذاتها إقليميا ودوليا، ليصبح هذا التلازم بين ثنائية الإعلام والدبلوماسية سبيلا لكثير من الدول، أبرزها السعودية بذراعها الإعلامية مركز تلفزيون الشرق الأوسط mbc، والذي أطلق قناة ‘العربية’ لكسر احتكار ‘الجزيرة’ وتحقيق نوع من التوازن الإعلامي الذي ظل غائبا عربيا، بحكم أن هذه القناة الإخبارية عززت الهيمنة القطرية بأخرى خليجية، ليبقى العرب الآخرون موضع تأثر دون أي تأثير في المقابل، بالرغم من وجود قناة مصرية متخصصة في الأخبار والبرامج السياسية. وبالرغم من أن الكثير من الدول العربية ظلت تشتكي في البداية من ما اعتبرته تدخل الإخبارية القطرية في شؤونها الداخلية، إلا أنها بقيت عاجزة عن مواجهة هذا الواقع الجديد بتأخرها في إيجاد بديل منافس قوي، إلى أن ظهرت قناة ‘العربية’ المقربة من النظام الحاكم في المملكة السعودية لكسر النفوذ القطري المتزايد، وكثيرا ما شهدت العلاقات القطرية السعودية نفسها توترا بسبب التغطية الإعلامية للقناتين الإخباريتين، ولم تنته تلك الحرب الإعلامية إلا بهدنة طويلة الأمد مهدت لها الدوحة والرياض بزيارات متبادلة للمسؤولين القطريين والسعوديين، تغيرت بعدها طريقة تعاطي ‘الجزيرة’ مع الشأن السعودي في مقابل توقف العربية عن الإساءة لقطر خلال نشراتها الإخبارية. وقد شهدنا خلال هذه الفترة إطلاق كل من إيران لقناة ‘العالم’ تزامنا مع دخول الولايات المتحدة حلبة التنافس بقناتها ‘الحرة’، حيث مثل هذا التطور أحد تداعيات التحضير الأميركي لغزو العراق واحتلاله الطارئ على المنطقة العربية، وما يسمى بالشرق الأوسط. ولم تقتصر القنوات الإخبارية الأجنبية الموجهة إلى المنطقة العربية على الحضور الأميركي والإيراني، بل سعت كل من بريطانيا وروسيا وفرنسا إلى ركوب موجة الفضائيات الإخبارية الناطقة بالعربية، في محاولة لتعزيز نفوذها السياسي بأدوات تأثير إعلامية في الرأي العام العربي، بينما دخلت كل من الصين وتركيا مؤخرا دخولا محتشما بقناتين عامتين، دون التركيز على الجانب الإخباري البحت. وفي ظل هذا التداخل بين إعلام خليجي إخباري مهيمن، وآخر أجنبي قد نصفه بالمتطفل على العرب إلى حد ما، أدرك النظام السوري متأخرا أن القناة الإخبارية حتمية فرضتها الحروب الإعلامية المستعرة فضائيا، فكان أن أطلق قناته المتخصصة في هذا المجال قبل أشهر قليلة فقط من احتراقه بربيع الثورات العربية، والتي يدور جدل كبير حولها وحول وقودها الإعلامي الذي أجج نارها، إلى حد أننا صرنا نسمع بمصطلح الفتنة الإعلامية التي جعلت الاحتجاجات تعصف بأنظمة مستبدة غير ديموقراطية، دون أن تحرج أنظمة أخرى شبيهة في المنطقة. ويبدو أن الجزائر التي تتميز بموقع إستراتيجي متميز وثقل إقليمي فريد في شمال إفريقيا، قد تأخرت كثيرا في إطلاق فضائيتها الإخبارية القادرة على المنافسة والبقاء بين القنوات المتنافسة حاليا، بالرغم من توفرها على العوامل البشرية والمادية المساعدة على تحقيق هذا المسعى، لاسيما أنها شهدت تراجعا كبيرا في وزنها الدبلوماسي التقليدي لصالح دول أخرى، وقد يكون بعض من هذا التقصير راجع إلى ضعف النشاط الدبلوماسي الفاعل من جهة، وعدم إدراك المتغيرات الإقليمية والدولية في ظل تعاظم دور الإعلام في السياسة الخارجية، من جهة أخرى. غير أن النظام الجزائري قد استشعر خطورة عدم امتلاك ذراع إعلامية في الآونة الأخيرة فقط، وقد يرجع الفضل في ذلك إلى وزير الخارجية القطري الذي أهان نظيره الجزائري في القاهرة، وهو ما أكدته مصادر عديدة ذهبت إلى أن مراد مدلسي تعرض للتهديد بأن الدور آت على النظام الجزائري. وفي هذا السياق يأتي إطلاق قناة تلفزيونية إخبارية تحت مسمى ‘نوميديا نيوز’، تيمنا باسم مملكة أمازيغية قديمة قامت في شمال الجزائر وبعض أطراف المغرب وتونس، واتخذت من سيرتا (قسنطينة حاليا) عاصمة لها. وهذه القناة سعت جاهدة إلى اعتماد شبكة مراسلين من مختلف مناطق العالم، وقد عرضت في بثها التجريبي تقارير تشكك في ما يسمى بالربيع العربي، بتسليط الضوء على علاقة مفترضة لأجهزة الاستخبارات الأميركية بتأجيج الأوضاع في المنطقة العربية. واللافت للانتباه أنه لم يتم تبني هذه القناة الإخبارية بشكل رسمي أو إلحاقها بالتلفزيون الرسمي كقناة متخصصة تابعة له، وهو ما قد يجعل هامش الحرية إحدى النقاط التي يراهن عليها النظام الجزائري في التعاطي مع القضايا الإقليمية والدولية، وربما في حروب إعلامية مقبلة، على اعتبار أن ‘نوميديا نيوز’ ليست قناة رسمية وما يتم بثه لن يكون موقفا رسميا، كما أن مراهنة القناة على عشرات المراسلين في الكثير من الدول، تعكس أن تمويلها ليس بالأمر الهين على جهة أخرى غير رسمية. ويأتي ظهور ‘نوميديا نيوز’ في ظل شبه فراغ إعلامي إخباري متخصص في منطقة المغرب العربي، لاسيما أن قناة ‘ميدي1’ المغربية قد تحولت منذ فترة إلى قناة عامة. وقد أصبح هذا الواقع الجديد باعثا لقلق مغربي من معالجة قضية الصحراء الغربية في قناة جزائرية إخبارية متخصصة، يبدو أنها تملك إمكانات ضخمة وتمويلا لا بأس به، بالنظر إلى المكاتب المنتشرة في قارات العالم وعدد من دولها المختلفة، خصوصا أن القضية الصحراوية لم تنل تغطية كبيرة في القنوات الإخبارية العربية أو تلك الموجهة إلى المنطقة، وهو ما تضمنته بعض المقالات في مواقع إلكترونية مغربية. وبغض النظر عن الموقف من الصحراء الغربية كقضية عرقلت بشكل كبير اكتمال ‘اتحاد’ الأنظمة المغاربية، فإن ‘نوميديا نيوز’ قد تكون أداة إعلامية جيدة لتمرير مواقف الجزائر من ما يحدث في محيطها الإقليمي الملتهب حولها، وهو ما لم يكن ممكنا بوسائطها التقليدية ممثلة في التلفزيون الرسمي. صحافي جزائري مقيم بإيران [email protected]