للكاتب الإسباني لورينثو سيلفا غرناطة ـ من محمّد محمّد الخطّابي: أعلن في مدينة برشلونة الإسبانية يوم 16 من الشهر المنصرم تشرين الاوّل (أكتوبر) 2012 عن فوز الكاتب الروائي الإسباني لورينثو سيلفا بجائزة ‘بلانيتا’ السنوية لعام 2012 في دورتها الواحدة والستّين عن روايته البوليسية ‘علامة خطّ الطّول’. وتعتبر هذه الجائزة الأدبية المرموقة أهمّ وأرقى المسابقات الأدبية التي يتمّ تنظيمها في إسبانيا في حقل الإبداع الروائي للعالم الناطق باللغة الإسبانية على الإطلاق، نظرا لقيمتها المادية العليا التي تبلغ (600.000) أورو إلى جانب جائزتي ‘ميغيل دي سيرفانتيس’ و’أمير أستورياس’ في الآداب الإسبانية، وهذه الجائزة مفتوحة في وجه الكتّاب الناطقين باللغة الإسبانية في شبه الجزيرة الإيبيرية و في مختلف بلدان أمريكا اللاتينية.وفازت بالجائزة الثانية (أيّ قبل الجائزةالأولى) الكاتبة الصحافية الإسبانية ‘ مارا طرّيس’ بروايتها ‘الحياة الوهميّة’ التي تحكي قصّة إمرأة في مقتبل العمر تحاول التغلّب أو تجاوز قطيعة عاطفية بعد ان هجرها خليلها،وتقول الكاتبة عن روايتها:’إنها قصّة حبّ وهجران يتطلّب إعادة النظر في الحياة من طرف البطلة، وإعادة اختراع نفسها فيها من جديد، وهي االفترة التي يتصارع أو يختلط فيها الواقع والرغبة الملحّة في التغيير، الرواية دفاع عن القدرة على الحلم المتواتر’ وهذه القصّة هي باكورة أعمال هذه الكاتبة في عالم الإبداع الروائي، والفائزة تعمل اليوم مقدّمة الأخبار في التلفزيون الإسباني.بحر هائج ..أرض ملغومة الرواية الفائزة بالمركز الأوّل هذه السنة’علامة خطّ الطّول’ ترمز إلى خطّ غنينتش ميريديان الرابط بين مدريد وبرشلونة ،وتدور أحداثها بين هاتين المدينتين وحول لاعقلانية السلطة إنطلاقا من محاورات مقتضبة ،صريحة ومركّزة تجري بين إثنين من عناصر الحرس المدني الإسباني وهما الرقيب ‘روبين بيبيلاغوا’ (ولد في منتيفيديو بالأوروغواي) ورفيقته في العمل الجافة والباردة والخجولة ‘فيرخينيا شامرّو’، حيث يقدّمان بذلك صورة حيّة للمجتمع الإسباني المعاصر ومعاناته اليومية، وتناقضاته. ويحاول الكاتب الإسباني لورينثوسيلفا إنتهاز الفرصة للصراع أوالتنافس الذي يصل حدّ التوتّرالحاد الخفيّ القائم دائما بين مدريد وبرشلونة لخلق إستعارةعن هذا التوترالذي يحتدّ طورا، ويهدأ أطوارا أخرى بين كاطالونيا وإسبانيا، آملا أن لا يكون هناك أبدا خط أحمر فاصل بينهما. كل ما يمكن أن يكون هناك هي خطوط وهمية ليس إلاّ، يقول الكاتب أنه في هذه الرواية’ يسبح في بحر عاصف هائج مزبد، ويمشي فوق أرض ملغومة محفوفة بالمخاطر والأهوال ‘ كما أن البطل عندما يسافر إلى برشلونة إنطلاقا من مدريد فإنما هو في الواقع يسافر إلى ماضيه كذلك. وهذه الرواية – يقول الكاتب-على الرغم أنها كانت تدور بخلده منذ سنة 2005 عندما كتب روايته ‘الملكة التي ليس لديها مرآة’ وعلى الرّغم أنه كتبها السنة الفارطة إلا أنها تعكس بشكل أو بآخرالدعوات والتحركات التي تشهدها منطقة كاتالونيا في الوقت الراهن الداعية إلى تنظيم إستفتاء للإ نفصال عن إسبانيا التي يقول ساستها الكتالانيون’ أنها أصبحت تثقل كاهلها’، خاصة تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الحادّة التي تجتازها البلاد في الظرف الراهن، والتي تنذر بما قد لا يحمد عقباه، يقول الكاتب الإسباني كذلك في نفس السياق’ انّ أحدا لم يكن يتوقّع هذا الغليان الهائج الذي تعرفه كاتالونيا ولو منذ ستّة اشهر الأخيرة، ويأمل الكاتب مع كل ذلك أن لا يكون هناك أبدا أيّ خطّ فاصل بين إسبانيا وكاتالونيا أو بين مدريد وبرشلونة، ويشير :’ أن هاتين الجهتين في رقعة الخريطة الإسبانية تعتبران من أهمّ المراكز الاقتصادية والثقافية والإجتماعية في البلاد، وانه يسعد كثيرا عندما يسمع في منطقة’ خيتافي’ بمدريد (التي يقطن بها) قرب المحطّة هدير القطارات في الهزيع الأخير من الليل وهي تتأهّب للإنطلاق صوب برشلونة وهي محمّلة ب’العضلات المفتولة، والدم الساخن، والعقول الراجحة للعمل بها والعكس صحيح كذلك إذ نفس الشئ يحدث له عندما يكون في برشلونة’. هذه الرواية لا تعالج بواسطة أبطالها المعضلة الإقتصادية وحسب بل إنها تتطرّق للأزمة الأخلاقية كذلك التي أمست تتخبّط فيها إسبانيا في المدّة الأخيرة.الرّواية السّوداءويقول لورينثو سيلفا : أنه لم يكن مهيّا قطّ بأن يكون كاتبا محترفا، بل إنه كان يسعى لكسب قوت يومه بواسطة أعمال أخرى، ويبدو أن الجوائز الادبية التي تتقاطر عليه هي التي جعلته كاتبا ناجحا ومتحمّسا للمزيد من الإبداع، كانت باكورة أعماله الروائية عام 1995 بعنوان ‘نوفمبر بدون بنفسج’ وقد سبق له ان فاز بعدّة جوائز أدبية أخرى منها جائزة ‘ العين الناقدة’ (عام1998)عن روايته’أرض البرك النائية’ وجائزة ‘نادال’ القيّمة في الإبداع الروائي كذلك (عام2000) عن روايته ‘الكيميائي الذي نفد صبره’ (التي نقلت إلى السينما)، وجائزة ‘نادال’ هي أقدم الجوائز الادبية في إسبانيا، حصل كذلك على جائزة ‘الربيع’ (عام2004)، عن روايته الرسالة البيضاء’ وأخيرا ‘بلانيتا’ بروايته ‘علامة خطّ الطول’ وهي أهمّها جميعا يوم 16من الشهر الحالي 2012 وكان قد احتلّ المرتبة الثانية في العام الفارط في مسابقة ‘بلانيتا’ نفسها بروايته ‘هزال البلشفي’.ولورنثو سيلفا هو ثالث كاتب يحصل عل هذه الجائزة القيّمة (بلاتيتا) برواية بوليسية أو ما يسمّى بالرواية السوداء، وهو يأتي مرتبة بعدالكاتب الإسباني الكبير ‘مانويل فاسكيس’مونتالبان’ عن روايته ‘بحور الجنوب’، والكاتب ‘فرنسيسكو غونساليس ليديسما’ عن روايته ‘مذكرات عاطفية حمراء’، وقال الكاتب: ‘إن ما يسمّى بـ’الأدب الأسود’ يعرف إزدهارا متناميا في إسبانيا، وأنه لا يتخيّل أن يمنح كاتب لهذا اللون من الأدب أيّة جائزة أدبية في هذا المستوى خارج إسبانيا .قطيعة أم إنفصالويرى بعض النقاد أنه في الوقت الذي سكتت أو صمتت أصوات العديد من الكتّاب الإسبان’سواء بخصوص الأزمة الاقتصادية الي تعيشها إسبانيا، أو بصدد الدعوات الإنفصالية لبعض الكتلانيين التي احتدّت وتصاعدت وتيرتها مؤخرا، تصدّى هذا الكاتب لهذا الموضوع بجرأة وحزم. حيث قال خلال حفل العشاء الذي نظّم بهذه المناسبة بقصر المؤتمرات ببرشلونة وحضره سياسيون ضالعون من مدريد وبرشلونة : ‘أنه يقوم بذلك إنطلاقا من قناعته أنّ الإنفصال أو القطيعة ستكون وخيمة بالنسبة للطرفين’، وقال: إننا مدعوّون جميعا لمواجهة هذه الإغراءات والدعوات، لانّ النتائج قد تكون غير محمودة العواقب وغير مرغوبة فيها من طرف الجانبين، بل بالنسبة للجميع لبيته وعمله وعائلته وحتّى بالنسبة لحبّه (لورينثو سيلفا متزوّج من كتلانية) حيث صفّق له العديد من الحاضرين بحماس منقطع النظير في حين لم يحرّك آخرون (أنصار الإنفصال) ساكنا ودخلوا في صمت رهيب أصمّ، خاصة من أعضاء الحكومة الجهوية الكتلانية الحالية، وقد فسّر’صمتهم’ بعدم موافقتهم على ما ذهب إليه، وقال الكاتب معلقا على ذلك ‘ ينبغي أن نعيش أكثر وأن نتزاور أقلّ ‘وقال مازحا ‘إن مدينة برشلونة لم تمنحه الجوائز الادبية فقط بل أعطته كذلك زوجة صالحة يحبّها كثيرا، لذا فإنه يرجو أن لا يكون هناك أبدا خطّ فاصل بين مدينتيّ برشلونة ومدريد، وأن الخطّ القائم بينهما اليوم هو خط وهمي وليس خطّا حقيقيا’. وقال رئيس مجموعة دور النشر العملاقة ‘بلانيتا’ ‘خوسيه مانويل لارا بوش’ ‘أنّ إستقلال كاتالونيا سيكون خطأ فادحا لا يمكن إصلاحه أو تداركه’ وقال كذلك: ‘في حالة إستقلال كاتالونيا عن إسبانيا أو انفصالها عنها فإنّ مجموعته سوف تبحث عن مقرّ جديد لها في أيّ مدينة إسبانية أخرى’.وقد شاركت هذه السنة في هذه المسابقة ما ينيف على 430 رواية من 19 بلدا، 238 رواية تقدّمت من إسبانيا، و82 رواية من أمريكا اللاتينية، و23 من المكسيك، و16 من الأرجنتين، و12 من كولومبيا، و14 رواية من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، و10 من البلدان الاوربية، ورواية واحدة لمرشحة أفريقية من الموزانبيق. من الروايات التي حصلت على هذه الجائزة الراقية في السنوات الخوالي: ‘الإمبرطورية هي أنت’ للكاتب خبيير مورو(2011)، و’ شجار القطط’ لإدواردو مندوثا (2010)، و’في مواجهة الرّيح’ للكاتبة أنخليس كاسو(2009) و’إخوة الحظ السعيد’ لفرناندو سافاتير (2008)، و’العالم’ لخوان خوسيه مييّاس’ (2007) . و’الكنز’ للكاتبة ماتيلدا توربين ألفارو بومبو'(2006)،كما فاز بهذا الكريم كتّاب معروفون عالميا مثل الإسباني كاميلو خوسيه سيلا والبيروفي ماريو برغاس يوسا ( كلاهما حاصلان على نوبل في الآداب) وألفريدو برايسي إتشينيكي(البيروفي كذلك) والإسبانيان أنطونيو غالا، وخورخي سيمبرون، وسواهم .ولد الكاتب لورينثو سيلفا في مدريد عام1966، ويعيش بين مدريد وبرشلونة، إشتغل بالمحاماة ثم سرعان ما هجرها، وبدأ الكتابة في الخامسة عشرة من عمره، ونشر بعض القصص في تلك السنّ المبكّرة التي كانت تبشّر بولادة كاتب مقتدر، وبحصوله على هذه الجائزة الأخيرة تتأكّد إرهاصات وتنبّؤات النقاد بشأنه.