تعرّفتُ إليها على صفحة صحيفة إلكترونيّة، كنت أجهل أنّها تخبّيء إسماً كبيراً! استفزّني العنوان فقط، ثُم ّتابعتُ من خلال المقالة، هجومها المُنسّق ببراعةِ وعدوانيّةِ صقرٍ جارح، على كاتبٍ ضحيّة، كنت أجهل إسمه، هوالآخر، المناورات الرشيقة والهجوم المباغت، ذكّرتني بتوجيهات المدرّب، في دورة فنون قتاليّة، كنتُ قد شاركتُ فيها، ولكنّي في النّهاية استصغرتُ الأمر كُلّه، فالهجوم الأنثوي، غيرُ مؤذٍ، ولا يمكن أخذه على محمل الجد! لا زال هذا انطباعي الّذي لا يتغيّر، على الرغم من أنّ أحد المجنّدين المصريين، روى لي أنّ احد المجنّدات الإسرائيليات، كادت تقضي عليه بيديها العاريتين، وهو يحاول أسرها، بعد أن جرّدها من السلاح، ولولا أنّهُ فلّاح ابن فلّاح، هكذا قال، لقضت عليه! وكلّما استرسلتُ مع السطور، استعدْتُ صوراً من دورة الفنون القتاليّة تلك، فقد ارتأى المدرّب، أن تواجه الفتيات الرجال، لن تواجهي هجوماً من امرأة: قال، مفضّلا صيغة المفرد، سيكون من يهاجمك رجُل، وإذا لم تكوني قادرة على مواجهته في الحلبة، فلن تواجهيه في واقع الحياة، سيقتلكِ ويغتصبكِ!رأيت وجوه الفتيات تكتسي بجديّة مفاجئة، وهن يشدُدن قبضاتهن استعداداً للمواجهة، وأخيراً صاح المدرّب: سامي، عائشة! هيّا!
سامي هذا كنتُ قد واجهته، في جولة سِجال، وكاد أن يُحطّم ظهري، بركلة دورانيّة! ودعوْتُ الله أن لا تأخذه العزّة بركلته ويوجّها إلى ظهر عائشة اللين الرقيق، الذي كنت أحياناً أتأمّلُهُ خلسة، أثناء التدريب!
أثبت سامي رجاحة عقلٍ نادرة، فقد كان يتلقّى لكمات عائشة المتهوّرة، دون أن يردّها، كان يتركها تطيش فقط، هكذا يجب مواجهة الأنثى، بمثاليّة ونُبل، هذه هي عقيدتي الراسخة! لم أكن لأخمّن كيف سيكون رد فعل الكاتب الضحيّة، ولكن عليه أن يحذو حذو سامي، إذا أراد أن يحتفظ بوقاره!
فرشنا بيننا مساحة من الود، عبر الرسائل الإلكترونيّة، لم يُقدّر لها أن تدوم طويلاً، رُبّما ضاقت ذرعاً، بتضميناتي الدينيّة، ورُبّما كان شيئاً آخر، لا أستطيع الجزم على وجه الدقّة.. فضاءُ الكتابة يُشعل شرارات الخصومة، خاصّةً حين نكون معبّئين بأيديولوجيّة سياسيّة!
التخندق أصبح مرضاً مزمناً، لدى المُثقّفين والكتاب، بالنسبة لي هناك مواقف لا أستطيع التنازل عنها، فأنا مثلاً أحبّ الجنرال فرانكو، لقد مسح ظهورنا بكفٍّ حنون، أقصد الفلسطينيين والعرب على وجه الضبط، بالنسبة ليساري تقليدي، فهذه خطيئة، ليس لأنّها خطيئة حقّاً، ولكن لأن ّأدبيّاته السياسيّة تقول ذلك، تشاجرنا حول رموزٍ معيّنة، أو أيقونات كما تُحبّ هي أن تسميّها، من الصعب أن نلتقي حول ذلك !كونها فنّانة تشكيليّة، رُبّما يرخي ظلاله على مواقفها، أمّا أنا فمحطّم أصنام، فكيف سيلتقي إزميل النّحات مع فأس المدمّر؟! بجماليون فقط فعل ذلك!
الموقف من الثورات العربيّة، السوريّة على وجه الخصوص، كل الأمور الّتي تضعك في حيرة، لقد أصبحنا نتوقّف في محطّات كثيرة، حتى في تواصلنا الفردي، فإذا كان الأمر يتعلّق برجل وامرأة، أضحت الجفوة أكبر، ورد الفعل أكثر حدّة، في حين أنّ العكس ينبغي أن يكون صحيحاً، في هذا الجو المأزوم أصبحت العلاقة الشخصيّة، أشبه بسباق حواجز، عندنا فقط يحدث هذا، إنّها أزمة تطوّر، فنحن لم نعثر بعد على شخصيّتنا الفردية، لا زلنا مرتهنين للأحكام العامّة!المعياريّة القاتلة!
لا أستطيع أن أصدّق، أنني التقيت بعد ذلك بامرأة أوروبيّة، لم تسألني عن شيء، أي شيء، قالت فقط إنّها ترتاح لصحبتي، وأنّني يمكن أن أكون صديقاً مثاليّاً!لن تصدّق كم أسعدني هذا الكلام! الكلام المجرّد من أي التزام، باستثناء الشعور الفردي، ذلك الصوت الغامض القادم من الأعماق، لقد جرّبتُ أن أمتحنها بكل الطرق، قلت لها أنّني مسلم متديّن، قالت إنّ ذلك لايعني شيئاً، ما دمت أنا ما أنا عليه فعلاً! أليس ذلك جواباً عبقريّاً؟! لم أستطع أن أقاوم غواية المقارنة، ومع ذلك فأنا منحازٌ بطريقة ما، إلى اللحم والدم، إلى امرأة من طينتي، فحتّى الشجار ممتع، باللغة الّتي تحبّها، ولكنّ ذلك غير كافٍ على أيّة حال!علينا ن نكبر قليلاً، أن نتحرّر من النماذج الفكريّة الّتي استعبدتنا طويلاً، أن نضع خلفنا، عُمُراً من المراهقة الفكريّة، والعاطفيّة أيضاً، تصوّر أنّ مقالة واحدة، كتبتها امرأة ما، كاتبة ما، قد فتحت الباب، لكُلّ تلك التساؤلات!
نزار حسين راشد