د. مثنى عبدالله في أيام المحن الصعبة، وعندما تصبح الشعوب وجها لوجه أمام مصائرها، تنهض النفوس الكبيرة على مستوى الاشخاص والاحزاب والهيئات الوطنية الصميمية، لمواجهة أفرازات الاوضاع الشاذة من خلال تحفيز القيم الانسانية في المجتمع، وتحشيد الصور التاريخية المضيئة كي تكون منارات في دروب المواجهة الجديدة. وليس غريبا أن يتوسل البعض بوسيلة واحدة لمقاومة الوضع الشاذ أو أن ينحرف مسار هذا أو ذاك في زمن المواجهة، تبعا لمقياس الايمان والمقدرة على الصبر والمطاولة، لكن من تبقى بصماته واضحة في التجربة هو من يُسخّر كل الوسائل لتحقيق الهدف، ويُبقي على خط بيانه النضالي في حالة أرتفاع دائم من خلال التغلب على المصالح والمساومات الانية الرخيصة. واذا كان النهوض العراقي مُبهراَ في وجه الغزو والاحتلال منذ الايام الاولى، على الرغم من الظروف الدولية والاقليمية الضاغطة التي جرّدت تلك المقاومة من أي دعم خارجي أو غطاء استراتيجي، فإن مسيرة السنوات الماضية منذ التاسع من نيسان في العام 2003 وحتى اليوم، باتت كفيلة بالحكم على من أخفق لأسباب ذاتية أو موضوعية وأنزوى بعيدا عن ساحة المقاومة، أو من أرتمى في أحضان المحتل والسلطة من أجل غنيمة منصب أو جاه، وعلى من أستمر في خندق المقاومة والصمود على الرغم مما واجهه في هذا الطريق من صعاب. ولقد كانت هيئة علماء المسلمين في العراق أحد أبرز الاشرعة التي أبحرت في المواجهة غير المتكافئة على الساحة العراقية، لكنها سجلت نجاحاَ باهراَ في تحشيد الرأي العام في العراق نحو هدف التحرير، ساعدها في ذلك عدم وجود خلفية سياسية حزبية لها ووضوح موقفها أمام الهدف، مما سهل أيصال رسالتها الوطنية الى كافة قطاعات المجتمع العراقي، ووسّع من نطاق حاضنتها الشعبية التي أسبغت عليها قدرة كبيرة في التحرك. وبقدر ما كان ذلك يعد نجاحاَ لها وشعبية مكتسبة لخطها الوطني، فإنه في نفس الوقت القى على كاهلها مسؤوليات كبرى في البحث المستمر عن أساليب ووسائل جديدة، تستطيع بها أدامة الزخم المقاوم وتفعيله على المستوى العملياتي والسياسي، على الرغم من ضعف الامكانات المادية واللوجستية. كما أن هذا النجاح ضاعف من مساحة جبهة المواجهة لها مع الاعداء سواء مع المحتل الامريكي أو السلطات الحاكمة، بعد أن وجدوا فيها خطرا حقيقيا على مسيرتهم، من خلال أختراقها للتوزيع الطائفي الذي مارسوه في المجتمع، وتصديها الشجاع لكل الممارسات السياسية التي أراد المحتل من خلالها أيهام الشعب العراقي بشرعية الغزو، والتبشير الكاذب بمستقبل زاهر من خلال (علم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرف). ولقد أنطلقت حملات التشهير والتشويه ضد الهيئة وأعضائها بعد أن فشلت كل محاولات حرف مسيرتها الوطنية والتأثير على مواقفها، واستدراجها الى معسكر المؤيدين للعملية السياسية، حيث تسابق المحتل وأعوانه في السلطة الحاكمة على أتهام عدد من أعضائها وأصدار مذكرات القاء القبض عليهم بتهم باطلة، كما تعرضت وسيلتها الاعلامية (قناة الرافدين الفضائية) الى محاولات متكررة لاسكات صوتها للحيلولة دون أستمرار فضحها للمخططات الاجرامــية التي ينفذها المحتل وأعوانه، وقد ترافق كل ذلك بمحاولات مستميتة من قبل قوى الاحتلال على منع التواصل العربي مع الهيئة من خلال الضغط على بعض الجهات الرسمية العربية. بل أن السلطات الحاكمة في العراق حاولت حتى بوسائل هابطة النيل من أعضائها بغرض تشويه سمعتهم لإيقاف تأثيرها الفاعل في المجتمع، كما كان أستهداف أعضائها من أئمة وخطباء المساجد من خلال الاعتقال والتعذيب والقتل دليلا واضحا على المحاولات المستمية لاسكات صوتها. لقد تبنت الهيئة منذ تشكيلها وبصدقية عالية خطاباَ وطنياَ لايعترف بالمسميات الطائفية والاثنية والدينية، وحرصت على أن يكون مجال عملها كل جغرافية الوطن، أنطلاقا من أيمان راسخ لديها بأن كل الوطن هو ضحية الاحتلال، وأن لا وجود لمستفيد بين صفوف الشعب العراقي من كل القتل والدمار الذي يجري، بل أن الصفة التي يجب الانطلاق منها في العمل هي المأساة التي أصابت العراقيين جميعا والتي باتت القاسم المشترك الجديد بينهم. لذلك تبنت خطة واضحة للدعم وللوقوف مع الفئات الاجتماعية التي أصابها الضرر من جراء سياسات المحتل وحكومته، وأيصال صوتهم الى الرأي العام والمنظمات الدولية والاقليمية، بعد أن اثبتت قدرة فائقة على رصد ممارسات المحتل وأعوانه من أزلام السلطة، من خلال لجانها المنتشرة في كل المدن العراقية القادرة على الوصول الى كل الشرائح بمساعدة المساجد والحواضن الشعبية. كما أن حرصها على الرصانة والمصداقية في حصر أعداد الموقوفين والمعتقلين وتسجيل المداهمات من خلال البيانات التي تصدرها، جعلها مصدرا مهما في توثيق المأساة التي تجري على أرض الوطن، وعامل ضغط حاسم في أتجاه تشكيل رأي عام لتجريم الغزو والاحتلال ووضع أسس قانونية لتعويض كل الضرر الذي تسببت به هذه الجريمة. لقد حاربت الهيئة بضراوة بالغة كل الدعوات التي أنطلقت لتقسيم الوطن تحت مسميات الفدرالية والاقاليم، ولم تأخذها في قول الحق لومة لائم حتى عندما صدرت هذه الدعوات من أطراف قريبة منها، وكان شعار الوحدة الوطنية والعمل من أجله أبرز السمات التي ميزت عملها. كما كان أعلانها الواضح بأن من يدعون التمثيل لطوائف المجتمع وقومياته هم أبعد ما يكونوا عن الشعب، برهان أكيد على نظرتها الثاقبة للمجتمع وأن خيارها العمل في الخندق الوطني هو خيار أستراتيجي لن تحيد عنه، وهذا ما أكده زعيمها الشيخ حارث الضاري في أحاديثه الصحفية الاخيرة، الذي سجل دراسة واقعية وعلمية للواقع العراقي وللعوامل الضاغطة والساندة فيه، وتأثيرات الحراك السياسي الجاري في دول المحيط على مستقبله وعلى فاعلية المقاومة على ارضه. أن هيئة علماء المسلمين في العراق وباعتبارها فصيلا بارزا من فصائل المقاومة العراقــــية، ومصدرا من مصادر نشر الوعي المقاوم في صفوف الشعب العــــراقي، مطلــــوب منها أن تتخلى عن الحساسية المفرطة في طلب اللقاء بصناع القرار في الوطن العربي، فالمبادرة منها مطلوبة لان البقاء في حالة انتظار ليست في صالح الوضع العراقــي، خاصة وأن الطرف الحكومي يحاول جاهدا أحداث اختراق في المحيط العربي، مستغلا الوفرة المالية التي لديه وعلاقاته بالقوى الكبرى المؤثرة في السياسة العربية. فالحراك السياسي الجاري اليوم في المحيط العربي أوجد حيزا مهما يمكن أن تدخل فيه الهيئة بشاط كبير، وتكسب مزيدا من التعاون والتعاطف للقضية العراقية، مما يمكنها من المشاركة في صنع سياسة عربية تجاه العراق ولمصلحة شعبه. كما أن أستغلال وسائل الاعلام العربية المرئية والمسموعة والمقرؤة من قبل أعضائها بات مطلوبا خاصة في الظــــرف الراهـــن، كي لاتتراجع قضيتنا في سلم الاولويات على الساحة، أكثر مما أصابها في الفترة الاخيرة.’ باحث سياسي عراقي