بيروت ـ من زهرة مرعي: الطبعة الخامسة من كتاب ‘ع غ تتفرس’ صدر مؤخراً فيما الطبعة الأولى تعود لسنة 1980. نصوص الأديبة غادة السمان حتى تلك المشغولة كتحقيق صحافي تنال إعجاب القراء، وتعاد طباعتها، فتحقيقاتها الصحفية منسوجة بخيوط فيها روائية كامنة كانت قد وجدت لذاتها حيزاً واسعاً بين الأدباء في سنة 1980. وفي تحقيقاتها تلك كانت تبني موقفاً مباشراً وواضحاً من الكثير من القضايا الإنسانية والاجتماعية. كما وكانت المحقق الذي لا يكل في البحث عن الحقيقة، وعن قراءة ما خلفها.اللافت في هذا الكتاب أن نصاً عن البوم من تسع صفحات يتصدره. في هذا النص دافعت غادة السمان عن البوم الذي هو شعارها، وطائرها المفضل، والهدية الأكثر المفرحة التي يمكن أن تتلقاها. وفي العنوان وصفت البوم بأنه ‘رمز لضحايا الخرافات المتوارثة’! وكعادتها في تحجيم السيئ وغير الصحيح وغير المجدي من الموروثات، فهي وجدت نفسها تتحدث بحرارة عن البوم: لأنه مثال بسيط على أن الأفكار السائدة المتوارثة ليست بالضرورة صحيحة، ابتداءً من أفكارنا عن البوم ومروراً بأكثر معتقداتنا المتوارثة في الحقول الأخرى كلها، كالسياسة والاقتصاد والتاريخ والدين والجنس… وحين تدافع غادة السمان عن فكرة هي على قناعة بها نجدها تبذل كل جهد في البحث عن دليل تاريخي أو علمي يدعّم ما تقوله. ‘في ع. غ. تتفرس’ العديد من النصوص الجميلة لفتني فيها لقاؤها سنة 1968 بعميد الأدب العربي طه حسين في بيروت وعلى متن باخرة مرّت ترانزيت في مرفأ المدينة. كان لقاء ‘مع رجل غير عادي، تمّ زرعه عبر الأعوام في نفوسنا بطريقة غير عادية، لا يمكن أن نتخيل معه إلا لقاء كهذا له طعم الأسطورة، في المنطقة الحرة، وعلى متن باخرة سترحل بعد قليل..’في الأعمال غير الكاملة نجد غادة تحتفل بنصها. تضعه على الورق بأجمل الصيغ والإخراج. تقدمه بحلة بهية للقارئ بحيث يقبل عليه بحب كامن لكاتبته، وبراحة نفسية. الأديبة الأنيقة في كلمتها، الجسورة في أفكارها تقدم ما تريده للقارئ بأجمل حلة ممكنة. وتحرص على وجود صفحة تسبق كل نص مذيلة بأقوال مختارة لمشاهير من العالم.ع.غ. تتفرس كتاب من 250 صفحة يحمل بين دفتيه متعة التعرف إلى أفكار كثيرة للأديبة الأكثر غزارة في عالمنا العربي. هي أفكار تكسر الجامد من موروثاتنا، وتتبصر فيما يواجهنا من تحديات يطرحها علينا العالم في كل لحظة. في هذا الكتاب نقرأ غادة السمان الصحفية بقلمها الذي يشرب من نبع أديبة بدأت واستمرت مميزة.