نحو استراتيجية شاملة لحل القضية الفلسطينية

تحركت الولايات المتحدة في اتجاه التقريب بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي لإدراكها بأنه حان الوقت كي يتوصل الطرفان إلى حل مقبول للصراع الذي استمر أكثر من ستين عاما.
وتمكنت الولايات المتحدة من جمع الطرفين في التاسع والعشرين من تموز/يوليو عام 2013 في مباحثات مباشرة .بعد جهود بذلها وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري».
وقد عين «مارتن إنديك» سفير الولايات المتحدة السابق في إسرائيل ليكون مراقبا لهذه المباحثات.
وكان المتوقع أن تستمر المباحثات حتى شهر حزيران/يونيو من عام 2014 على أن يصل الطرفان إلى اتقاق بحلول التاسع والعشرين من شهر نيسان/إبريل. لكن المباحثات لم تصل إلى غايتها، وعند ذلك لم يتردد مندوب الولايات المتحدة «مارتن إنديك» في توجيه اللوم مباشرة للجانب الإسرائيلي وهو موقف لم يكن معهودا من قبل.
وكان الطرفان قد قدما تنازلات قبل بدء المباحثات، إذ تعهد الجانب الفلسطيني بوقف التحرك نحو المجتمع الدولي من أجل الحصول على مساندة واعتراف، وأما الجانب الإسرائيلي فقد تعهد بإطلاق سراح أكثر من مئة سجين فلسطيني ظلوا في السجون الإسرائيلية منذ عام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين حيث وجهت لعدد منهم تهمة اغتيال مواطنين إسرائيليين.
وكانت إسرائيل قد وعدت من قبل بإطلاق سراح هؤلاء الأسرى ولكنها لم تف بوعدها ..
ويقول بعض المراقبين، حتى لو أطلقت إسرائيل سراح هؤلاء الأسرى فليس هناك ضمان في ألا تعود مرة أخرى لاعتقالهم، وتتذرع إسرائيل ـ عادة – بعدم اطلاقها للسجناء بأن ذلك خشية أن يعودوا إلى أعمالهم السابقة. مرة أخرى
وخلال أكثر من تسعة اشهر التقى «جون كيري» الرئيس «محمود عباس» نحو أربع وثلاثين مرة، كما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» نحو سبعين مرة.
وفي التاسع والعشرين من شهر تموز/يوليو عام 2013 بعد أن التقى الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني في واشنطن، قال الرئيس عباس إنه عند الوصول إلى الحل النهائي فإن الفلسطينيين لا يريدون أن يروا جنديا إسرائيليا واحدا فوق الأراضي الفلسطينية، ولم يعجب هذا التصريح المسؤولين الإسرائيليين الذين اتهموا الرئيس عباس بأنه يتخذ موقفا تمييزا ضد اليهود، مع أن كلام عباس كان واضحا بأنه يريد تحريرا كاملا لبلاده.
ومع استمرار المباحثات طالب الرئيس عباس الولايات المتحدة بأن ترفع مستوى تدخلها في المباحثات أملا في أن يكون ذلك دافعا قويا في تليين المواقف الإسرائيلية من أجل التوصل إلى تسوية، وكان الرئيس عباس يريد من الولايات المتحدة ألا يقتصر دورها فقط على مراقبة المباحثات بل أن يتجاوز ذلك بأن يصبح دورا مؤثرا لدى الجانبين..
وفي العشرين من شهر آب/أغسطس طالبت إسرائيل الولايات المتحدة بدعم الحكومة العسكرية في مصر قائلة إن الفشل في ذلك سوف يؤثر سلبا على سير المباحثات، وهي مباحثات لم تظهر لها أي نتائج إيجابية ما جعل الرئيس محمود عباس يقول، لم تحقق المباحثات أي تقدم في الأيام الأربعة الأولى من بدئها، على الرغم من أنه كان على استعداد لمناقشة حق الفلسطينيين في العودة، وأيضا مناقشة رأيه الأول بشأن الوجودالعسكري الإسرائيلي. والتعديل الذي طرأ على موقف الرئيس عباس يتركز في عدم ممانعته في دخول اليهود للأراضي الفلسطينية من أجل العمل والتجارة أو السياحة، لكنه يعترض فقط على مجيء الجنود الذين كانوا جزءا من الاحتلال.
وفي الخامس من شهر ايلول/سبتمبر عام 2013دعا «نبيل شعث» إلى أن تقدم إسرائيل عروضا جديدة على مائدة المباحثات مؤكدا على ضرورة المشاركة الإيجابية «لمارتن إنديك» وأن الفلسطينيين لن يقبلوا حلولا مؤقتة لقضيتهم.
وفي الثامن من شهر ايلول/سبتمبر اتهم الإسرائيليون الجانب الفلسطيني بأنه يسرب بعض المعلومات عن المباحثات التي يجب من وجهة نظرهم أن تكون سرية . وقالوا إن كثيرا من المعلومات التي سربها الفلسطينيون لم تكن صحيحة.
وفي السادس والعشرين من ايلول/سبتمبر تحدث الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مرحبا بالمباحثات ومنتقدا سياسة إسرائيل في الاستمرار في بناء المستعمرات السكنية.
ولم تعجب هذه المواقف جميعها حركة «حماس» التي طالبت هي وحركة «الجهاد» بانتفاضة ثالثة ضد الوجود الإسرائيلي، وقد وصفت حماس المباحثات الإسرائيلية الفلسطينية بأنها غير مجدية ولا تحقق أغراض الفلسطينيين.
وفي الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» بصورة قاطعة حق الفلسطينيين في العودة. وأكد على أن القدس ستظل دائما مقسمة.
وفي السادس من تشرين الثاني/نوفمبر رفض الإسرائيليون بصورة كاملة العودة إلى حدود عام 1967. مؤكدين أن حائط الفصل العنصري سيكون دائما هو الحدود.
ولدى هذا الإخفاق قرر الجانب الفلسطيني في الرابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر مغادرة المفاوضات.
وفي الرابع من كانون الأول/ديسمبر أبلغ «صائب عريقات» وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري»، أن المباحثات مع الإسرائيليين تنهار ودعا الأمريكيين كي يقوموا بدورهم.
وفي السادس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر حاول بعض وزراء «الليكود» تمرير قانون يضم وادي الأردن إلى إسرائيل.
وفي الثلاثين من كانون الأول/ديسمبر أعلن «صائب عريقات» أن مباحثات السلام قد فشلت، وقال إن حرمان الدولة الفلسطينية المنتظرة من حدود مع الأردن هو إجراء «أبارثيد» عنصري. واتهم صائب عريقات إسرائيل بأنها تهدف إلى تدمير حل الدولتين وقد رفض «عريقات» استمرار مباحثات السلام إلى ما بعد فترة الأشهر التسعة التي قررت لها.
وفي الخامس من كانون الثاني/يناير قال المتشددون في حكومة «نتنياهو» بأنهم سينسحبون من الحكومة إذا قبل «نتنياهو» الانسحاب إلى حدود عام 1967
وعلى الرغم من ذلك، فهناك آراء تقول إن التأييد لحل الدولتين بلغ خمسة وثمانين مقابل خمسة وثلاثين في الكنيست. وإزاء هذا التعنت الإسرائيلي المستمر توصل وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» إلى أن هذا الوضع لن يؤدي إلى أي تقدم في المفاوضات وقد يؤدي إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة.
ويقول كثير من المراقبين إن إسرائيل ليست جادة في عملية السلام وهي تستخدم المباحثات كوسيلة لتغطية أهداف أخرى على الرغم من وجود مناخ دولي لا يساعد على ذلك.
وذلك ما دفع حماس في مصالحتها الأخيرة مع فتح إلى إعلان المبادىء نفسها التي ظلت متمسكة بها.
ويبدو من كل ذلك أن إسرائيل لم تعد حتى الآن تأخذ وسيلة المباحثات من أجل حل الدولتين مأخذ الجد، فهي بكل بساطة لم تفكر في كيفية حل هذه القضية، والمطلوب الآن هو استراتيجية دولية وعربية شاملة تضع إسرائيل أمام مسؤوليتها من أجل إيجاد حل شامل لقضية الفلسطينيين.

٭ كاتب من السودان

د. يوسف نور عوض

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية