مروان العياصرة تغرينا دائما الكلمات الكبيرة، وقبل ذلك تغري هذه الكلمات الكبيرة المتحدثين من ذوي ربطات العــــنق وهم متكومون خلف متاريس من الميكروفـــونات، بأبهة عالية مع (سحنة) توحي بالجدية والصرامة والهيـــبة، وخطابات شوفيــــنية متواطـــــئة مع الحالة الرسمـــية، ولعل الكثير يتساءل باستمرار كيف يتحول إعلامي أو مثقف ابتــــدأ وعيه السياسي معارضا، ثم ما لبث بضع مناصب حتى تحول إلى شوفيني حكومي رسمي لاحقا. وبحسب الدكتور عبد السلام المسدي في كتابه (فضاء التـــأويل)، فإن الذين يرتقون إلى سدة القرار من بين المثقفــــين قلما نراهم في وطننا العربي يصمدون أمام إغراءات المناصب، لا يلبثوا أن يخلعوا أرديتهم الفكرية ليلبسوا جلابيب المهابة الطارئة، فهم أيضا بحسب ميشــــال فوكو ليسوا سوى مثقفين يتحركون في موقع الحاجات الطارئة.إذا كان التعاطي السياسي كثيفا وفاسدا، فإن التعاطي الثقافي الموازي أيضا كثيف وفاسد أحيانا أو غالبا ما يكون فاسدا، والسياسيون الذين أصيبوا بداء الثقافة، أنتجوا بنفس مقدارهم وأكثر مثقفين أصيبوا بداء السلطة، ولعل الجدل الفكري بين السياسي والثقافي عميق حضاريا وفكريا بحيث لا تبدو الوطنية على سبيل المثال لا الحصر، قاسما مشتركا بين الطرفين النقيضين وغير النقيضين في آن واحد (السياسي العملي، والثقافي النظري الذهني)، فالوطنية في هذا المجال ليست سوى ملاذ أخير لكل نذل بحسب المثقف صمويل جونسون الذي أصيب في مقتبل عمره بداء الملك (الخنازيري)، وقد حملته أمه في رحلة إلى لندن لكي تلمسه الملكة ليبرأ من مرضه، وحين عوفي، كان قد دفع ثمنا لهذا الداء عينا وأذنا، فقد اثنتين من حواسه وأصبح بعين واحدة وأذن واحدة، وما أكثر المثقفين الذين لا يرون إلا بعين واحدة، ولا يسمعون إلا بأذن واحده، وبالطبع جونسون ليس منهم، إلا أنه فقد ما فقد ربما ليقدم لنا نظرية الوطنية حين تكون مصابة بداء الملك.أي مثقف اليوم يستطيع أن يقول الحقيقة على حقيقتها، للذين لا يرونها وباسم الذين لا يستطيعون قولها في الوقت الذي لا يسمح فيه أن يقال (الملك عاري )..؟ لقد تشكل هذا السؤال من وحي استدراك ميشال فوكو على جيل دولوز في حوارهما الشيق والعميق حول العلاقة بين المثقفين والسلطة، هل فعلا اكتشف المثقفون كما يقرر فوكو – أنهم لم تعد الجماهير في حاجة إليهم، لكي تعرف أكثر..؟، لأن الجماهير تعرف تماما ما يجب أن تعرف، لكنه (نظام من السلطة يعيق ويمنع ويعرقل هذا الخطاب وهذه المعرفة.. سلطة يشكل المثقفون أنفسهم جزءا منها.. ودور المثقف ليس أن يتموقع هناك إلى الأمام قليلا أو إلى الجانب شيئا ما من اجل أن يقول الحقيقة الخرساء، عليه بالأحرى أن يصارع ويناضل ضد أشكال السلطة).لقد استطاعت الجماهير أن تختبر المثقفين تماما، وتختبر النظرية الثقافية التي انتقلت من خارج الإطار السياسي إلى داخله، فحين وضع دافيد ايستون وهو ابرز محللي النظم السياسية، وصاحب النموذج التحليلي المعــــروف باسم نموذج ‘المدخلات والمخرجات، لم يضع ضمن مجموعة علاقات الظاهرة السياسية المتداخلة والمتــــفاعلة المكون الثقافي تحديدا إلا بوصفه جزء متماهيــــا في المدخلات العامة، وليس بوصفه من مخــــرجاتها، لكنه حين تحول إلى مخرج من مخرجات الظاهرة السياسية بدأ بفقدان اتجاهه، وبدأت الجمــاهير تكتشف أن المعالجات السياسية للمكون الثقافي أفقدته دوره وتأثيره فيها، وربما هذا ما يعزز ما أقره فوكو من اللاجدوى من المثقف جماهيرا، وأن الأمر الوحيد المطلوب منه حاليا هو أن يتحمل هامشيته وعزلته، كما يقول رولان بارت.السؤال الأخير، أية مرجعية تقود أنظمتنا الحاكمة، هل هي مرجعية ثقافية أم دينية أم تاريخية، أم أخلاقية إنسانية..؟ كل هذه المرجعيات تشوهت بفعل (سلاطة السلطة، وقحة القدرة)، فهي تمتلك من القدرة ما تستطيع بها أن تتحول إلى نظام إكليروسي جديد، لا يؤمن إلا بالطاقة القصوى للسلطة على الأفراد والأفكار، دون الحاجة إلى سلطة المرجعيات، وإن احتيج لهذه المرجعيات فيتم إعادة إنتاجها بوصفها مدخلات هامشية متماهية في النسق العام للرأي العام، فكم ثورة نحتاج لكي تعود المرجعية الثقافية من منفاها السياسي..؟.’ كاتب اردني