د. سهير ابو عقصة داود احتفلت هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية الامريكية بانتهاء عهد القذافي بعد مصرعه اكتوبر 2011 مؤكدة من جديد استراتيجية القوة الذكية كاساس لسياسة الولايات المتحدة الخارجية في عهد اوباما والتي ترتكز على اشراك الحلفاء في المهمات الدولية وعدم التصرف بفردية، لتحاشي تكرار فشل امريكا في العراق، والتأكيد على القيم الامريكية ونشرها في العالم. وكان بروفيسور جوزيف ناي (جامعة هارفرد) قد اطلق هذا المصطلح مؤكداً ان القوة القاسية المتمثلة بالقوة العسكرية والاقتصادية مهمة ولكن غير كافية لتحقيق الاهداف الامريكية الخارجية وان مزج القوتين هو الامثل وهكذا ولد مصطلح القوة الذكية الذي تبناه اوباما كمحور اساسي لسياسته الخارجية. ولكن الى هل حقق اوباما فعلا اهدافه وهل كانت سياساته في الشرق الاوسط ذكية فعلاً؟ وتحسين صورة الولايات المتحدة لدى شعوب الشرق الاوسط والعالم الاسلامي بشكل عام احتلت مكانة خاصة لدى اوباما وجاءت الثورات العربية فرصة سانحة لهذا التوجه الجديد. لكن المثير، ولكن ليس ابداً بغريب، هو ان السياسة الامريكية القائمة على الكيل بمكاييل عدة وعلى النفاق استمرت وبشكل فاضح ومتناقض فقامت ادارة اوباما بعد اسابيع قليلة من نجاح مشروع ليبيا بتجميد الميزانية المخصصة لليونيسكو التي كانت اول ذراع للامم المتحدة يعترف بدولة فلسطين. واستمرت هذه الادارة بالدعم غير المشروط لاسرائيل وسياسات الاحتلال، رغم التوتر الكبير الذي ساد علاقة الرجلين الاولين في الادارتين الامريكية والاسرائيلية: اوباما ونتانياهو، توجها اوباما بدعم نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس الامر الذي لم يتجرأ اسلافه على فعله .وكان استاذ هارفرد جون مئيرشايمر واستاذ جامعة شيكاغو ستيفان والت قد ناقشا في مقال مثير للجدل عام 1996 (توسع لاحقا ليصدر كتابا) ان حجر الاساس لسياسة الولايات المتحدة الخارجية هو دعم اسرائيل وهذا بفعل تأثير جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة خاصة اوبيك وان هذه السياسة تضر المصالح القومية للولايات المتحدة. فالذهاب الى العراق ليس مصلحة امريكية ولكن اسرائيلية وحماس وحزب الله لا يهددا مصالح امريكا بل اسرائيل. وبينما هناك الكثير من الصحة في هذه الادعاءات الا ان اسرائيل ليست العامل الوحيد في فعل هذه السياسات. فالولايات المتحدة لها مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في العراق مثلا المتمثلة اساسا في النفط. وفي صلب مشروع الولادة الامريكي العدوانية والتوسع واستغلال الشعوب من جهة ومن جهة اخرى التحالي بالقيم وبوجوب نشرها او فرضها على الشعوب القاصرة. (والمثير ان التاريخ الروسي التوسعي ليس افضل حالا ومن هنا يجدر عدم زج الشعوب العربية في لعبة ‘الكبار’ والى التيقظ ان دعم الكبار لهذا او ذاك الطرف لا تدين ولا تدعم شرعية احد لان لهؤلاء حســـابات مختلــــفة ولأن دعم الكبار قد يتغير فجأة فرغم ان الولايات المتحدة كانـــت اول من اعترف بدولة اسرائيل في تصريح بعد 6 دقائق من اعلان قيامها الا ان الاتحاد السوفياتي كان اول من اعترف عمليا بدولة اسرائيل.ان سياسة اوباما الذي هلل له الكثير من العرب، ومنهم مثقفون ومحللون ومنتفعون في واشنطن ومراكز اخرى تدعي الديمقراطية وحقوق الانسان، قد فشلت لأنها لم ولا تقنع احدا بأنها تغييرا جديا في السياسة الخارجية العامة للولايات المتحدة فالذبذبة والتردد الامريكيين في التعامل مع الثورة المصرية تحسب ضده والكيل بمكاييل عدة بالذات في الحراك البحريني والثورة السورية فاضح. اما التودد للاخوان في مصر فليس بغريب كما يدعي العديد من معارضي اوباما في الولايات المتحدة الذين يتناسون ان ريغان الجمهوري هو من دعم ومول المجاهدين في افغانستان ومن غض النظر عن الابرتهايد في جنوب افريقيا.فسياسة اوباما تجاه الشرق الاوسط ترتكز على ركائز معينة ثابته لم تتغير فعليا منذ ظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى على الساحة الدولة بعد الحرب العالمية الثانية كدعم الدكتاتوريات العربية ودول النفط الوهابية رغم التبجح الكبير في دعم الديمقراطية ونشرها فغوانتنامو مثلا لم يغلق بعد وافغانستان ما زالت مسرحا للدم والدمار وسياسة اوباما تخبئ العديد من الاسرار حول مقتل بن لادن فحكاية رميه في البحر مثلا غير مقنعة ابدا والعراق تحول الى دكتاتورية طائفية. واذا حسب لاوباما نجاح فهو زيادة الاستقطاب الطائفي السني الشيعي في المنطقة بشكل مخيف، لكن ليس في خلق هذا الاستقطاب الذي هو مسؤولية اهله في الدرجة الاولى. اما فرض طوق على ايران وحزب الله ومحاولة لاغلاق حسابات مع هذه القوى فقد فشل الى الان لأن مجموعة القوى العظمى الاقتصادية الصاعدة ‘البركس’ (روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا) تقف بالمرصاد وبحزم بوتيني متميز لاستمرار الهيمنة الامريكية على العالم (ويجب الانتباه الى ان بوتين يريد الشراكة في الهيمنة وليس الغائها)!وبانتهاء العقدين الذين تفردت بهما الولايات المتحدة للعب بمصائر العالم وشعوبه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبدخول بركس اللعبة التي تعيد الشرق الاوسط والعالم الى اجواء الحرب الباردة، ولكن بغياب الايديولوجيات، اعربت بركس بقيادة روسيا سياسيا ، والصين اقتصاديا، ان هدفها ليس فقط زيادة نفوذها الاقتصادي في المؤسسات الاقتصادية العالمية كالبنك الدولي (المثير ان شافيز رئيس فانيزويلا انسحب من البنك الدولي متهما اياه باستغلال دول العالم الثالث وتكريس تبعيته للدول الغربية) وانما في العلاقات الدولية وكانت دلما روسوف رئيسة البرازيل في احدى اجتماعات بركس التي حددت اهداف بركس بكسر هيمنة القطب الواحد، بدون ذكر اسم الولايات المتحدة، والسعي الى خلق عالم متعدد الاقطاب، الامر الذي يذكر بالمنظومة الدولية عشية الحرب العالمية الاولى وفي هذا الجو اصبحت شعوب الشرق الاوسط الطامحة بحق للديمقراطية، رغم محدوديتها، وبالحرية والكرامة رهينة الاستقطاب الدولي .وللأسف بغباء شديد، واحيانا بانتهازية واضحة، يهلل اليوم مثلا العديد من داعمي الثورة السورية للموقف الامريكي من ادارة الاسد ويطالبون الولايات المتحدة بالتحرك الاقوى ضد استمرار الحكم الدكتاتوري في سوريا. وبغباء وانتهازية تصبح قطر ملاذ بعض او العديد من المثقفين والقياديين لدعم مشروع دمقراطي في سوريا بينما قطر من اواخر من يجدر له التحدث باسم الديمقراطية (السعودية تحتل رأس القائمة). ورغم ان هذه الطبخة التي تجمع امريكا والناتو والاخوان وتركيا ودول النفط تبدو كالقوة الرائدة الا انها تقف في مواجهة قوة البركس في صراع دولي شديد على اعادة بناء عالم جديد خسرته امريكا منذ الذهاب الى العراق وفي تقديري لن تستعيده ابداً. ومن ناحية اخرى مضحك ومبكي ان العديد من العربجيون العرب يصرون على استعمال مصطلحات الحرب الباردة ورؤية بوتين قائد شيوعي من زمن الاتحاد السوفياتي وحامي العروبة ومصالح العرب.لقد لعبت امريكا دورا اساسيا في تشجيع وخلق بيئة خصبة للاسلام السياسي في العديد من مناطق الصراع وبالمقابل انقلبت ضد الشرعية الديمقراطية في عدة حالات كتحضير الانقلاب ضد محمد مصدق رئيس الوزراء الايراني اوائل الخمسينات وعلى شرعية انتخاب حماس في انتخابات صنفت دوليا بأنها ديمقراطية. ستنقلب اللعبة الامريكية على امريكا لأن محاولات امريكا خلق نعرات طائفية والاستمرار بالاعتماد على دول النفط الدكتاتورية والدينية والتردد في التعامل مع الثورة السورية التي تحولت الى نار تأكل ابناءها لن تؤدي الى اي مصلحة امريكية وستدفع امريكا ثمنا باهضا كما حصل في افغانستان والعراق.’ محاضرة العلوم السياسيةجامعة كوستال كارولاينا-الولايات المتحدة