نصر جميل شعث1 في دربنا فجوة أحدثها من تركوا لنا قبلَها كومةً من سقط المتاع.هل نردمُ الفجوةَ بالكومة، ونمرّ بسلام مُدانين لمن آذونا بفضيلة؟!2الكاملُ إذا نقصَ صار هلالاً ينعكس على الماء كخنجر.والناقصُ إذا اكتمل حملَ البدرَ كدرعٍ يحمي الجسد، ويترك البدرَ لضربات الهلال!3أولئكَ الذين انقطعَ الماءُ عنهم، تيمّموا بالرمْل الذي عليه ظـلّ!4لا تأخذْ طعامَك من شجرة، وتصنعه على نار هادئة من حطَـب بنتها العاقر.ولا تشمّ وردةً موضوعةً على ضريح.5كلّ شيء متوقّف على الأمل..الأمل الذي يَمشي على ساقٍ واحدةٍ مقطوعةِ الوردة؛ لسبب طارئ يَحكّ بكعبه العالي على الركبة فتحمرّ، ثم يَمشي.. لتظنّ الناسُ أنه قد طلعت في منتصف الأفق وردة.6الأملُ أبيض كبطانةِ جَيْب سروال أسْود تدْخِلُ يدَكَ فِيه، وتُخرج معها البطانة فارغة.7أشياء كبيرة لطالما نظرنا إليها..أشياء كبيرة كصخرة قبلَ أن نولدَ تقعُ أسفلَ السروة، وتزيدنا طولاً كلّما صعدناها، ولكننا ننزلُ فارغين من الثمر.8أفتح شباكي.. لا أرمي له برأسي. لا أرمي له بيديّ وألقابي.أرمي بخبزي منه إلى الطير، لتتجمهرَ في رأسي بأغانيها؛وتحجب عني أخطائي وأخطاء الناس.9ما حاجتي لكلّ هذه الطيور؟لو طائر فقط: حرٌّ و وحيدٌ في السماء كدكتاتور، و دائم التحليق فوق الأرض، فلا يحطّ ليأكل أو يشرب منها..و فوق النهر بعلوّ منخفض ليحسنَ الناسُ المشيَ على ظلّه إلى الضفة الأخرى !10رماهُ بحجر من الطريق اختلفا وهما فيها على وزنه الذي قدّراه باليدين، بعد أن فشلا في إيصالـه للثمر.11ذاكرتي ثمرة، ذاهبٌ لأقطفها من الشُرفة. وليس لي سوى كوّة قليلة كفم على ماضيّ، كي لا تتضخّمَ الحكمة. وأما الشرفةُ، فلسانُها في البيتِ طويل.12بلاطةُ القبر أثقلُ من الجثمان، وتعضّ أصابعَ من يدفنونه.. في محاولةٍ أخرى من القبر لشدّ بعض المشيّعين إليه !13يموتُ ويظلّ الصيت الملازم لاسمه: أصيبَ بطلق رصاص حيّ.14الذين يُشعلون الأرضَ ولا يبكون،هل يُعوّلون على دموعهم، لأنّ في جهنّم بكاء ؟15النوارس رفعت غطاءها عن التماثيل الداكنة، واصطفت كأسنان على فم البئر التي بدتْ وكأنها تضحك، رغم نقصانها إلى القاع ككأس شربها ضيفٌ ولم يكملها من باب الخجل؛ لتدخل طفلة تشربُ وتجري وراءه تحسبه أباها الذي يقع اسمُـه في كلّ فم، و يطير من الشفاه.16أيّها الإله الطيّب:لسنا شركاء في الموت، ولكني شريكك في الوجود.خلقتني ولن تسوّيني بعد الموتِ عدماً.لا أريد أن أكون شكلاً يُقاس،كهذا الجبل، يُفاجئني غيرُ صديقٍ بسؤال:كم يبلغُ طوله؟في حياة جديدة، اجعلنيتحت الجسر الخشبي وحول الجبل هواء.17إلهي، نمتُ وحيداً، وأفقتُ من حولي ناس. حادثة منام أوقفَتْ في حلقي أغنية سامّة. دلني ماذا أفعل؟ إن ابتلعتها أموتُ وحيداً، وإنْ غنيتها تموتُ الناس!18إلهي، لقد آلمني الضغط على أذني ورأسي بيدي لأهزم الضجيج. إلهي إنّ يديّ مليئتان بالذنوب الناعمة،فلا تتركني أمحو ضجّة هذه الأرض الخشنة، بين يديّ، بذنوبي.19ربي اشغل الكثيرينَ باسمَك و بأسماء البلاد عن قصائدي، كي تظلّ جديدة؛ لأجيالٍ جديدة تبحثُ عن أوطان جديدة!20أكرّرُ بيتاً واحداً في القصيدة المُغنّاة؛ بيتاً قريباً إلى القلب، لا أخرجُـه من ثغرة الصراخ.ولكنّ عيْبي في الغناء أنّ كثرة تنهّدي تكسرُ، في كلّ مرّة، لحنَ البيت،فأشدّ خياماً بحبالي الصوتية، بعيداً عن القلب.21كم كسرْنا أسماءنا في الصغر، كم شوّهناها،كم كرّرنا فتنة تكسير الأشجار، وصناعة المتاهات بأيدينا على أوراق بيضاء؛ونحن نتدرّبُ على إمضاءيمّيزنا عن غيرنا في المعاملات.22أنـا حفنةُ قمح تطحَنُني الحياةُ وآكلـُها.وأخطئ تقديرَ الملح في طعامي الذي ساخناً آكلهكي لا أحسّ ببرودة الملح.أنا ضمادةٌ لجرحِكِ تكوّنتُ من بخار أغانيك.23ليس الغياب أن يغيب القمرُ وراء غيمة. الغياب هو أن تغيب غيمةٌ وراء القمر، وتمطر عليه ليلمعَ أكثر.. فيما الأرضُ هناك سوداء و قاحلة.24الأرض وأنا كلانا نمشي. أنا عليها وهي على الهواء.حين أحكّ ظهري من أثر الريح لا أعيقها، وحين تحكّ ظهرها تعيقني.25ليتني ولدتُ فتيّاً، وفي يدي حصّالةُ أسماء..كنتُ سأعطي نفسي اسماً في كلّ سنة؛ كي يدفعَني للتي هي أحسن منها.وحين تنتهي الأسماء، بدل أن تنشقّ الأرضُ وتبلعني؛ أشقّ الحصّالة، وأجعل منها صحنين أو كفتي ميزان: صحناً أصبّ فيه ماء للطير وصحناً أزرع فيه شتلةً. هكذا أكون غنياً بنفسي عن أيّة مناداة!26في طمأنينةٍ وقفتُ واستقمتُ ظهريَ إلى هاوية، ووجهي إلى ناسٍ هوى كلامُهم في ظهري كسقط متاع.27محبّتي للحياة أكبر من همومها.وبعضُ الناس مقبرة.يقتلك في داخله، ويَظلّ يتحسّس عظامَك التي تُوجعه.28هربنا إلى الحياة، والعدوّ وراءنا يلهث.ولم نتعبْ إلا من لهاثنا الذي أثقل أكتافنا ونحن نتلفّت.وسقطنا في الهاوية،لأننا كنّا نسيرُ على البركة،البركة التي نقصتْ!29لدي أخطاء غير مقصودة في الحياة، مثلي مثل ميكانيكيّ يَفرك يديـه برملٍ لم تصبه بذرةٌ أو رصاصة؛بعدَ إصلاحه سيّارة ستقلّ عائلة خارجَ الحرب..ثمّ يغسلهما بالماء وصابوبةٍ بيضاءَ وضعها على الحجر ونسي أن يغسلها من سواد يديه!30فعلنا أشياءَ كثيرةً سيئةً في الحياة..لو كنّا عادلين في أفعالنا،وكان النصف الأول منها سيئاً والنصفُ الآخر حَسَناً،كنا سنمشي إلى الله متوازنين.31تلك الليلة ولساعةٍ لم أفعل أشياءَ سيّئة ولا جيدةً بيدي البيضاء. لم آكل بها، لم أدخّن، لم أفكّ أزرار قميصي، لم أضع حاجزاً بين صفحات كتاب لأعرف أين وصلت، ولم أسق غرسةً في الزاوية.تركتها على جنبي شجرةً نائمة، والقلبُ يخفق تحت يدي الثانية.. ذلك الحياد الذي أطعم يدي للطمأنينة أكلَه هاجسٌ خرقتُ به الهدنة لأسوّى رأسيَ المشتعل بالأفكار.. وحين أقبلتُ أسدلُ الستارة على ريح مسموعة، كان خيال يدي على الزجاج المغلق لمحة دخان.32جسدي كسول وروحي رياضية. ولا أسكت خلال الكلام عن الحرب لترتيب أفكاري وحسب. لكن لأسمع، أيضاً، دقات قلبي في كلّ هدنة.حرب طاحنة، ضحاياها ناعمة.33وطني المفاجئ هُو حيثُ أرى ابتسامة مشاةٍ لي على الطريق؛ مشاة لا أعرفهم، ولكني أسمّيهم وطناً مفاجئاً لإضعاف قسوة وطني البعيد.ووطني غرفة زيّنتها بالريش، حتى إذا انكسرتْ مرآة أو سقَطت ساعةُ حائط تفزع و تطير عن شموع سيلفحُها الهواءُ ولن تسعل.34بالغصن الذي انكسرَ وتركته الشجرةُ على الأرض يومها، لأنها تنمو إلى السماء. ولم يكن نبيّ ليتّخذه عكازاً يرسم به الحكمة التي تسبق خطاه؛ بالغصن الحليق الجافّ، قاسَ الأولادُ أطوالهم: منهم من زاد عليه، ومنهم من نقص.35كبرنا لنحمل الأمنيات تحت الشمس ونمشي إلى النبع ببطء وبيوتنا عطشى.. وإن ركضنا نخسر النظرَ بأعصاب باردة إلى رجال يقيمون حروباً حول ثيابٍ صنعوها من ظلالهم، ورفعوا بعضها مِظلات.36لو أنّ يدي طويلة كأغنية، لقطعتها من النصف كبائع يكذّب تحتَ الشمس ويقول للمشتري:جرّبّ طقمَ الكؤوس هذا، وإن انكسرت كأسٌ واحدة وأنتَ تصبّ الشاي – ما لم تكسرها أنت عمداً على الرخام- فسأقطع يدي..وسأغني حين تسألني زوجتي التي ستراني ناقصاً، وهي تتزيّن لحضرتي في المرآة:طيّرتها لتحضرَ لي غدي.37أنا عادل ودقيق، أقرأ الوقت من ساعة الحائط، وأؤكد صحّته في ساعة يدي المجروحة.38أحبّ يـدي..أقلّبها كرغيف.ولا أكفّ عن إلقائها في الهواء كليرة من ذهب.وتحديداً الآن، أذكّرُها بالجروح التي أكلَتْها وهي تفتح المعلّبات.39أُعطي الموسيقا ظهريَ، وأنامُ على الكنبة .. لتخفّفَ من وجع نومي في هذا المكان. أو حتي إذا ما رأيتُ مناماتٍ تكسرُ الظهرَ؛ حينَ أنهضُ وجهَ الصبح، تَسندني، كوحيدٍ يَشغلُ نفسَه عن المرآة بأعمالِ المنزل.40بنيّةٍ بيضاءَ، ولأنّ وراء الغابة السوداء كان النهرُ مَحجوباً؛ عَبرْتُ فصارتْ طريقٌ من خطاي. الذين عَبروا من بعديَ أنيقينَ، وفي ظهورهم ماءٌ لعشيقاتٍأو على قمصانهم أيدي عشيقات؛ حدّقوا في آثاري.. والحمدُ لله، كانوا بعيدين، فلم أسمعْ كم خطوةً مشيتُ – لأبحرَ- عَدّوا..هذا البُعدُ حكمة، لأتخفّفَ بانتباهي للحبّ من الحساب.والحمدُ لله أنهم بعيدون، فالحبّ يزعجه أنْ أقدّر آلامي بالاستماع إليها من غيري الذين قد ألتقيهم صدفة وأنا أميل إلى خيمة لأقدّم واجبَ العزاء.41في الليل، ظهري إلى حائط مقابل البيت، وياسمينةٌ على الباب تتدلى زهورها وأراها، من شفافيتكِ أنت الواقفة في أوّل الأمر في منتصف الطريق.. وعبرَتْ ناسٌ ببطء أخفتكِ فيها، لحظةً، وحجبَتِ الباب.42مِن كثرةِ الحُبّ مُتوتّر. هذا التوتر يكتشف لي أقاليمَ ما كانَ ليعرفها من أُعطِيَتْ له الأرضُ في أوّل الأمر وخاف.43أعلّقُ في لَهاةِ جرَس الهواجس زهرةً لا أعرف ما اسمها، وأنام. حتّى إذا دقّ الجرَسُ تقعِ الزهرةُ على اسمها في منامي.44أودّ لو أقطع بالقاربِ جدولاً مليئاً بالعافية (من بين جداولِ النهر التي مثله جفّت)وأمدّه جِسراً فوق أبيه اليتيم.45غيمة عريضة تقع على جسر طويل.غيمة عريضة تقع على جبل تلتف عليه طريق.غيمة عريضة لا تكفي صحراءَ قفلَ عليها المعرّي عينيه،ومشى فيها المتنبي متكأً على صباه.46ينتظرها حتّى تجفّ..لا يبني الطائرُ عشّه من أعشاب الخلود الخضراء.47اجمعوا صرخاتِ المواليد الجدُد. وليحملها واحدٌ منكم فقط، يتعبُ وهو يقسّمها بالعدل على أجراس سيعلقها كلّها على أبواب المقبرة؛ قبل أن يموتَ من مشقّة هذا العمل؛ وينهضَ على صوتهـا كأوّل الأموات الذين سينهضون وراءه،ويقودهم عراةً إلى الحياة.مختارات من مجموعة شعرية قيد الطبع.* شاعر فلسطيني مقيم في النرويج