رواية المطر الأصفر لخوليو ياماناريس: سرديّة تتنقلُ بالقارئ في فضاء الموْت

حجم الخط
0

د. إبراهيم خليل المطر الأصفر هو عنوان رواية خوليو ياماناريس، الكاتب الإسباني الذي لا نعرف عنه، ولا عن رواياته، إلا القليل الذي لا يطفئ ظمأ باحث. ترجم الرواية للعربية د. طلعت شاهين، وقدم لها بمقدمة قصيرة أثنى فيها على الكاتب، وعلى روايته، بما هي أهل له، وزيادة. ومن يقرأ المطر الأصفر تشده الأجواء المشوشة، والغامضة، المحيطة بالسارد، وهو يحكي حكايته، ويروي قصته، شاغلا بذلك حيزا أكبر من اي حيز تشغله الشخصيات الأخرى. وهذا الغموض الذي يلف النص تسانده في إشاعة الأجواء الضبابية القاتمة شعريّة سرديّة تعتمد تحطيم العلاقات الطبيعية المألوفة في اللغة لتحل عوضًا عنها علاقات مجازية، واستعارية، تتجلى عادة في لغة الشعر، لا في لغة القصة أو الرواية. فابتداءً يتصور البطل السارد نفرًا من الناس يأتون إلى بيته من بلدة أخرى، ليأخذوا جثته، ويحفروا له قبرا مناسبا، ثم يدفنونه فيه كأي ميت عادي. وطوال الرواية تتكدس صور تذكرنا بالرؤى الكابوسية التي تملأ حياة رجل وحيد يحيا في قرية تكاد تكون مهجورة، وهي قرية ( أينيلي) فبعد انتحار زوجته (سابينا) في الطاحونة، ورحيل ابنيه (سارة) و(كاميليو) ومغادرة أندريس إلى ألمانيا التي اقترن فيها بألمانية ثم انقطعت أخباره. ورحلتْ كذلك عائلة خوليو، وآخرون رحلوا وماتوا ووجدوا طريقهم إلى المقابر التي تغمرها الأمطارُ، وتكسوها الطحالب، وتغطيها حشائش الأورتيجا الخشنة، بعد هذا كله لم يعد ثمة من يؤنس وحدة هذا البطل سوى الأشباح، ويا له من أنس!يذكرنا السارد في غير موقع من الرواية أنه الباقي الوحيد، والأخير، وأنَّ الآخرين في أزقة القرية المجاورة (بيسكاس) وشوارعها يدهشون عندما يرونه مرة أخرى ، فقد كانوا يعتقدون جازمين أنه لحق بزوجته سابينا، فهو، بعبارة صريحة، يحس بأنه ميت. وواقع الحال أن كثيرا من المشاهد تؤكد أنه يروي حكايته في الوقت الضائع بين حياة مشكوك فيها وموت متوقّع. وإلا ما الذي يذكره باستمرار بمن رحلوا ، واحدًا تلو الآخر؟ يتذكر جدّه ‘ كنت في السادسة من عمري ، وكان الجدّ باسيليو والد أبي- طريحَ الفراش. عدْتُ من المدرسة لأجد أبي يصنع صندوقا كبيرًا من الخشب( تابوتا) جدّي كان في غرفته وحيدًا. عيناه مفتوحتان. شاهدتُ في ذلك اليوم النظرات الأخيرة للموتى. ‘ ص70 ثم يتذكر الجملة الأخيرة لأبيه، فقد كان عائدًا إلى البيت الذي غادره وهو في مرضه الأخير، يذكرهُ وهو يجيب عن سؤاله أين كان، قائلا : ‘ كنت أتأمل المكان الذي ستحملونني إليه قريبًا وإلى الأبد ‘ يقصدُ- بالطبع – المكان الذي سيدفن فيه، ففي اليوم التالي عثرتْ عليه سابينا ميتاً في سريره(ص70).يتذكر موت أبناء القرية: خوليو، توماس، جابين وأدريان، ص76 حتى القرية نفسها يتذكر موتها البطيء هذا، وهي تخلو ممّن أقاموا فيها واحدًا بعد الآخر. فلم يبق في المكان إلا هو، والكلبة التي لا تعرفُ لها أما غير سابينا ولم تعمَّد، ولم يعرف لها اسم، فالقرية تخلو حتى من الكلاب. الموتُ يكاد يهيمن على كل شيء: ‘ زحف الموت الثقيل ببطء في الأساسات والدعامات الداخلية للبيوت . ‘ص 80 وأما هو فقد ‘ زارني الموت مرارًا ‘ زارَهُ عندما فوجئ بشبح الأم التي مضى على رحيلها زمن طويل في المطبخ وهي تدعوه (ص81) وتعود لتؤنس وحدته مرارًا. فالحياة مع الموتى لا تعني إلا شيئا واحدًا وهو أنَّ من يتحدث، ويروي، ميت أو كالميت. ولا يقتصرُ ظهور الأشباح على الأمّ، بل سابينا تظهر هي الأخرى، وتداهم الراوي في المطبخ تارة، وتارة في سريره. تارة وحيدة وتارة مع الأسرة. بمن فيهم أولئك الذي رحلوا. هذا الإحساسُ الغامضُ بدنوّ النهاية يجعل الراوي يتسائل غيْر مرة: ‘ أأكون قد متّ، وكل ما عشته منذ ذلك الوقت الذي متّ فيه ليس سوى صدىً أخير لذاكرة تضيعُ في الصمت؟ ‘ ص88 وهذا الإحساسُ بعدم اليقين شيء يهيمنُ على الراوي ، فحينَ يَنْظرُ في المرآة، المرآة التي تركتها سابينا معلقة عند الباب، مُبْصرًا نفسه، يقول: ‘ ما أراه الآن هو شبحي جاءَ يطلبُ المساعدة ‘ مؤكدًا أنَّ هذا ‘ يحدث هذه الليلة. ليأتوا إلى أينيلي لدفني. أعرفُ أنني ما زلت حيًا حتى اللحظة. حواسي لا تزال تؤكد لي وجودي على قيْد الحياة . ‘ ص95 ولنْ تفوت الكاتبَ ملاحظة جديرة بالانتباه، وهي أنَّ كلَّ ما يحيط بالبطل- الراوي يشهد بحضور الموت.: القرية الخاوية، والنهر الصامت الكئيب، والكلبة الوحيدة. والعزلة التي تشعره بأن جل ما حوله شاهدٌ أبديٌّ على دماره الشخصيّ تحت ثقل الأيام التي عاشَها معزولا عن كلّ شيء عدا أشباح الموتى، وفي مقدمتهم أمُّه المتوفاة، ص 101 والعجوز التي تصيح به فيما يشبه الكابوس ‘ اسقني واقتلني.. اسقني واقتلني.. ‘ ص105 فالوحدة مع الموتُ تجعل من حياة البطل السارد نحيبًا متصلا مستمرًا، لا يختلف إيقاعه عن إيقاع المطر المُتساقط. وفي بعض المشاهد السردية يبدو- جسد الراوي- منفصلا عن الروح، ويبدو الجنونُ إذا ساغ التعبير- هو قمّة العقلانية عنده. فعندما ماتت زوجته منتحرة أخبر الأشجار، والحجارة، وهذا كله لا يؤكد إلا شيئا واحدًا، وهو أن الراوي ميّتٌ، وإنْ كان النبض لم يفارق القلبَ بعْدُ. ص 113 فالمطرُ، والصمت، والوحدة، والعزلة، والوحشة، وثقل الأيام، والزمن، ألفاظ تتكرر وترادف كلمة الموت التي تتكرر هي الأخرى كثيرًا على لسان الراوي. واللافتُ للنظر أن عنوان الرواية، وهو ‘ المطر الأصفر ‘ يتكرر هو الآخر في الحكاية كما لو أنه الموت الأصفر. فقد ظهر للمرة الأولى في وصفه للزمن بالمطر الأصفر ص 51 وذكرهُ ثانية ص71 في نعته الألم الذي يغزو رئتيه بالمطر الأصفر وفي ص 83 يشير للمطر الأصفر الذي يسدّ النافذة وفي ص 85 يذكر المياهَ الصفراء الراكدة في ظلال العنب، وفي موقع آخر يؤكد لنا أن المطر الأصفر يعلنُ وُصول الموت ص 108 وفي آخر يؤكد أنَّ كلّ ما حوله مصبوغ باللون الأصفر ص 111 وأن الكلبة أيضًا صفراءُ اللون ص 113 وأخيرًا يوحي بالمطر الأصفر الذي يذيع أسراره ص 125 وما يُسْتشفُّ من تكراره للعنوان مرارًا هو أن المطر الأصفر مرادفٌ للموت في هذه الرواية، وأن الموت يهيمن على الأشياء جميعًا: القرية، والناس، والكلاب، وحتى المطر الذي يرمز عند كثيرين للحياة، والخصب، والانبعاث من الموت. ومما يؤكد ذلك الاستنتاج أن الموت واللون الأصفر ارتبطا معا في غير سياق. فقد شاع استعمال تعبير الموت الأصفر Yellow death ووردت كلمة الموت الأصفر في قصة مصرية كتبها ألكسندر نميروفسكي وترجمها د. مصطفى محمود للعربية، وفيها يقول أحد الشخوص مخاطبا شخصية المبعوث: ليس هناك عدو أسوأ من الموت الأصفر. وثمة حشرةٌ سامة تعرف باسم عقرب الموت الأصْفر yellow death scorpion والحمى الصفراء وباءٌ فيروسي سريع العدوى والانتشار جدا. وكانت قد اجتاحت الولايات المتحدة في ظروف معروفة بداية القرن الماضي، ويقالُ إنها أهلكت نحو 100 ألف شخص. والريح الصفراء The Yellow Wind تعبير اتخذه كاتبٌ عبري اسْمه ديفيد غروسمان(1987) عنوانا لرواية له تتحدث عن الحرب وويلاتها في فلسطين. وهذه القرائن ترجّح أن يكون العنوان الذي اختاره خوليو لروايته هو الموت الأصفر ، ولكنه استبدل المطر بالموتِ في تأكيد منهُ للمفارقة الوحيدة في روايته، وهي أن الحياة الشاحبة لا تختلف مطلقا عن الموت، فهما سيان مثلما أنّ المطر الأصفر والموت الأصفر سيّان. ناقد وأكاديمي من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية