مُفارقة المَرجو إلى حدود الاستفزاز…

حجم الخط
0

ديوان ‘على سرعة 40 ‘ للشاعر محمد هديب:د. رامي أبو شهابينهض العمل الشعري على عدد من العوامل والإشارات التي يختبرها القارئ عند الشروع في مقاربة نص ما، فهو ينطلق من توقعات ومرجعيات فضلا عن تجارب سابقة، تعمل مجتمعة على خلق تصورات للمدى الذي يمكن أن يبتعد فيه في تقبل النص الشعري أو رفضه، وهنا نسعى إلى مقاربة شعرية لتجربة لا يمكن أن نطلق عليها سوى إشكالية. في ديوان الشاعر محمد هديب الصادر حديثاً عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بعنوان ‘على سرعة 40 ‘ أنماط من التحديات المواجهة لمعيارية الذوق والتقاليد الشعرية في اختيار عنوان صادم، وباعث على خلق مساحات من التساؤلات التي تنبعث في ذهن المتلقي حول المكوّنات النصية، والمعنى الذي يتشكل من جرائها، وهنا يبدو القارئ في حيرة من أمره، فهو يتواجه مع ما لا يتوقع من التقاليد الشعرية، وأعني بها المعنى المفارق للبعد الزمني المنصرف إلى كل ما يحيط بالإنتاج الذهني والشكلي والفني لخلق مجموعة شعرية، تسعى إلى تمكين نفسها في المشهد الشعري المعاصر، بالتضافر مع الفعل السّاعي إلى التأثير عبر إشعال فتيل الشعرية التي تعد هدفا استراتيجياً، لكل شاعر في مقاربته الأولى.’على سرعة 40’ عنوان صادم، فيه الكثير من التحدي نحو المراهنة على المستقبل الشعري لديوان أول، وفي ظني أن محمد هديب ينطلق من منظور من يسعى إلى الانفلات التام والصارخ من السائد والشائع، إلى حد التعاكس، ولكن دون الإسراف في السعي إلى الفضاء المعني بالذّائقة المتعالية والمتوارية في ظلال الأنا الشعرية التي تسكن مجموعة كبيرة من الشعراء الذين يمتلكون يقين التميز المتفرد إلى حد النرجسية الممقوتة. يخلو محمد هديب من كل ما يحيط به، ليصل إلى نص شعري، لا يمكن أن يتسم بصفات مماثلة في المزاج الشعري الشائع، فالشاعر هنا يعيد تركيب الشعر بحدود ما يعتقد، وهذا الاعتقاد الذاتي مراهنة خطيرة، فهديب يكسر اللغة الشعرية السائدة بكل ما يختزنها من محاولات للانفلات عن السائد ذاته، فالشاعر يقيم نصه على أركان وتشكيلات بنائية، لا يمكن أن تتحدد في تصنيفات ومعايير مشابهة، إنها حالة من التحليق إلى ما بعد السّماء الزّرقاء، حيث تفارق النور، فتتحول إلى نجمة تسبح في عتمة ساكنة. يخرج محمد هديب من الشعر وأرديته وعباءاته التي يسعى لها كل شاعر للانضواء تحتها، فنصوصه تمزق اللوحات والأقمشة وأديم الأرض، وكل ما تطاله، لتكون صرير باب، أو حفيف شجر، أو صوت كوابح السيارة، أو أغنية. إنها برودة الواقع، تختزلها كلمات تم انتقاؤها بعناية، ولكنها تفارق ما كان يرجوه القارئ أو يتوقعه، فتجعله يستشعر الوحدة في نص شعري، لم يألفه، ولم يعتد أن يرهقه كما تفعل نصوص ‘على سرعة 40’. إذن هي نصوص مرهقة إلى حد الاستفزاز، بل الغضب، فالنص يضع القارئ على أعتاب تساؤلات عميقة حول ماذا يريد أن يقول الشاعر؟ إن المعنى يتوارى خلف أسلوب زاوية الرؤية، فالنصوص في المجمل تقوم على تقنية المشهدية، المتبوعة بتعليقات لاذعة ومبطنة، فالشاعر في نصه يقف في مساحة تحتمل موقع من يتخذ الرؤية هنا، وهذا ينسحب على الرؤية البصرية في مشاهدة القصيدة لاسيما بزادها الكلامي، فضلا عن التوجهات الفكرية للنص. ولنقرأ هنا نموذجا على مواقع الرؤية في القصيدة، حيث يتلاعب محمد هديب بذهن المتلقي، فالقارئ محتجز بوجهة نظر الشاعر، بهدف تلمس مواقع الأشياء كما هي، لا كما يدعي الشّعر بلغته المتعالية والجامحة: أتجاوز بيتي أتجاوز المقهى الوحيد وسط الحيوحين كفّت عفاف راضي عن الغناء كانت سيارتي تمر باستقامة أمام مخفر الشرطة مع هذا ما زال بإمكاني رؤية الأشجار غائمة جزئياً والمغنية في حِجر أمّها لكأنها تبكي وكورس البنات الذي كان خلفها هن بنات خالتي وأنا ألاحق غيمة نائية كخارطة قبرص عاد البشر إلى صناديقهم المقهى يشاهد المباراة الختامية (فليسقط الفريق الواضح!) هنا تتبدى تلك الحالة من التموضع، تتيح وجهة نظر من يقود الكلام إلى المبتغى، الرؤية هنا واقعة على أشكال من التجريد الخاضع لسلطة الشاعر، فالأشياء تبدو ساكنة، مع أن الأفعال تبدو وافرة في النص، إلا أن المتلقي يستشعر هذا البطء والتمهل في الإيقاع، وهنا يبدو النص فاقدا – للوهلة الأولى – ما يتوخاه كل قارئ من توهجات شعرية، تبعث النشوة… خاصة القارئ غير المتمرس على نزع ذائقته التي نمت وترعرعت على الأنساق الشعرية الحاملة لجمل شعرية مبردة ومجهزة كالأطعمة السريعة، ولذلك فإنه سيخرج من هذا النص، وقد أثقلته معاني مخبوءة في الأحاسيس التي تتركها اللغة المتخففة من كل ما يزيد عن الحاجة، وحتى أيضا من أيضا التشكيل الأفقي لنظم الكلمات، بهدف تشكيل مفارقة شعرية محلقة من المخزون الشعري، المعاد توظيفية توظيفه في أغلب المجموعات الشعرية التي تصدر يومياً. في موازاة هذا التجريد على مستوى محور الاختيار الشعري، نقع على منتج هيكلي في تكوين القصيدة التي تأخذ منحى متجدداً في خلق قيمة الحضور على البياض، وهنا يبدو محمد هديب قد انحاز إلى القصيدة القصيرة، ولكنها ليست اشتعالات وبرقيات تهدف إلى تحقيق الصدمة السريعة في فتح التكوين الدلالي لبضع كلمات وتنتهي القصيدة، فهو يجعل من قصيدته ذات منحى مقتصد، فهي تبدأ دون أن تترك لشاعرها أن يمضي في ذاته، فتأخذ اللغة بالتكاثر في ظل هيمنة السلطة المطلقة للبوح الشعري المسترسل، فهو يترك قصيدته خفيفة من ذاته، ليترك ما يحيط بها أن يتخذ موقعه، فالأشياء تتخذ تكوينها من موقعها في الحالة الشعرية الحادة والقلقة جدا، ولنقرأ هذا النفور من الشعرية اللاهبة والمستهلكة إلى الشعرية الجافة التي تشبه منحوتات ناطقة بروح مشاكسة كما هي روح الشاعر:هديل الحمام هو ذاته في الزقاق المعتم في موعد مخطوف بين مراهقين تحت قميص الغيمة الرمادية وقرن الخروب المائل الحائل شِقّا سفرجلة عند اللقاء شقا دراقة عند الرحيل والهديل ذاته لا يكفّ عن الدوران حين ترتعش ورقة الجريدة في عرق الحائط وحين يلفون القتيل بملاءة لاهثة حين تئن عروق الدالية وتواصل دودة العنب نومها الأخضر لعل الاقتباس السابق، يصلح للتدليل على ما ذهبنا إليه، فالقصيدة تعالج المنظور، والمألوف، ولكن من حيث وقعها على الروح، فالجريدة ترتعش في عرق الحائط، هنا تبدو المشهدية كثيفة التجريد، فضلا عن تشكيلات لغوية تسهم في بعث إحساس كئيب في القارئ، وبذلك يتحقق تشكيل شعري بالتضافر مع استخدام لغة تستقي من المفردات المهجورة في الوعي الشعري الشائع إلى لغة تنقّب في اللاوعي الساكن بمفردات، تمتلك اختزانها وتشكيلها الثقافي من محيط متسع، يشمل الماضي، والوطن، والأم، والغياب، والرحيل، والحي… فالعلائق في النظم الأفقي، تبدو غير مستساغة للوهلة الأولى، إلا أن الأثر المُتسرب منها يتحقق عبر احتلالها لوعي القارئ عند مفارقة الكلمة الأخيرة من النص، إنها لغة تتسم بأكبر قدر من الحميمية الحادة، ولكن ببساطة وتقنين عالي الجودة: الحب أن ننام معاً في علبة باب العلبة من التنَك المجعلك الباب المفتوح بيد لا نعرفها أليست هي يد الخلق القديمة الغامضة ؟ وفي مدار خلق لغة عصيّة على التصنيف والفهرسة ضمن المعاجم الشعرية الشائعة، يسعى هديب إلى فعل الصدمة، عبر فعل تناصي لغوي، يكشف عن توظيف نصي لمرجعيات تبدو ظاهرة في بعض المستويات، حيث يحيل الشاعر إليها في الهامش، وبعضها مستتر يمكن أن نلتمسه أحيانا، وفي أحايين أخرى نضل المسعى إليه، ولعل في كثير من تلك التقاطعات النصية، تحال في مرجعياتها إلى قراءة الشاعر في نصوص قديمة وحديثة، ونصوص صوفية، وفلسفية، وروايات من الآداب العالمية، ومن تلك النماذج: (أعاذلُ، أن يصبح صداي بقفرة) للنمر بن تولب ورواية’، وفي مديح النساء الأكبر سناً’، وحدائق الأزاهر لابن عاصم الغرناطي، وغير ذلك مما يشير له الشاعر في الهامش، ومنه ما يتركه بين مزدوجين، ونموذجه ‘وملأنا البر حتى ضاق عنا’ لعمرو بن كلثوم، وهنالك بعض النصوص التي تحمل تناصات حائرة مع نصوص ومواقف وواقع يومي نتداوله يومياً: ومنها ‘أسوق الغيم’ و’التشيلو’، وحبة البنادول، والزعتر، وحبال الغسيل، وغيرها.إن ما يسعى إليه هديب في لغته وتكويناته النصية البحث عن تساؤلات تبدو مهملة، فهو لا يدعي بحثه عن مقاربات عميقة تختص بالتكوين الوجودي للإنسان، ومأساة الأوطان والعوالم العربية المهترئة، ولا ما تعانيه من ركام الخيبات، بل أن يقف على النقيض من ذلك، فقصيدته تدعوك إلى أن تتمهل و أنت منهمك في أزمة البحث عن حقائق الأشياء، وتفسيرها. إنها دعوة للتساؤل عن تكوين الأشياء، والمصادفات التي تخلقها الحياة، والمواقع التي نجد أنفسنا فيها، كل ذلك في غياب التساؤلات العميقة التي أصبحت عقيمة: يا مذيع نشرة الصم والبكم أعد لي بربك كيف ترسمها كملة كلمة قناص هو الشعر بطغيانه يبقى قابلا لكل ما هو ناتئ عن تكتل جبلي ضخم، فالقيمة الجمالية لا تبعث من قيمة الشيء وحدوده، بمقدار ما تتحدد بالاتجاه الذي نرغب في أن نقيمه ملاذا لنا، إنها زاوية ‘الدهشة الفجّة’ التي يحسن محمد هديب توظيفها بديوانه الأول، إذ لا يمكن أن ننعته إلا بنعوت منها: المستفز، والحائر، واليقيني، والمتشكك، والحائر، والخجول، والجريء، والصّفيق… هو شكل من أشكال التحدي والمزاجية المفرطة يختلقها الشاعر مع القارئ عبر المراهنة على نص.. إما أن تعشقه أو أن يثير غضبك… وفي كلا الحالتين… كسب محمد هديب الرّهان: الهبوط من الرحم ليس ميلاداًإنما الطرد نحو مصائرنا مصائرنا لا تبارحنا وإذا ما استحممنا تغسل أطرافها ثم تحدق فينا حين نسقط من الشرفة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية