‘سيدي بوزيد’ وكتابة المعنى في رواية ‘علاّلة الزّيني’لرياض خليف

حجم الخط
0

د. حاتم النقاطي لم يجد صديقنا الكاتب رياض خليف في هذه الدعوة الموجهة لي كقارئ علم خبايا نفسه وخيباته الجميلة وطموحاته المتخيلة غير جرّي لعالمه لأدخل معه روايته الجديدة ‘علالة الزيني’ مذكرا عذاب نفسي بأمكنة كنت صاحبته فيها وجالسته عندها مستمتعا بوقائعها وآفاقها.كأنه يشركني لذة نصه ويذكرني بمدينة جمعني بأهلها حب الفن وعشق الخروج عن المألوف والانكباب على إحصاء الآلام ولكن إلى حين. وأي هذا الحين أقرب من هزّ عرش ‘بن علي ‘ سالب الرزق وهاتك الكرامات وراعي عصابات النهب : ‘اختلط الناس في سيدي بوزيد مواطنون قادمون إلى السوق وتلاميذ يغادرون معاهدهم بمناسبة عطلة الشتاء … ساروا واحتجوا وتصادموا مع رجال الأمن … وصارت سيدي بوزيد ثكنة مغلقة ‘ 1 ـ أهمية السرد في استفهام الزمان والمكانهكذا هي مدينة ‘سيدي بوزيد’ أو ‘بوزيد’ كما يحلو لخليف تسميتها مكان يأخذنا السرد عنده لآفاق تشتعل الأحداث بها وتتوهج داخلها وقائع تاريخ تونس الحديث: ‘فتح النادل جهاز التلفزة …إنهم يبثون نبذة عن تاريخ الزعيم صوره وهو يصعد وينزل أمام الناس ويصيح ويضرب الطاولة …وهو يعود في يوم النصر … وهو يلتحم بالناس … وهو يخطب في مؤتمرات الحزب …ثم صوره وهو يهرم وقد أحاطت به جوقة من حاشيته الشهيرة …ونبذة عن تونس السابع من نوفمبر… وكرروا تلك الاسطوانة المعروفة …موت بورقيبة خسارة كبيرة للبلاد …هو الذي حررها وبناها وشيدها وأعلاها وأعطاها رايتها ووجهها بين الأمم’ لعلها أيضا شهادة على جملة من الأحداث العربية كوقائع دخول جيوش ‘صدام’ للكويت: ‘ذات قيلولة حارة توجهت إلى بيت الأخوال كعادتي في أغلب قيلولات وأمسيات ذلك الزمن… وجدت الخال متكوما على مذياعه الكبير صاحب ‘الانتانان’ المربع الذي اقتناه من طرابلس حيث كان يعمل منذ أعوام …فهو الوحيد الذي يقدر بسهولة على العثور على إذاعة لندن وإذاعة مونتي كارلو وصوت العرب والقاهرة وغيرها من الإذاعات ….بادرني الخال بالقول ‘لقد أصبح العراق في الكويت’. فهل كانت المدينة رواية للأحداث ،أم هي رواية الأسماء أم هي لغة الأمكنة في إحالة على الذاكرة حيث ألم الأمكنة والأزمنة والتاريخ وسخف حياة الأعلام وفضاءات الوجود؟هي’بوزيد’ تكتب ذاتها عبر تأمل تاريخ المكان، فمنه قامت ثورة الكرامة ومنه اشتعلت باقي مدن تونس لتنتقل العدوى الجميلة إلى الأوطان القريبة والبعيدة :’ أخبار الصباح تتصاعد…الحشود تكثر …نظام منهار …حزبيون يرتعدون من المحاسبة التي أعلنت البارحة …الهدوء لم يرجع …الداخلية محاصرة بالشعب الغاضب الذي التاع منك طويلا …تواصلت المسيرات واحتشد الناس غاضبين أمام الداخلية وتكررت المواجهات …كان النظام وحشيا لكن الغروب حمل مفاجأة ثقيلة …أعلن التلفزيون بالخط العريض قرب بث خبر هام جاد . جاء محمد الغنوشي مرتعدا أعلن أن منصب الرئيس صار شاغرا الآن …انفجرنا فرحا …هرب بن علي …سقط السابع …’ هنا يذكرنا السرد بأصل الأشياء إذ الأسماء تحيل على الموضوعات ذاتها وهنا كذلك يشدنا الحدث إلى استفهام الرمز فلا يبقى من المكان غير إحالاته الرمزية أو ما يوحي به الخيال: ‘لا ينبغي فقط أن نأخذ مأخذ الجد هذه المقاربة الأولية للمشكل، بل كذلك أن نحصن معضلة التاريخ والحقيقة هذه ضد كل الحلول السابقة لأوانها. وأكثر الحلول رداءة هنا هو التلفيقية وأشدها إغراء هو ‘الاعتقاد بمنطق محايث للتاريخ’. ولأن المكان إحالة ضرورية على الزمان كان السرد يحيل القارئ إلى علاقة بين طرفيه الآن والماضي فإذ بالمتابع للأحداث يجد نفسه بين زمانين يجمع بينهما التوتر واليأس ومرارة الوجود ، فكأنّ الحاضر لا يختلف عن ذاك الماضي إلا بفعل موضوعية الانتماء .2ـ القارئ وكتابة المعنى هي لعبة أراد بها صاحب العمل جرّنا إلى الاعتراف بما يريده إذ لديه تتساوى كل الأزمنة بحكم السواد المنتشر في لحظات الزمان ومساحات المكان معا .هي مدينة ‘سيدي بوزيد’ أو ‘بوزيد ‘ إحالة على ملحمة الخلاص أو هي نقيض ذلك، فهي إشارة إلى وجه ‘علالة الزيني’ الذي يشبه واقع هذه المدينة المبهم. إن فتوحات الآن لم تغير حقيقة المكان فكأن رمزية الأسماء’ البوعزيزي – سمرقند – سيدي بوزيد …’ تغوص في فراغ الحاضر وضياع الأهالي بين شعارات الأمس والآن. لعلها تبحث عن معناها في ذهنية متلقيها بحثا عن ذاك الجميل الفني في سحره للقارئ :’لئن كانت كلمة ( (Rezeptionasthetikالألمانية توحي للأسف بسوء فهم محتوم، فإن كلمة (R’ception ) الفرنسية أو ( Reception ) الإنجليزية لا تستعمل إلا في لغة الصناعة الفندقية. بيد أنّ كثرة تداول هذا المبتكر المعنوي في النظرية الجمالية العالمية تستدعي التدقيق في استعمالها. فالتلقي بمفهومه الجمالي، ينطوي على بعدين: منفعل وفاعل في آن واحد. إنه عملية ذات وجهين أحدهما الأثر الذي ينتجه العمل في القارئ والآخر كيفية استقبال القارئ لهذا العمل (أو ‘استجابته’ له). فباستطاعة الجمهور (أو المرسل إليه) أن يستجيب للعمل الأدبي بطرق مختلفة، حيث يمكنه الاكتفاء باستهلاكه أو نقده أو الإعجاب به أو رفضه أو الالتذاذ بشكله أو تأويل مضمونه أو تكرار تفسير له مسلم به أو محاولة تفسير جديد له. كما يمكنه أن يستجيب للعمل بأن ينتج بنفسه عملا جديدا. هكذا إذن تستنفذ السيرورة التواصلية للتاريخ الأدبي: فالمنتج هو أيضا ودائما ‘متلق’ حين يشرع في الكتابة. فبواسطة كافة هذه الطرق المختلفة يتشكل معنى العمل على نحو جديد باستمرار، نتيجة تضافر عنصرين: أفق التوقع (أو السنن الأولى) الذي يفترضه العمل، وأفق التجربة (أو السنن الثانية) الذي يكمله المتلقي’.هو النص جدل مع قارئ يؤمن بكتابة تتأسس على إعادة التكوين ليصبح للقراءة سيادتها الأولى على ذاك الموضوع الملقى.إن القارئ باحث قبل كل شيء يتعامل مع نص وفق عقلية نقدية حيث توجد رؤية تنظيرية توجه العين وتكشف لها المختفي. لعله خطاب المعاصرة في تحديثه لبنية النص بما هي لعبة تأويل للمعنى خارج كل المتعاليات اللغوية والإسمية. إنه البحث عن سلطة القارئ لا سلطة ذات النص: ‘تعلمنا منذ مقتبل العمر كيف نرى إلى النص كلعبة أسلوبية. لا يتركب النص إلا من أدلة، أدلة فقط، ومع ذلك فإن كل أصولية أسلوبية تظل فعلا برانيا. إن الكتابة بحث عن أسلوب، ولكنها ليست حنينا أسلوبيا. حروف تنتقي حروفا، أدلة تعضد أدلة، والبلاغة صناعة أيضا. تغيير الأدلة من مواقعها داخل الأنساق اللغوية، وتفجير مدلولاتها المنسية والمكبوتة بعيدان عن الصدفة، فهما مغامرة تشتهي استنطاق رؤية وتدمير سيادة.استنطاق رؤية بمعنى أن النص يتحول إلى مجال إشاري، يختطف الحال ويمحو المعنى، يغوي الاستعارة والمجاز وينسى التنميق، يفسخ العلائق الوهمية بين الأشياء والأسماء، يخفي ويضمر قبل أن يبوح ويصرح، وما هذا الاستنطاق إلا تدمير لسيادة المعنى وأسبقيته داخل النص’ .لعلنا أمام عمل يحيل عنوانه القارئ على متابعة مسيرة الرجل ‘علالة الزيني’ هذا الجمع في صيغة مفرد هذا الحامل لوجه آخر من ذاكرة المدينة ومن وقع تسارع نبض أحداثها ونسج السرد في حكاياتها: ‘سارع علالة بالتوقيع على مناشدة الزين لانتخابات 2014 فهي فرصته الأخيرة ليضمن المنصب الذي يتمناه خصوصا وهو يسمع أن الزين إذا ربح فسيغير الوجوه القديمة ويصعد وجوها جديدة وهو يعتبر نفسه من الوجوه الجديرة بمناصب كبرى …يحلم بفرصة جديدة وفوز أكبر …ويسعى إلى أن تعين زوجته أيضا فهي أستاذة وقادرة على خدمة الجهة وهم يرغبون في تعيين النساء في المناصب …أنت يا علالة الدمية الكبيرة التي علت سيدي بوزيد وأهلها …أنت من بعت الجهة …أنت من هربت المشاريع وأفسدت البرامج’ ….3ـ الرواية بنية ‘العتبات’ وتأجيج المتخيلإنّ القارئ يخاتله عنوان العمل فيسعى لمتابعة مسيرة ‘علاّلة’ ولكن هيهات إنه لن يعثر من خلالها على ما يشفي فضوله ذلك أنّ حداثة تشكيل البنية السردية تخاتله فإذ هو في فضاء أسماء جديدة لها وقعها الخاص على الواقع والذاكرة معا. هي أسماء سياسية وإعلامية وشعبية أسطورية يتداخل فيها الواقعي والمعلوم’ – صالح جغام – الحبيب بورقيبة – محمد مزالي – الزين … ‘بالخيالي المجهول’ – عثمان الشرقي – خالي عبد السلام-عبد الله المسرحي …’ وهي أيضا فضاء إدراك المتلقي لذاك البعد الإسمي الحامل للأسطوري والعجيب ‘لقمان ـ علالة الزيني- … هي كلّ رمزي يحملنا إلى دلالات ثرية الأبعاد والمعاني تلح على ذواتنا وتدعوها إلى الانتباه لجدلها مع الموضوع لتأكيد سؤال المعنى بحثا عن ذاك النص الجديد واللذيذ في آن. أ فنحن مع رواية يحكمها زمن موضوعي يكره الحلم ويتوحد بالخبر في تقريرية المباشر والعيني أم نحن بصدد العودة إلى تاريخ الكتابة بتتبع وقع جدلية الذاكرة والمكان وفق متخيل فني جيد الرهانات؟ ‘ سواء أكان الفن رسما أو نحتا أو شعرا أو موسيقى … فليس من هدف له إلاّ استبعاد الرموز المفيدة عمليا والعموميات المقبولة اصطلاحا واجتماعيا وأخيرا استبعاد كل ما يحجب عنا الحقيقة والواقع لنكون وجها لوجه مع الواقع ذاته’. إن ما يجعل لهذا العمل وجودا فنيا جادا هو هذا التوجه نحو الرمز والدخول إلى عالم المتخيل إذ أن المدينة الموضوع ‘بوزيد’ هي مدينة أخرى فهي ليست فعل الثورة وشرارتها فحسب بل هي مدينة ‘علالة الزيني’ بعفنه القيمي وعمالته السياسية للتجمع حزب ‘بن علي’ الحاكم الدكتاتور السارق الهارب.هكذا يراوغ المجهول المعلوم في بنية سردية تعمدت اعتماد العتبات والعناوين، إنه يوظف عتبة الإهداء وعتبات الأبواب معتمدة أيضا على رمزية العناوين الداخلية التي تحف بالعمل.هي محاولة للاشتغال الفني على بنية العمل ليكون من رهاناتها الخفية هذه المحاولة لكسر رتابة زمانية السرد وذلك بتقديم تبويب آخر يتجاوز التراتب الزماني المعلوم للأحداث فإذ بالزمن يتحول إلى لعبة للمتخيل يشكله القارئ كيف شاء ومن أي عتبة يريد. لعل الكاتب يراهن على هذه البنية ليكون تقديم العناوين أو تأخير تراتبها في ذهنية القارئ غايته كسر موضوعية الأحداث مما يكسب القص روعة التلقي والبناء في آن.لقد استطاع رياض خليف في هذا العمل أن يبين للقارئ قدرة الكتابة الواقعية على تجاوز التأريخ والدخول بها إلى فضاءات متخيلة تعلن أنّ عهد الفن البعيد عن مشاغل الناس قد ولى بلا رجعة. هي الثورة التونسية في محاولتها تغيير السائد الفني مبشرة بكتابات تحفر في الموجود الشعبي وتقربه لذاك القارئ ليبني حدث الكتابة الجديدة للنص حيث الذات والحرية والإنسان: ‘وفن الرواية في جملته تجريبي في الثقافة العربية على وجه الخصوص لأنه كان يتداخل مع أنواع السرد التاريخي والشعبي الديني والعجائبي ويشبع شهوة القص في المجتمعات الشفاهية في رواية الأخبار والآثار من ناحية واختلاق الأكاذيب المتخيلة من ناحية أخرى’ الهوامش- (مصدر العمل) رياض خليف ‘علاّلة الزيني – أو المطلوب عدد 1 في سيدي بوزيد ‘ – رواية – مطبعة دنيا برانت سيدي بوزيد 2011 . بنيس- محمد بنيس : بيان الكتابة – كتاب البيانات ‘ أدونيس أمين صالح محمد قاسم حداد ‘ تقديم محمد لطفي اليوسفي سلسلة عناصر دار سيراس للنشر تونس 1995. – مجموعة من الباحثين الرواية العربية ممكنات السرد راجع مداخلة د. صلاح فضل التجريب في الإبداع الروائي. أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي ديسمبر 2004 المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت 2008 -الجزء الأول. – هانس روبيرت ياوس: جمالية التلقي من أجل تأويل جديد للنص الأدبي ترجمة رشيد بنحدّو . المجلس الأعلى للثقافة مصر 2004 .Paul Ricouer Histoire et V’rit’ Seuil – H . .BERGSON Le rire P .U.F 1962 –

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية