أمريكا والفخ المذهبي في العراق

حجم الخط
0

أمير المفرجيأصبح من البديهي ربط المأساة العراقية وحالة العنف وعدم الاستقرار في المجتمع العراقي، مع ما يحدث في بعض المجتمعات الأخرى لبلدان المنطقة الثائرة ضد أنظمتها الدكتاتورية المتشبثة بكرسي الحكم. فحالة التشابه نجدها في حالة الانقسام الســــياسي والاثني للمجتمــــعات، والتي يمكن ان نترجم أسبابها واعتبارها على إنها انقسامات مؤلمة وخطيرة وحروب داخلية بالوكالة لصراع مصالح القوى العظمى والإقليمية وكــــما حصل في التدخل الأمريكي ـ الإيراني في العراق من جهة، وما يحصل في الوقت الحاضر في سورية نتيجة للتدخل الروسي ـ الإيراني الرامي إلى كبح الثورة الشعبية السورية المطالبة برحيل الأسد والتي تحظى بتأييد الجانب التركي و الغربي المؤيد لإرادة الأغلبية السورية المطالبة برحيل النظام السوري من جهة اخرى.وقد تكون الظاهرة الأكثر وضوحا في حالة التشابه لهذه التغيرات الإقليمية وتداعياتها الخطيرة على مستقبل الدولة ونظامها السياسي والتي بدأت بالاحتلال الأمريكي للعراق، ومن ثم في التغييرات التي حصلت في تونس، ليبيا ومصر، وما يحدث في الوقت الحاضر في سورية، هو هذا التأييد الغربي ـ الروسي ـ الصيني المشترك والصريح للأحزاب التي تمثل الدين السياسي داخل ثورات الربيع العربي وعلى حساب البقية الباقية من تيارات المجتمع المدنية ألأخرى بالرغم من رفض الأغلبية المثقفة من النخبة العربية لهذه الهيمنة الدينية على المشهد السياسي الجديد للمنطقة. وقد تقودنا هذه المحصلة السلبية الى إعادة في قراءة الأحداث لفهم أدق للإستراتيجية الأمريكية التي قام على أساسها مشروع ما يسمى (الشرق الأوسط الكبير) ودور وأهمية العامل الديني لضمان نجاحها، ومن ثم مقارنتها مع الإستراتيجية الروسية الجديدة المضادة لها في المنطقة. حيث تم اعتبار العامل الديني من قبل الإدارات الأمريكية المتتابعة كمحور رئيسي وقاسم مشترك للتعامل مع العالم العربي والإسلامي وشعوب المنطقة المراد استغلال ثرواتها وربطها سياسيا بالقارة الأمريكية. وقد كان لبـُعد القارة الأمريكية عن منطقة الشرق الأوسط وعدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على مساحات واسعة من المناطق المهمة التي تقع فيها الثروات النفطية هي من أهم الأسباب لهذا المشروع مقارنة بدول أوروبا وروسيا التي تمتع بحدود بحرية وإقليمية وجغرافية مشتركة مع العالم العربي والإسلامي في منطقة البحر الأبيض المتوسط وإيران مما يسهل لها عملية الالتماس والتداخل.على ضوء ذلك، لم يعد مفاجئا للجميع رؤية تحول تطلعات ثورات الربيع في عالمنا العربي والإسلامي من خلال هذا (الاهتمام الأمريكي)، إلى امتداد للثقافة الدينية، واحتكار حكم الدولة من قبل أحزاب الدين السياسي والتفرد بالسلطة. وانطلاقا من نفس هذه المعادلة، وبوجود النــــزعة الطائفية، لم يعد مفاجئا أيضاً في ان تتحول تطلعات الثورة الدينية هذه إلى امتداد للثقافة المذهبية، يكون فيها النفس الطائفي وكره الطرف الأخر هو القاسم المشترك في عقليــــات هذه ألنخب وهي العقلية المجندة فكريا وماليا من قبل الدول ألإقليمية التي لا تتورع في وضع كل امكانياتها في بث وتغذية الاسلام السياسي الخاص بها لخدمة استراتيجيتها القومية المناهضة للتطلعات الوطنية المستـــقلة لشــعوب المنطقة.وهنا تكـُمن عوامل الخلل والفشل واحتمالات نجاح المشروع ألأمريكي، فثمة عوامل مذهبية وقوى إقليمية تدخل في نطاق حسابات النجاح أو الخسارة. فتفصيل المد الطائفي الشيعي في العراق من قبل إيران، وتفصيل المد السني في دول الربيع العربي من قبل تركيا والدول الخليجية قد جرد المشروع الأمريكي من أهدافه الرئيسية في الهيمنة بعد فقدانه لأهم عامل من عوامل النجاح ألا وهو ‘اعتبار الدين كمحور رئيسي وقاسم مشترك للتعامل مع دول المنطقة’ انطلاقا من أهمية العامل الديني في التعامل السياسي والاجتماعي عند غالبية شعوب العربية والإسلامية.وقد كان لهذا الخلل الخطير في آليات المشروع الأمريكي الأثر الكبير في تعميق الهوة بين التيارات الإسلامية نفسها ومن ثم اضطرار المكونات المذهبية الأخرى في الاعتماد على مساعدة القوى الإقليمية والدولية. وقد استغل الجانب الروسي هذا الخلل من خلال تطبيق نفس اللعبة الأمريكية وملئ الفراغ الذي خلفه التناقض الطائفي عن طريق مساندة مكونات الهلال الشيعي.من هذا المنطق، عمدت روسيا وبدعم صيني باستغلال هذا الخلل وتفعيله لصالحها عن طريق مساندة فكرة (الهلال الشيعي) ومحور إيران، سورية وحزب الله اللبناني للتصدي للمشروع الأمريكي ـ الغربي الحليف لثورات الربيع العربي بعد نجاح التيارات الدينية في تونس وليبيا ومصر في الوصول الى السلطة. وبمعنى أخر دعم روسيا لمشروع الجغرافية السياسية الشيعية (الهلال الشيعي) ومحور (إيران وسوريا وحزب الله اللبناني من أجل اسقاط ووقف تقدم المشروع الأخر الذي تمثله ثورات الربيع العربي (السنية) المدعومة من الغرب وتركيا ودول الخليج. وهذا يعني تكرار حلقات مسلسل القوة والتنافس بين موسكو وواشنطن التي مرت بها الشرق الأوسط أبان فترة الحرب الباردة، والتي من خلالها ساهمت أنظمة المنطقة في تنفيذها بالوكالة لصالح القوتين العظمتين مع تغير جذري في طبيعة الاصطفافات وهوية الوكلاء.لقد ترجمت الحالة السورية التي نعيشهــــا في الوقــــت الحاضر، ومحاولة نظام بشار الاسد في المناورة والتعنت على الرغم من الرفـــض الشعبي والعالمي لإستمراره في البقاء في السلطة عن حقيقة دور الدعم الروسي لنظامه ومن ثم لحلفــــائه لمجابهة الاستراتيجـــية الأمريكـــية عن طريق إستراتيجية ممــــاثلة ترعى مصالح الطائفية المذهبية والتحالف مع إيران الذي يمثلها مشروع (الهلال الشيعي). لقد كان للاصطفاف الجديد المتمثل بلعبة التقارب العراقي لحكومة نوري المالكي من روسيا مؤخراً بالرغم من توافق المشروع الأمريكي ولقائه مع التيار المذهبي الشيعي العراقي القريب من إيران في حكم الدولة العراقية بعد 2003، دلالات واضحة وكاشفة للخلل ألأمريكي، فيما يتعلق بمعادلة الدين وارتباطها المذهبي في العراق، وبالتالي فهو مؤشر واضح لحجم المصيدة وعمق الفخ التي وقعت فيه الإدارات الأمريكية بعد تسليمهم الدولة العراقية الى نظام مذهبي يدين الولاء إلى إيران التي هي بالأساس الحليفة الحالية لروسيا. وهذا ما يضع مستقبل المنطقة في إطار جديد ويفتح في النهاية كل الاحتمالات لخروج العراق من بيت الطاعة الأمريكي ودائرة النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط . فخيوط اللعبة وحيلها لم تعد خافية على الملأ بعد أن شهدت الفترة الحالية تنسيقا واسعا بين الـــنظام العراقي والروسي فيما يتعلق بالملف السوري وانضــــمام العراق الى محور موسكو وطهران من خلال ايجاد موطئ قدم للحرس الثوري الايراني في اكبر قاعدة جوية في الجنوب العراقي، والتي كانت حتى قبل سنة من اهم القواعد الاميركية في الشرق الأوسط. ناهيك عن تشكيل غرفة عمليات امنية لتبادل المعلومات ترتبط بشبكة اتصالات بين مراكز القيادة في موسكو وطهران ودمشق وبغداد لدعم نظام الأسد لوجستيا، لمواجهة محاولات المعارضة السورية الاطاحة بنظامه. ومن مفارقات هذه اللعبة السياسية وحيلها، التي تتبعها روسيا وإيران والعراق بالإضافة إلى شركائهم في (الهلال الشيعي) هو ان روسيا الاتحادية حالها حال الغرب لا تختلف بطبيعة علاقتهما الممتازة والمؤيدة لإسرائيل هي من تدافع على سورية وإيران وحزب الله والنظام المذهبي العراقي. وهؤلاء هم من يدعي بالدفاع عن القدس، وعلى إنهم يمثلون جبهة الممانعة لتحرير فلسطين.’ كاتب من تيار المواطنة العراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية