وداعا عفيفة اسكندر: المغنية التي تأخذنا برقتها إلى الجنة

حجم الخط
0

فاروق يوسفاستغرقُ في الصوت الذي له رائحة. الانوثة البغدادية تسيل على العشب. خضراء سيدتي، طالعك يمزج صيحة الديك بقدمي الخباز. ها نحن نفيق على المنديل الذي يلوح مثل يد مقطوعة. في الفجر لم يكن أحد منا يجرؤ على أن يقول وداعا. كنا نذهب إلى بغداد كما لو أننا لم نكن نمشي في شوارعها من قبل. بغداد هناك. تقول البجعة. أنصت إلى زرقة هوائها. هذا كلام آخر. أهبط السلالم محاربا كما لو أنني بكر صدقي. نحن نتجاور. غالبا ما كنا نفعل ذلك. ولكن مَن نحن؟ لو سألت يوسف عمر لحدثك عن داوود اللمنبجي. لو سألت مصطفى جواد لحدثك عن الاب انستاس مار الكرملي ولو سألت مائدة نزهت لحدثتك عن وديع خوندة. ‘كان اسمه سمير بغدادي’ يقول سالم حسين. يبدو لي أن العكس هو الصحيح. نحن مختلفون في البراءة، فكيف يتركنا الشيطان؟ هذه البغداد لا تحرسها ملائكة. ما من جندي سماوي يضع رأسه على وسادتها. حمل الحواريون أمتعتهم وتسللوا إلى قطار الشرق السريع. سيغمرون اغاثا كريستي بالقبلات. هذه السيدة لا تُذكر بمس بيل. يشغلها الحبر عن النظر إلى تيجان الملوك. مختلفتان. الاولى التقطت صورة لحرامي بغداد، اما الثانية فضاجعته. سيكون علينا أن نعترف أننا ولدنا في ليلة غامضة، اختلطت فيها توابل الهند القادمة من البصرة بأغاني الارمن القادمين إلى الموصل. لا يهم السؤال ‘مَن نحن؟’ نمشي في المسيرات مثل الارانب، وبعد ثاني كاس بيضاء يقع على مناضذنا الزئير. كنا متفائلين بطريقة غامضة، ومع ذلك فما من شيء نفعله إلا ويشي بنا كائنات يائسة، محطمة، مقهورة، ومطرودة من الجنة إلى الأبد. هناك صدأ في أقدامنا يذكر بعشب يابس قديم. ‘هل كانت لآدم شجرة في القرنة؟’ هذا شعب صعب. لست متأكدا من أن الملك فيصل الأول كتب في وصيته لابنه غازي كلمة شعب. ربما كانت الكلمة الادق (بلد). هو بلد صعب تماما. لا حيته حية ولا درجه درج. ذيل الحية فوق، أما الدرج فيمشي بمن يرتقيه بالعرض. الخبث مقابل الذكاء. كنا نتحدث عن السبع الذي يملأ سلته بطيخا. لذلك كنا بين حين وآخر نجلس على بطيخ أبيض. كان سبعنا قد اتخذ من ساحة الاندلس حظيرة لحيواناته المنوية.لم يكن أحد ينتظر أحدا في المحطة العالمية بجانب الكرخ. الكرخيون أنفسهم تخلوا للحكومة عن روائح حدائقهم. كنا، رعد عبد القادر وأنا، قد تهنا ذات مرة في شوارع كرادة مريم (مَن هي مريم هذه؟ هي ليست المنتحبة الشهيرة بالتأكيد ولا الميتة التي كان يوسف الصايغ يناديها في كتابه سيدة التفاحات الاربع). فجأة وجدنا أنفسنا في مواجهة كشك صغير، يجلس فيه رجل خشن الملامح لم يكن لديه ما يفعله سوى النظر بغضب إلى الفراغ الصامت الذي يحيط به من كل الجهات. ‘عمو هل لديك سجائر؟’ لم أجد في رأسي جملة أخرى. الرجل طردنا يومها كما لو كنا ذبابتين وأوصانا بأن نركض من أجل أن نصل إلى المنطقة التي لا يشكل فيها وجودنا محرضا له لممارسة العنف ضدنا. مثل دجاجتين ناعمتين مشينا. مقاطع من الضحك ودمعتان على حبل يكاد أن ينقطع وسلة مملوءة بالبصل الذي كان علينا أن نقشره. كانت الحكومة يومها قد بدأت بالتمدد. ولم تكن الحكومة سوى رجل آمن عابس. هل مشيت على الماء يا موسى؟ نحن مشينا على الجمر ضاحكين. بلاهة استثنائية صنعت عصورا من الاشفاق الداخلي. ما من أحد اشفق علينا. لا تصدق حديث الطوائف والقوميات والاديان. كان هناك الود المفقود بين أثنين لم يمسك واحد منهما برأس الخيط. كانت هناك حكومة وكان هناك شعب. كنا مثل المصريين ولم يكن فرعوننا محنطا، غير أن رسل الشمس لم تكن تخطئ الطريق إليه. كان ملهما، موحى إليه، أزاح الله عن عينيه حجاب الغيب. لذلك فقد مشينا وراءه مستبسلين من حفرة إلى أخرى، من تيه إلى آخر، من بسطال في القدم إلى آخر على الرأس. مثل المعدان نزحنا إلى الأرض التي ما بعدها أرض ونحن نردد ‘يا كاع ترابج كافوري’. الكاع هي الارض والتراب هو التراب والكافور غذاء الموتى. ما من شيء سوى الموت ليذكر. هل ارتاح الحجاج في قبره؟ كان الممثل راسم الجميلي يُكنى بـ(أبي ضوية) وكان يعمل عسكريا محترفا برتبة متدنية حين تمكنت منه السمنة فأحيل إلى التقاعد. كنا نتدحرج مثله. حجر ثقيل يبتسم. سنارة لصيد الثعالب. كان لدينا ما نفعله تحت الماء غير النوم. دغدغة بواطن أقدام الماشين على الماء. هل بلغنا ذيل الحية؟ الفم يتفاءل.كانت المغنية نائمة. تبعني صوتها. افتح الشباك على الغموض. الأشجار بيضاء. العينان كرتان من الثلج. بكيت لان المغنية لم تضع قدمها في خدمة الخلخال. وهو سوار ذهبي يقيد الساق من الأسفل. قدمان مقيدتان برائحة الذهب. ترفع مؤخرة قدمها عن الأرض فتئن الأصابع الخمسة. تقاس النعومة بنظرات النمل. حسبته لجة فكشفت عن ساقيها. كانت الأرض غير الأرض إذن. كل امرأة تخترع قدماها أرضا خاصة بها لتمشي عليها. نحن منذورون للنعومة. لرقة الجناح الذي يضرب الأهداب بدفق عاطفته. أمسى مساؤك سيدتي على نهار طويل في عمرك القصير. سنفكر في الحليب الذي ينتظرنا. تقع ناقة صالح على جبل من الاسفنج وكانت من حجر. سأعطر أبطيك بالياسمين الدمشقي. القبلة المسيحية التي لا تكف عن الابتسام. شيء منك يذكر بالترف البغدادي. نحن قوم إذا عشقنا هلكنا. كيف يمكنك أن تقسمين الوهتك بين الباشوات وبين الفقراء بإنصاف تحسدين عليه؟ على صراط المعنى كنت تقيمين. ليس لزمنك من ماض. صوتك يسبقني وأنا أمشي على الرماد بعد سنوات الجمر. أتذكرك فأفشل. المستقبل لا يمكن أن يكون مادة للذكرى. هناك سباق للركض، لم تكوني معنية بقياس مسافاته. ‘أيتها السيدة لقد سقطت قبعتك’ يقول أحدهم فتقولين له ضاحكة ‘يمكنك أن تتركها على المقعد. ستأتي سيدة من بعدي لتضعها على رأسها’. كنت لا تملين من الأمل. تعلمنا أن لا نضجر ونحن نستمع إليك. وما من أحد ينظر إلى الفراغ بغضب مثلما فعل ذلك الشرطي المهدد بانفجار خوائه الداخلي وفحولته المؤجلة. لقد كانت قدماك تقعان على أرض، كانتا في حقيقتهما عجينة الخلق. ستشرق عيناي بشجرة آدم. كان آدم عراقيا هو الآخر. حواء التي سلمته للهلاك كانت عراقية أيضا. صرت أنظر بإشفاق إلى كل صديق عربي يبلغني أنه قد تزوج من عراقية. آجلا أم عاجلا ستكون مجنونا. من المؤكد أنك ستخلف حشدا من المجانين. ليس لدى العراقية أي اهتمام بالمعجنات، ولكنها تنظر إلى المرق، وهو مزيج رباني من مواد نباتية وحيوانية باعتباره خلاصة خبرتها في تبرئة الانسجام من عناصره. في تلك الخلاصة يقيم جمالها وعصيانها وأنفتها وكبرياؤها وضعفها الماكر. امرأة لكل الفصول. آذار هو شهرها الذي تتفجر فيه ينابيعها. ربيعها غاضب. ‘لن تجدني في الربيع القادم’ هلاكها يقول. كان اسمها عفيفة اسكندر. سيكون أسمها دائما عفيفة اسكندر.بنت لنا معبدا للجمال وغابت. هي ابنة هذا الشرق المسيحي الغامض. نمشي بقدميها لنجد أنفسنا. في غابة رقتها هناك غزال يكلم نفسه. ليس للعراق سوى الامهات المتأوهات. كانت عفيفة اسكندر أما عراقية عظيمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية