الأوهام مهنتنا: بين الثّورات وأوباما

حجم الخط
0

فتحي العكرمي إن كانت الثّورات قد فاجأت المجتمعات العربيّة وخرجت عن حسابات الغرب ، فإنّها اليوم أصبحت واضحة على الأقل في بعض أسسها المرتبكة والمنقوصة من تفكير حادّ يفهم أسباب قيامها والرّهانات التي تطلبها. فالرّاهن يكشف عن سلبيّات كثيرة وجب الوعي بها لكي يكون التغيير الثوري أمرا ممكنا. سلبيات الرّاهن الثّوري: ما كان جامعا لمعظم الشّعب في بداية الثورات مثل الرغبة في تغيير أنظمة الحكم والعدالة الاجتماعية أصبح علامة تفريق إذ تشظّت المطالب وتناقضت بتناقض الطّروحات السياسيّة فما يبدو جوهر الثّورة عند بعض الاحزاب كالحرّيّة يمثّل لدى آخرين ضربا من البِدعة الحرام، فهذا التناقض الإيديولوجي بين الأحزاب كان ليكون علامة صحّة وتحرر من الحزب الواحد والسّلطة الوحيدة لو لم يكن قائما على الإقصاء والعنف والتّكفير والتّخوين. هذا يعني أنّا لم نفهم بعد شروط وآليات الاختلاف، فلا شعورنا محكوم بسلطة الواحد حاكما كان أو إيديولوجيا أو حزبا، فالثّورات لم تنتج ثقافة التنوّع والجدل المنتج للجديد ولتبادل المواقع والأدوار والتصوّرات بل بدأت في ترسيخ ما كان سائدا من سلطة الواحد وامتلاك الحقيقة وحيازة البديل الوحيد بينما المختلف خاطئ وواهم.تبدو العلامة الثانية الدّالّة على واقع سلبي في سيطرة ثقافة العنف الرّمزي كالتخوين والتّكفير والكذب على الشعوب وتغطية الواقع وتزييف الحقائق والنفاق مع عنف مادّي تجسّد في ما وقع بين أجهزة الدّولة ممثلة في الأمن والقانون مع السلفيّة المتشدّدة التي تريد لكل المجتمع أن يكون على نفس الشاكلة في التفكير والعبادة واللباس. فالسلطة الحاكمة في مصر وتونس وجدت نفسها محاصرة بين مطرقة السلفيين وسنديان مجتمع مدني يراهن على دولة مدنيّة تشرّع الحرّيّة وعلى قانون وضعي من صنع الإنسان وليس على خلافة أو حكم تيوقراطي يستمدّ كل تفاصيله من الدين، فهذا الصراع بين السّلطة الحاكمة، المعارضة والسّلفيين لن يكون منتجا لمسار جديد وثقافة لم تكن معهودة لسبب بسيط هو أنّ ما يحرّكها ليس الرّغبة في البحث عن وضعيّة أفضل لمواطن تنقصه الدّرجة الدّنيا من الحياة الكريمة بل تحرّكها أجندات سياسيّة تراهن على الحكم وتفعل كل ما هو متاح لها من أجل العرش. في ظلّ هذا الصراع يظل الوطن معلّقا بين ماض ثارت عليه العباد وبين حاضر لم تتشكّل فيه الطريق التي يريدها وبين مستقبل مجهول مرتبط بحسابات متداخلة تتراوح بين الوطني والإقليمي والعالمي.أوباما الجديد أم المُعاد: فوز أوباما بولاية ثانية أسعد الكثيرين وكأنّه يمتلك الخاتم السّحري الذي يُصلح ما عجزنا عن فعله ويقرّب بين الإخوة الأعداء وبين أبناء الوطن الواحد ويُصلح الصعوبات العربيّة المتراكمة من الفقر والتجهيل واللاعدالة والاستبداد والعنف، ما يهمّه أساسا و فاز لهذا السبب – هو البيت الأمريكي أوّلا وأخيرا فكل مصلحة لاتصبّ في هذا الاتجاه هي لاتهمّه. ستكون ولايته الثانية مريحة وأفضل من الأولى للأسباب التالية: – القوى الإقليمية العربيّة تمّ القضاء عليها بداية بالعراق وانتهاء بسوريا التي لم يبق لها من القوّة ما به تكون فاعلا إقليميا يحدث توازنا في الشرق الأوسط – الصراع الفلسطيني الفلسطيني فالاختلاف بين فتح وحماس لم يعد متعلّقا بالطّرق التي تعاد بها الأرض المسلوبة بل أصبحت موجّهة لغايات سياسية تهدف إلى الحكم مع التصريح الأخير لمحمود عبّاس الذي تخلّى عن حقّ العودة وما يعنيه ذلك من تنازل دون معنى ودون مقابل إلا إذا كان البحث عن الاستمرار في الحكم هو الغاية الوحيدة من وجوده على رأس السلطة الفلسطينية حتّى لو باع كل القضيّة.- الثّورات التي اجتاحت مجمل الدّول العربية وما تبع ذلك من صراعات مسلّحة قتلت الآلاف ودمّرت البنى التحتيّة وخلقت أعداء حقيقين داخل الوطن الواحد وقضت على الاقتصاد وهو ما سيجعل الحاكمين الجدد يستحقّون للمعونات الأمريكية والغربيّة ومعها نصحهم وتوجيههم.- التيّارات السّلفيّة الجديدة التي ظهرت بعد الثّورات هي في ذات الوقت المشكل والحل لدى أوباما ففي الحالة الأولى سيوكل المهمّة للحاكمين الجدد لإيجاد الحلّ لهذه الظاهرة وفي الحالة الثانية يكون التدخل في أيّ منطقة مبرّرا والبحث عن طريقة للتدخّل في شمال مالي وزيارة كلينتون للجزائر مؤخّرا دليل على ذلك.- لم يعد تعويل الأمريكان على النفط الخليجي كما كان منذ عشرات السنوات السابقة بل أصبح الاحتياطي لديها كبيرا حتّى قبل الحرب على العراق لأنّها كانت تعلم أنّ تلك الحرب قد تغيّر الخليج بشكل كبير مما يجعل تزويدها بالنفط الخليجي صعبا.- في حالة قيام حرب بين إسرائيل وإيران فإن الأخيرة ستكون معزولة إقليميا والرّفض الرّوسي لذلك لن يكون إلا شبيها برفضها للتدخّل الغربي في سوريا المحكوم بحسابات متغيّرة باستمرار انطلاقا من سعر النفط وصولا إلى بيع أسلحتها وانتهاء بحاكم بديل يؤمّن لها مصالحها. – يشير الحاضر إلى أنّ المستقبل سيحمل معه المزيد من الثّورات وما يصحبها من توتّرات داخليّة وإقليمية وازدياد المرجعيات السياسية والحزبية والعقائديّة وهو ما سيجعل أوباما ‘مراقبا ومعاقبا’ يوجّه الثّورات وجهة تجعلها في ذات الوقت عاجزة على الفعل لوحدها ومحتاجة دوما لتوجيهه ولإعاناته.حصاد الوهم: مازلنا نتوهّم أنّ تغيير رئيس في الولايات المتّحدة يحمل معه الدّواء الفعّال لمشاكلنا المتراكمة من الفقر إلى الجهل والإقصاء والقتل والرغبة في تدمير الآخر وتحطيم مقوّمات الوطن المنهك بالاستبداد وبالنفاق وبعشق السّلطة وباحتقار المواطن حتّى لو كان مخترعا ومبدعا وعالما.مازلنا نتخيّل أنّ الغربي والأجنبي والمستعمر والعنصري قادر على تقديم وصفة جاهزة تحلّ كل الصعوبات في حين نرى في المواطن الذي يتقاسم معنا نفس الوطن وذات الهموم كافرا وخارجا عن الملّة وعميل. ألم يحن الوقت لندرك حجم الخسائر التي تكبّدناها نتيجة لأوهام وأخطاء وفوضى وأنانيّة وانعدام وعي جعلتنا أمّة ‘ضحكت من جهلنا الأمم’؟.’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية