ياسر عرفات.. ثماني سنوات في ذمة الله والتاريخ

حجم الخط
0

د. ناصر عبد الرحمن الفرا مختلف الأديان السماوية تحث على تكريم الأموات. وإذا كان من رفعت روحه للسماوات العلى قد قضى نحبه وبذل أقصى جهده في خدمة وطنه وأمته، فيُحتم أن يثنى عليه بأسمى معاني الذكر. وهذا هو الحال فيما يتعلق بياسر عرفات، الذي في مثل هذه الأيام داهمه المرض بشدة ووافته المنية بعد كثير من المعاناة والغموض. في هذه اللحظة التاريخية، أبو عمار يستحق أن يستذكر بالشكل اللائق لما حاول وقدم من خدمات جليلة لشعبة ولقضيته. بمناسبة الذكرى الثامنة لوفاته، نتضرع أن يتغمد الله الفقيد بواسع رحمته وأن يحتسب مع الشهداء والابرار والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. هذا الدعاء هو خير ما يمكن أن يرتجي لمن أنتقل لجوار ربه بعد أن جاهد وأجتهد، أصاب وأخطأ، فجازاه الله خيراً على حسن عمله وغفر له سيئاته. لقد كرس القائد الفلسطيني معظم حياته في الدفاع عن قضية وطنه. مجهوده الجبار لم يذهب هباءً، فقد كافأه شعبه شرف اختزال هذه القضية في شخصه، فأصبح لعقود رمزها وظلها. وفاءً للدور الذي مارسه بمزيج من الصبر والحنكة، مازال أسمه منحوتاً في ذاكرة الكثير، وخاصة من قبلوا بمحض إرادتهم ان يمثلهم ويتحدث باسمهم، رغم اختلافهم معه في كثير من الفروع والاصول المتعلقة بسبل حل القضية. ذلك الاختلاف لم يصل يوماً لحد القطيعة التامة. السر يكمن في تقديره لإرادة الشعب وتمسكه بالثوابت الوطنية وفي تركيبة شخصيته الاجتماعية، السياسية والدينية اللينة، والأهم في تمثيله لكافة فئات المجتمع بدون تفاوت. المؤكد هو أنه عاش حياته على عقيدة وطنية- دينية راسخة، لا تمت بصلة لتعقيدات المفاهيم الايدلوجية والتشكيلات الحزبية الكلاسيكية، التي لم تتطور بعد بعالمنا العربي. تشبث فقط بمبادئ قائمة على تقديس الله وتعاليمه والوفاء للوطن. بشكل موازي لمشروع التحرير، كان يحمل في جعبته مشروعا نهضويا للمجتمع الفلسطيني يتجاوز المشاريع التقدمية التي برزت في حقبة الستينيات، مركزاً بشكل خاص على الرقي العلمي، التعددية واحترام الانسان والحريات. عمل في ذلك حسب ما يرضي ربه وضميره. رمزياً أثبت انتماءه لشعبة بتتويج رأسه بشعاره السامي االكوفيةب. سلوكه العام جعله ينال باستحقاق تقدير الجميع. وفاءً ذلك ولما أنجز بقي االرئيسب خالداً رغم الفراق. تلك كانت بعض الركائز الاساسية التي ربطت علاقة عرفات بقضيته وبمن حوله خلال مختلف مراحل حياته، والتي يمكن أن توجز في أربع مراحل: الانطلاقة الثورية؛ الحرب الأهلية اللبنانية؛ الانزواء التونسي؛ والعودة وتشييد أسس نواة الدولة الوطنية. أزهى هذه المراحل هي الأولى والأخيرة، وأصعبها الثانية والثالثة. مرحلة الانطلاقة الثورية هي فترة البراءة، العزيمة، القوة، الثقة، الثبات، النضال والحركة السريعة بين مختلف الجبهات والعواصم لتثبيت قواعد القضية الوطنية ومعايير الصراع الفلسطيني ذ الإسرائيلي – العربي. خلالها تمكن المرحوم من اكتساب قلوب، عقول، دعم وتضامن قسم هائل من الرأي العام المحلي والعالمي، بفضل ما كان يجيد من فن تجسيد جوهر وعدالة هذه القضية ولما كرس من مجهود دؤوب في الدفاع عن حقوق شعبه المشرد والمضطهد. لقد سعى وتمكن بأسلوبه المتواضع ورغم قلة الامكانيات من فرض وجوده الشخصي والمؤسسي على كافة الساحات. صورته النمطية لفتت انتباه الكثير في العالم، لما كان يمثل من نوعية فريدة في عالم السياسة االشيخ التقدمي الثوريب المناقض اللشيخ الثري النفطيب. في الشرق والغرب، الجميع كان يرغب في التقاط صورة تذكارية معه لكونه حالة نادرة تمكنت لدرجة ما من التوفيق بين الأصالة والحداثة. لقد حاول ونجح عرفات في توظيف صورته الجذابة لصالح قضية وطنه لأقصى الحدود.مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية المؤلمة والانزلاق التدريجي الفلسطيني، إرادياً أو غير إرادياً، في متاهات الصراعات العربية، بقصد تحييدها وإبقاء كافة القوى مركزة أتجاه إسرائيل، أضنت عرفات بشدة. القتل الوحشي، الاغتيالات، الملاحقات، حصار المدن والمخيمات، تخاذل الأصدقاء والحلفاء، تكالب شياطين الأنس والجن، الترحيل بين المدن وعبر البحار ونزع السلاح، تاج الثوار، توالت تلقائياً بشكل لم يكن يتخيله يوماً في حياته. لقد كانت سنوات عجافا، بلا صفاء، كادت أن تفقد الرجل عذريته الثورية، أفكاره الشبه تقدمية، عزيمته، صوابه وحياته. لو كان بإمكان عرفات حذف مرحلة معينة من تاريخه لكانت هذه بالتأكيد، وذلك رغم محاولات الكثير على تصويرها وكأنها فقط مرحلة بطولات وصمود، متناسين بأن خلالها تم ارتكاب أبشع المجازر وأسوأ عمليات التشريد القسرية، على أيدي الأعداء، ومن اعتبرهم يوماً رفقاء الدرب.رغم كون مرحلة الانزواء التونسي شاقة سياسياً ومعنوياً فقد كانت أرحم بكثير من الحقبة اللبنانية، خاصة وأن السخط الداخلي والخارجي ونزيف الدم المتواصل كان قد توقف لحد ما. بعد كل ما حدث سابقاً، يمكن اعتبارها فترة اقامة جبرية، انضواء سياسي ولبلورة الاستراتيجية البديلة. أبغض ما فيها فقدانه باقة من الاصدقاء، أبو أياد، أبو الهول وأبو جهاد. (إسرائيل اعترفت باغتيال الأخير لتستبق نتائج التحقيقات المتعلقة بوفاة أبو عمار، لتوحي بانها غير مبالية بما ستأتي به وإنها لم تحاسب سابقاً فكيف ستحاسب لاحقاً). خلال هذه المرحلة انتبه كذلك لتعقيدات المؤسسة التنظيمية التي انشأت لتكون، حين الضرورة، الذراع السياسي لتحرير فلسطين. تفعيل هذه المؤسسة الوطنية، اشباع رغبات الكثير من اتباعها وموظفيها، خاصة ذو الأحذية اللامعة والقمصان ما بين البيضاء والخضراء، وجعلها حقاً الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أصبحت أثقل اعبائه. خلال هذه المرحلة بالتحديد، معظم رحلاته المكوكية لم تكن فقط من أجل الدفاع عن قضية شعبة وابتكار أساليب جديدة لمنازلة إسرائيل، إنما كذلك لتثبيت استقلالية هذه المؤسسة، الحفاظ على نوع من الانسجام والتوازن بين مختلف القوى المشكلة لها، والتي لم تتوقف يوماً عن التشكيك في مواقفه، وأخيراً ضمان رواتب ومصاريف العاملين عليها، حتى لا ينفضوا أو يلتفوا عليه حال دارت الدائرة. على المستوى الشخصي، أجمل ما فيها أنها كانت مرحلة الدفء والعشق، فلأول مره امتلك عرفات بيتا خاصا وأكتشف أن له قلب كان قد سهى عن متعته زمناً.المرحلة التونسية هي مرحلة البحث عن جاه السياسة على حساب جاه السلاح. هي مرحلة التحول والاختراق التدريجي للثروة في الثورة. شخصيات مقتدرة أو طامعة أن تصبح اقتربت أكثر وأكثر من عرفات، بإرادتها أو مدفوعة، لتحل محل الكوادر الثورية التي أجُبرت على تهميش نفسها حين لاحظت أن مسار القضية سوف يدخل طوراً جديداً. هذه الشخصيات، المسلحة بأكذوبة فكرة لا بديل، هي من بدأت في تمهيد الطريق نحو عملية السلام كخيار وحيد. رغم التغيرات ولكونه من عائلة متواضعة وذات تاريخ لم يعرف سوى نهج النضال، كان طبيعياً أن يكون عرفات، على الأقل داخل نفسه، أقرب للكوادر الثورية من الشخصيات المقتدرة أو التي صعدت قطار الحركة والثورة بحثاً عن الجاه والمال، أو كلاهما معاً. رغم جشع وإغراء الكثير ممن أحاطوا به، فقد بقي الرجل ملتزما، عفيف النفس، أشبه بالمتقشف، لا يجيد فن إدارة المال العام، بدون أرقام حسابات معروفة، بيوت فاخرة أو مدخرات، لنفسه أو لأهله. ما قيل عن ثرائه على حساب المال العام لم تُثبت حقيقته لا قبل ولا بعد وفاته. من كان يقف وراء حملة التشهير هذه كان يهدف النيل من كرامته وأضعاف قيادته، بسبب مواقفة الثابتة، رفضه الاستسلام من خلال المفاوضات ولتمسكه بحق شعبه في العودة لكل قرية من قرى وطنه، كانت تلك في صفد أم في طبريا. كان على يقين بأن التخلي عن فكرة العودة لأي بلده سيجبره التخلي عن أخرى، الخليل مثلاً، بل وسيضعف من شرعيته امام الجميع. كان على معرفة بأن ليس هنالك يهودياً يرفض حلم االعام القادم في أورشليم’، لذلك تمسك بفكرة الصلاة فوق كل قطعة من الأرض المقدسة. لم يساوم ليظهر أنه رجل سلام امام عدو لم يكف يوماً عن القتل والتدمير. لقد أبدى جسارة وذكاء، وكان على دراية بأن آخر ما يهم الرأي العام الإسرائيلي هو ما يقوله أو يعانيه الفلسطيني.رغم تعقيدات العملية السلمية التي دفُع إليها واجتازها بمشقة، فأن نوعا من البهجة رُسمت على تقاطيع وجه عرفات بعد عودته لأرض أبائه وأجداده. سمات السعادة البارزة من بين ملامح الشيخوخة كانت توحي بعودة القائد المنتصر الملامس لحلمة. لو كان بإمكان القائد اجتياز فلسطين التاريخية ممتطيا جواداً، كما فعل سابقاً عمر وصلاح الدين، لما تأنى ولو للحظة واحدة في ذلك. هي مخيلة من له انتماء عاطفي وديني بالأرض المقدسة. بعودته على سيارة مكشوفة، حسب متطلبات الحضارة، بدأ يشعر من جديد مغزى تصفيق الرجال وزغاريد النساء، التي كان يرقص االدبكةب على ايقاعها أيام العز والرخاء في مخيم عين الحلوة وقلعة شُقيف. بوصوله لأرض الميعاد، بدأت البهجة تتجسد عملياً في البدء في تشييد نواة الدولة الوطنية التي ناضل حيناً وفاوض حيناً من أجلها، وحلم دائماً أن تكون القدس عاصمتها. رغم الصعوبات التي كان عليه مواجهتا، هي أسعد وأزهى مراحل حياته. لقد أختصر المرحوم صعوبة كل مرحلة من مراحل مسيرته السياسية في فكرة تضافر الجهود والقوى الداخلية والخارجية، كان ذلك خلال فترة النضال أو بناء المؤسسات السيادية الوطنية. لإنجاز هذا الهدف بالتحديد، عاد يجول العالم، يفاوض من جهة، ويطالب بالدعم المالي والسياسي لدولته الوليدة من جهة أخرى. فوق أرض الواقع وبعد جهد هائل تمكن من البدء في وضع أسس نواة هذه الدولة، بالتحديد المجلس التشريعي، الوزرات والأجهزة الأمنية. المشكلة أنه لم يكترث لتعقيدات وصعوبة عملية تحويل الثورة إلى دولة، خاصة وأنه بحكم السن لم يكن في أوج قواه العقلية للقيام بهذه المهمة، أو حتى منافسة المعتقدين بأنهم أجدر لها. كان أهون عليه غرس ازهوةب حياته فوق الأرض التي عاش ومات من أجلها. بولادة أبنته الوحيدة، أكتشف عرفات متأخراً أن للحياة معنى ليس له صله بعالم السياسة الغاشم. هذا العالم لم يتأنى في الظهور له بمختلف اشكالياته القريبة والبعيدة. منذ أن حطت قدماه تراب الوطن وإسرائيل تراقب بتمعن نوايا المرحوم، الظاهر منها والباطن. فور اكتشافها كافة أبعاد تلك النوايا، لم تتمهل الحكومات اليهودية المتعاقبة من تنفيذ استراتيجية مضادة قائمة على عرقلة المسيرة التفاوضية، تضييق الخناق على مشروعة الوطني، محاصرة المدن، محاباة وأغراء من حوله، البحث عن بديل له، تحيده سياسياً وتصفيته، إذ أمكن، جسدياً. رغم صلابة إرادته وقوة عزيمته لم يكن في مقدرة ‘الختيار’ تجاوز كل المحن، خاصة المتعلقة بمرضة الغامض، الذي لم يحدد الأطباء بعد كافة أعراضه وملابساته. حين جاء معاد الرحيل، أنتقل المرحوم لجوار ربه ولم يكتمل كلياً الحلم الذي راوده منذ شبابه. توفي ذاكراً ومستغفراً لربه، راجياً رضا شعبه ومرتاحاً لما قدر له أن يعيش في وطنة، قرب أكناف معابده المقدسة، بين أهله وخلانه، الذي أعتقد بأن من بين أصلابهم سوف يخرج دائماً من يتذكره، يفسر الغاز حياته، يكشف اسرار مماته ويكمل المشوار الذي ابتدأه. جازى الله الفقيد خيراً على صالح اعماله وحسن نيته، تغمده بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.’ كاتب فلسطيني مقيم في إسبانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية