عمان ‘القدس العربي’ـ من سميرة عوض: تزخر العاصمة الأردنية عمان بالمعارض التشكيلية، التي تقام لفنانين أردنيين او عرب او حتى عالميين، ومن المعارض التي تقام خاليا معرض الفنان السوري عادل داوود، والذي يقام تقديراً لبصمته المميزة في الفضاء التشكيلي السوري منذ تخرجه ومعرضه الأول في دمشق، الأمر الذي دفع مركز رؤى للفنون إلى دعوة الفنان السوري الشاب عادل داوود لإقامة معرضه الشخصي الثاني في عمان، جرياً على التقليد الذي استنه غاليري رؤى 32 للفنون منذ تأسيسه، ألا وهو تشجيع الفنانين الشباب المميزين على عرض تجاربهم في صالته، جنباً إلى جنب مع عروضها الأخرى لأعمال الفنانين الرواد في العالم العربي.والفنان عادل داوود مواليد الحسكة في 19 تشرين أول عام 1980، درس وتخرج من مركز الفنون الجميلة في الحسكة، قبل أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة بدمشق، وهو من الفنانين السوريين الشباب، لفت الأنظار إليه منذ تخرجه من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق في العام الماضي (2011) وهو من الأوائل في دفعته، أقام معرضه الشخصي الأول في صالة ‘آرت هاوس’ في العاصمة السورية في نيسان ‘ابريل الماضي’، واستقبل بموجة واسعة من الترحيب الحار في الأوساط الفنية والنقدية.وكان شارك منذ عام 1999 في نحو 15 معرضاً جماعياً أقيمت في دمشق وحلب ومدن سورية أخرى، إضافة إلى مشاركة وحيدة له في معرض جماعي في السويد تحت عنوان ‘لوحات من الشرق’.” ‘القدس العربي’ زارت المعرض الذي حمل عنوان ‘مساحات’ وضمّ 24 عملاً من الأحجام الكبيرة، نفذت بالألوان الزيتية والأكريليك، والتقت الفنان الشاب الذي عبر عن دهشته بالجمهور الأردني’ الذي يتقن – أي الجمهور الأردني- كيف يصير جزءا من اللوحة’، وأضاف ‘أنا مصدوم، صدمة جميلة، وما زلت مسرورا، وانا أشاهد زيارات الجمهور لمعرضي تتواصل بعد أكثر من اسبوع على افتتاحه، فيما ـ بالعادة – الناس يحضرون فقط يوم الافتتاح، فضلا عن التعامل الراقي مع مديرة الغاليري سعاد وهاني الحوارني بوصفيهما فنانين’.وعن علاقة لوحته التشكيلية بما يجري في بلده سوريا، يقول داوود بلكنته الشامية: ‘ أبدا أنا ما انبسطت بالحدث السياسي في بلدي، ولا بالحديث السياسي اللي عم يصير’، وزاد: ‘أنا حالة تشكيلية، وهي حالة بصرية اريدها أن تتخمر أكثر، فالعمل التشكيلي ليس مثل السينما الواقعية، بل هو شي قريب من الشعر، أحاول أن أشكل علاقة ايجابية مع العمل الفني، علاقة تتصف باستمرارية العمل، وبهذه الطريقة أعمل وأطور عملي الفني’.وعن كيفية إنجازه لمعرضه في ظل ما يجري في سوريا من عنف يقول داوود: ‘كل لوحات هذه المجموعة جديدة، رسمتها جميعها تحت حالة القصف، لا اخرج من البيت، متفرغ للرسم لهذا المعرض’، منوها: ‘لأول مرة أرسم اعمالي بدون موسيقى تلازمني خلال الرسم، لان اعمال القصف والعنف كانت خلفية للوحاتي’.يقول الفنان داوود: ‘كما في أعمالي الأخرى، أحاول في هذا المعرض الوصول إلى نوع من الموازنة والمواءمة ما بين الجانب التعبيري لأعمالي، وهو الجانب المتمثل في تبسيط الأشكال وتظهير إنفعالية الخطوط واللمسات اللونية، وما بين الجانب التجريدي الذي أقوم من خلاله بمعالجة المساحات الواسعة، عن طريق إحداث إيقاعات بصرية ذات طبيعة اهتزازية في بنية العمل. إن هاجسي الأول هو الوصول إلى إيقاعات لونية متنوعة، وإبراز البنية الموسيقية للوحة، وبالتالي تجريد المادة اللونية كي تتحول إلى عنصر تشكيلي حر، يحقق التوازن ما بين الوعي والانفعال. إنني أفعل ذلك من خلال تحريك فرشاة الألوان بتلقائية مطلقة على قماشة اللوحة الفارغة، وصولاً إلى معالجة متحررة وسريعة’.وتتسم أعمال الفنان داوود في معرضه الذي افتتحته الأميرة وجدان الهاشمي، بحضور حشد من الفنانين والنقاد ومقتني الأعمال الفنية، بأنها تستدرج عين المشاهد من خلال المزج ما بين التعبيرية والتجريد، متكئا على الجسد البشري، وحركته، التي تتوسط اللوحة ذات المساحة الشاسعة، او تتكىء على أرضيتها، او أحد جوانبها، تهيم في فضاءات مجردة، تطغى عليها الألوان المشرقة الصريحة، ما يضفي عليها الطابع الدرامي، وعن هذه السمة يقول داوود: ‘صحيح هناك مساحات شاسعة في اللوحة ذات لون واحد، لكنه متدرج، لكن مساحة العمل الفني نفسه كانت هي المكان الذي له علاقة بالذاكرة، التي استلهمها من منطقة الجزيرة- الحسكة ـ حيث ولدت وعشت طفولتي- حاولت أن اخذ منها ألوانها حسب الفصول الأربعة، ومن ثم أدخل شخوصي في المساحة الفطرية التي لدي، والشخوص في لوحاتي مرتبطة بحالتي النفسية، وبالواقع الذي أعيشه، وبالأحرى بالواقع الذي يفرض نفسه علي، وبالمشهد الذي يفرض نفسه على مساحة الذاكرة لدي، من هنا جاء اسم معرضي ‘مساحات’.وزاد داوود: ‘لانني عشت في منطقة ذات خصوصية، لا احتاج الى قرار لاختيار لون معين، انا عايش في منطقة كل ما فيها يصلح ليصبح خيطا لربط المتلقي بالعمل، وزج المتلقي للصراع مع العمل أيضا’.وعن غياب تسمية للوحاته، كما يفعل العديد من التشكيليين، يرى داوود انه من الافضل تركها بدون اسماء، لافتا أن ‘العنوان – مساحات- كاف للمشاهد، فمن الصعب أن احول اعمالي لادب، المتلقي لا يحتاج لتسميات ليفهم ما هي الحالة البصرية؟، والتشكيل/ اللوحة اكثر من حالة – بين قوسين-.وماذا عن النقد الفني لعله أنصفك، منذ معرضك الأول؟ يرد داوود: ‘الزمن يلعب دوره، وكذلك التجربة، فالنقد هو توضيح لما هو موجود، لكن لا يمكن للنقاد أن يقولوا لنا ماذا يمكن أن يحدث لاحقا. نريد نقادا متفرغين ولكن للاسف نسبة قليلة منهم، موجودة’.كيف هي علاقتك باللوحة.. كيف تبدأ؟ وكيف تقرر أن لحظة اكتمالها حانت فتقوم بتوقيعها؟تستوقفني علاقتي مع اللوحة كثيرا… وهذا سؤال يستوقفني كثيرا، وانا نفسي سألت كثيرا من الرواد عنه.في الواقع أبدا بالعمل امام اللوحة الفارغة تماما، لا اقوم بعمل اسكتشات مسبقة، ومباشرة على اللوحة أمسح اشياء، وأضيف أشياء، واعتبر كل لوحة حياة خاصة مثل أي شيء ‘انا عم عيش حياتي مع اللوحة ما بعرف امتى بخلص منها، أو بكم لمسة بخلص العمل’.وعندما أوقع العمل للاسف بكون دائما ‘مزعوج’ لشعوري أنها لم تكتمل بعد، لأن أعمالي لها علاقة بالحلم، وإنهاء العمل ليس له علاقة بمنطق الحلم الذي اعمل عليه باللوحة، في الواقع لا يمكنني مناقشة ذلك، وكيف توصل اللوحة حلمي بشكله الملموس.أي نموذج من الفنانين أقرب إليك؟ وماذا عن أحلامك الفنية؟ أحب الفنانين التعبيريين، والمشرفين ممن دربوني منهم، لم يقولوا لي ‘وقف هنا’… بل جرب ولا تقف عند شكل، هناك اسماء كثيرة ممن احبهم.أما أحلامي الفنية فأحب لها ألا تقف عند حد، فبعد تخرجي مباشرة فتحت صالات العرض أمامي، واحب ان استمر في هذا المجال. ولا اقف عند شي بسيط، أحب أن احلم اكثر، وأن استمر.. المهم أن أستمر بحلمي…قالوا عن تجربتهويصف الناقد السوري خالد المز تجربة الفنان عادل داوود: ‘ما يميز عمل الفنان هي تللك الفضاءات المفتوحة لشخوصه التشكيلية وهي أعمال أقرب للأسلوب التجريدي، مقدماً أشكالاً إنسانية مختلفة ومقنعة بحركاتها اللونية المدروسة بعناية. ملون جديد على الساحة التشكيلية السورية، كما اعتمد الفنان على خلفيات لونية موفقة بدراسته للفراغ الذي وظفه بشكل مبهر للعين من حيث تـآلفه مع مضامين العمل ككل، لقد لون هذا الفنان الشاب بشكل صحيح وقدم حساً تجريدياً موفقاً موزعاً شخوصه ضمن فراغ مدروس جميل’.كما يرى الفنان السوري بطرس المعري أنه ‘من المؤكد أننا أمام موهبة جديدة متمكنة بما تقدمه، ومن الواضح أنه رسام وملون سواء بما قدمه من لون وخط، كما اعتمد الفنان على خيارات تشكيلية، معتمداً على خلفيات لونية ابرزت شخوصه التشكيلية بطريقة مدروسة، مع تحفظي على بعض اللوحات، وهذا لا يقلل من المستوى الجيد الذي وصل إليه رغم حداثة تجربته التشكيلية، فما أراه مشروع فنان هام على الساحة التشكيلية السورية متمنياً له مستقبل مليئا بالنجاح والعمل المستمر للوصول إلى مستويات متقدمة’.