بدت الانتخابات الأميركية وكأنها لعبة شد الحبل بين نهجين مختلفين يجمعهما هدف مشترك، هو المصلحة العليا للأمبريالية الأميركية في ظل نظام كوني ذي قطب واحد هو القطب الأميركي. النهج الأول تمثل بعقلية المحافظين الجدد المغامرة، والتي تشكل الصورة النمطية المتوارثة لرجال الكاوبوي ‘رعاة البقر’ التي تسكنها روح المغامرة وعربدة القوة والغطرسة والتي يتوارثها رؤساء ومرشحو الحزب الجمهوري، منذ رونالد ريغان الذي تلبسته روح الكاوبوي التي كان يمثلها على الشاشة، فشكلت سياسته في البيت الأبيض وسخنت الحرب الباردة لتصل إلى درجة حرارة قريبة للانفجار، وصولا إلى بوش الابن ومغامراته الحربية التي زعزعت الهيبة الأميركية في العالم، واستنفدت الخزينة الفيدرالية، وأدخلت الولايات المتحدة والعالم في دوامة أزمة اقتصادية مازالت تلقي بآثارها، وقد كان واضحا أن هذه العقلية تمثل تحالفا مشتركا بين الاحتكارات النفطية العابرة للقارات وتروستات تجارة الموت ‘احتكارات السلاح’، وكانت تهدف للاستفراد بالهيمنة على منابع النفط العالمي، وتنشيط تجارة الموت، وقد كان رومني الوريث لهذا النهج، ورسم برنامجه الانتخابي على أساس التحالف المتين مع اليمين الصهيوني الأكثر تطرفا ممثلا بتحالف نتانياهو- ليبرمان سواء في التهديد بحرب ضد إيران أو الدعم الواضح للتصفية العنصرية للكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين، وثقافة التعصب الديني للديانة المورمونية المختلقة في القرن التاسع عشر كـ ‘تكملة للتوراة (العهد القديم)’ والتي تجد معارضة حتى مع الطوائف المسيحية الأخرى، وتتسم بالعداء الشديد للإسلام. النهج الثاني، وهو يمثل تحالف كونسيرن رأسمالي، يرى في التركيز على معالجة الوضع الاقتصادي وتخفيف التوترات العالمية إلى حدودها الدنيا، وتحقيق الرفاهية للمواطن الأميركي أولويته الأولى، وقد ظهر ذلك في مطالبة أوباما لنتانياهو بتخفيف حدة التهديدات لإيران، حتى لا تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالميا، والرغبة الواضحة والمعلنة لدى أوباما لتقليص عمليات الولايات المتحدة العسكرية في الخارج، والانسحاب من أوحال حروب بوش، ونجاحات سياسة إدارته الاقتصادية في إنعاش قطاعات صناعية مهمة منها صناعة السيارات ومحاصرة آثار الأزمة الاقتصادية العالمية ومنع استفحالها في دول نامية، وتخفيض سعر صرف الدولار لإنعاش الصادرات الأميركية، وزيادة الاعتماد على موارد واحتياطات واستثمارات وطنية أميركية، وتوسيع التأمينات الصحية والتعليمية للمواطن الأميركي بفرض ضرائب على الأثرياء، بما في ذلك خوضه صراعا مع الجمهوريين لإقرار مشروع التأمين الصحي لملايين الفقراء والعاطلين عن العمل، وتخفيض الضرائب على قروض الطلبة، وثقافته الأكثر تسامحا وانفتاحا من منافسه، تلك الإنجازات وإن كانت متواضعة أضفت نوعا من التفاؤل لدى الناخب الأميركي، ويبدو أن اللوبي الصهيوني قد تجنب الانحياز ضد أوباما بعد أن لعق أوباما وعوده للعرب وأعطى الصهيونية وعودا مغلظة.الاختلاف إذن بين المرشحين لم يكن استراتيجيا بل تكتيكيا، فالدفاع عن المصالح الإمبريالية الأميركية وعن أمن الكيان الصهيوني ثابتان في السياسة الأميركية.هيثم الصادق