أ. د. علي الهيل ‘لا تحلموا بعالَمٍ سعيدْ..فبعدَ كل قيصرٍ يموتْ قيصرٌ جديدْ..’ (أمل دُنقُلْ)لفت انتباهي أن الألقاب نفسها التي كان يخلعها الإعلاميون على الفراعنة البائدين في المقابلات التي كانوا يجرونها معهم، هي نفسها التي بدأوا في خلعها على من يظهر بأنهم (مشاريع فراعنة جدد). تلك الألقاب الفارغة هي من بين العوامل التي فرعنتِ الهالكين، والخشية أن إعادة إنتاج الألقاب ذاتها قد تؤدي إلى إعادة إنتاج فراعنة ما بعد الثورات الشعبية العربية أو ما يُعرف أمريكيا وغربيا بدول ‘الربيع العربي’. يقال: إن فرعون (وهو رمز للحاكم بأمره في كل زمان ومكان)، سُئلَ مرة ‘من فرعنكَ يا فرعون’ فأجاب ‘أنتم من فرعنني’.فقد دأب الإعلام على مدى اثنتين وأربعينَ سنة يخاطب (القذافي) مثلاً بالأخ القائد، حتى صدق أنه القائد المغوار الذي لا يُشق له غبار. وكان يُخاطب (زين العابدين ومبارك وصالح) بأصحاب الفخامة، حتى صدقوا أنهم أهل فخامة أيْ في طبقة أرقى من (الرعاع أو الدهماء) الذين يُفترض أنهم رعاة أمناء لهم، وما يزال مسلسل ألقاب الجلالة والسمو والفخامة ذاته مستمرا مع الحكام الحاليين. يحدث للمرء (غسيل مخ) تلقائي، مع ديمومة واستمرارية تلقيبه بصاحب كذا لعقود، فيصدق أنه فعلا صاحب كذا وبالتالي هو أكبر من الخطأ وأن خطأه صواب، فيتفرعن ويركب على الناس ‘ويكشر فيهم كعنترة’، على حد قول (مظفر النواب). إنها طبيعة في الإنسان . ولذلك نلاحظ أن الإعلام البريطاني والبريطانيين عموما، يخاطبون رئيس وزرائهم بِ Mr. Cameron مثلاً، وقس على ذلك ما أو من تشاء من المسؤولين الأمريكيين وألأوروبيين، وفي أحيان كثيرة لا يُخاطب المسؤول الأمريكي أو الأوروبي ب مستر وإنما باسمه الأول مباشرة.في برنامج Spiing Image التليفزيوني البريطاني مثلاً، شخصية شمعية متحركة تشبه الملكة (إليزابيث الثانية)، يتم الإستهزاء بها إلى درجة إدخالها إلى بيت المرحاض، من غير أن تثور ثائرتها أو ثائرة أحد آخر بل هي نفسها تضحك وتستمتع بما تشاهده عن نفسها. فمن يجرؤ في كثير من البلاد العربية إلا من رحم الله، أن يلفظ في مكان عام إسم مسؤول دعك عن الحاكم أو الرئيس أو الملك باسمه المجرد؟ إنه تابوه، ولا أعتقد أن الثورات الشعبية قد تجاوزته، كما يبدو لي. بالإضافة للألقاب، فإن الأمريكيين والأوروبيين، كانوا أيضا يقتفون أثر الإعلام العربي، أو العكس، فكانوا يغدقون الألقاب على الحكام العرب المخلوعين والذين لم يُطبق بعدُ عليهم (الخُلع) الشعبي، لعلمهم بحب الحكام العرب للألقاب والمديح (رغم أنها ليست ثقافة شائعة في الإعلام الغربي أو بين عموم الأمريكيين والأوروبيين، الذين ينظرون إلى الرئيس المنتخب على أنه مجرد موظف يؤدي عمله) فكانوا وما يزالون يعاملون الحكام العرب كحالات نفسية. وبعد قيام الثورات الشعبية، لم يتغير الوضع نوعا وإنما كان التغيير ربما في الكيفية. فقد إستمر الأمريكيون والغربيون عموما، في وصف الثورات الشعبية التي أتت بالحكام الحاليين أو من يبدون بأنهم (مشاريع فراعنة جدد) ‘بالربيع العربي’، لكي يظفروا من الحاليين ما ظفروه من السابقين وهو ‘أمن ‘إسرائيل” أولاً وتدفق المصالح الإقتصادية ثانيا، وغير ذلك، وبالتالي يسهمون مع الإعلام العربي في فرعنة أو إعادة إنتاج فراعنة جدد.’ أستاذ جامعي وكاتب قطري